عمال النظافة

مواجهة كورونا بالأيدي العارية

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

داخل أحد الشوارع الجانبية بمنطقة سيجر التابعة لمدينة طنطا بمحافظة الغربية شمال مصر، حمل “محمود سيد أحمد” (55 عامًا)، مكنسته، ودفع أمامه صندوقه الخشبي الصغير، ليبدأ مهام عمله المعتاد كعامل نظافة بمجلس المدينة.

منذ حوالي 29 عامًا، بدأ “محمود” عمله في هيئة النظافة، لينتقل بعد 16 عامًا إلى بلدته بالغربية، ويواصل العمل بالروتين نفسه الذي اعتاده، لكنّ الوضع اختلف مع وصول “وباء كورونا” إلى مصر.

في منتصف فبراير الماضي، أعلنت وزارة الصحة المصرية تسجيل أول إصابة بفيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، الذي تحول إلى وباء يجتاح العالم.

لم يُبالِ “محمود” بالأخبار المتداولة عن الفيروس في البداية، واستمر في العمل دون اتخاذ أي إجراءات وقائية من الإصابة بالأمراض التي قد تنتقل عن طريق القمامة.

واصل العامل الخمسيني جمع القمامة بدون قفازات أو كمامة أو حتى زي رسمي حتى بعد اتخاذ الحكومة عددًا من القرارات للحد من انتشار الفيروس، فقرر هو وزملاؤه رفع الأمر للمشرفين على عملهم بهيئة النظافة والتجميل بمركز مدينة طنطا، لتوفير وسائل حماية بعد امتلاء القمامة بالنفايات الطبية، لكن شكواهم لم تجد أذنًا مصغية، بحسب تعبيره.

يقول “محمود”: “الخطر قريب مننا، واللي بيموت مننا في الشارع ملهوش دية، إحنا مجهولين بالنسبة للمسئولين”.

يُضيف: “أنا كل دخلي 2500 جنيه، وبشتغل 7 ساعات، وعندي 4 أولاد، خايف يتصابوا بالكورونا لو جالي، ومليش غير الوظيفة دي”.

تنتهي رحلة “محمود” اليومية، في تمام الساعة الواحدة، على “كوبري الزبالة”، وهو المكان الذي تستقر فيه أكوام القمامة التي يجمعها “محمود” وزملاؤه على مدار اليوم.

محرومون من الاختيار

“أنا بجمع الزبالة وبحملها على العربية من غير أي أدوات سلامة”.. بهذه الكلمات، بدأ “أشرف خضر” (50 عامًا)، أحد عمال النظافة بمنطقة الجزيرة الخضراء التابعة لمدينة الصف بمحافظة الجيزة، حديثه مع “ذات مصر”.

منذ 3 سنوات، التحق العامل الخمسيني، بهيئة النظافة والتجميل بمجلس مدينة الصف، كعامل باليومية في جمع القمامة من الجزيرة الخضراء.

استمع “أشرف” إلى تحذيرات ونصائح وزارة الصحة للوقاية من فيروس كورونا المستجد، لكنه لم يجد طريقًا للحصول على وسائل الوقاية.

يقول “أشرف”: “ما باليد حيلة، حوالي 20 فردًا من العاملين بمشروع جمع القمامة، طلبوا من المسئولين في مجلس المدينة توفير أدوات حماية مثل الكمامة والقفاز، وأبلغنا المسئول بأنه قد يتم توفيرها خلال الأيام القادمة، لكن حتى الآن لم نستلمها”.

لا يملك العامل الخمسيني رفاهية الاختيار، فهو بحاجة إلى الأجر الذي يتلقاه من العمل، لإطعام أفراد أسرته، ومع ذلك يخشى من إصابته بالفيروس وانتقال العدوى لأهله.

يتابع: “فكرت مروحش الشغل، لكن لو غبت يوم واحد بيتم توقيع خصم عليّا، وأنا محتاج الفلوس دي علشان ولادي”.

قطعة قماش بديلًا للكمامة

في شارع التحرير بحي الدقي بالجيزة، وقفت “أم سحر” (40 عامًا)، إحدى عاملات النظافة بعد أن غطت وجهها بقطعة قماش صغيرة، لتكون بديلًا عن الكمامة التي لم تحصل عليها.

تعمل “أم سحر”، في شركة خاصة للنظافة منذ حوالي 8 سنوات، حاولت خلالها أكثر من مرة الحصول على وظيفة أخرى بدلًا لعملها الذي تصفه بالشاق، لكن الحظّ لم يحالفها.

مع تزايد عدد المصابين بفيروس كورونا، خلال الأيام القليلة الماضية، فكرت “أم سحر” كثيرًا في المكوث داخل المنزل وعدم الخروج للعمل، خوفًا على حياة بناتها الثلاث اللاتي تعولهم بعد انفصال زوجها عنهم، منذ سنوات، وفي نهاية المطاف توقفت عن الخروج للعمل.

تقول “أم سحر”، إن المسئولين في الشركة التي تعمل بها لم يوفروا أدوات الوقاية التي تُصرف لعمال النظافة في الظروف الطبيعية، مثل الكمامات والقفازات، كما لم يمنحوهم مقابلًا لشراء تلك الأدوات من خارج الشركة.

تُضيف السيدة الأربعينية: إنها وزملاءها طالبوا بتوفير الكمامات والقفازات لهم، لكنهم لم يَلْقَوْا أي استجابة حتى الآن. مشيرةً إلى أن المسئولين أبلغوهم بأن تلك الأدوات صُرفت فقط لعمال هيئة النظافة والتجميل بالجيزة، لذا قررت أخيرًا عدم الذهاب للعمل، خوفًا من الإصابة بفيروس كورونا.

"سليم الديب": كورونا يُهدد عمال النظافة

من جانبه، قال “سليم الديب”، عضو النقابة العامة للعاملين بالنظافة وتحسين البيئة، إن بعض المسئولين يتعاملون بإهمال شديد مع عمال النظافة في الأحياء والمدن. مضيفًا أنه لا يتم توفير الحد الأدنى من مقومات الأمان لعامل النظافة حتى يقوم بتأدية واجبه.

وأشار “الديب” -في حديثٍ لـ”ذات مصر”- إلى أنه يتم إرهاق العمال جسديًّا ونفسيًّا دون أي عائد، مع أنّ العمال يتعرضون بشكل مباشر للانبعاثات التي تخرج من النفايات والتي تُعد خطرًا كبيرًا في الأيام الحالية، لاحتمالية تسببها في نقل وباء كورونا لعمال النظافة.

وأوضح عضو النقابة العامة للعاملين بالنظافة وتحسين البيئة أن عامل النظافة يُعتبر حاليًّا جنديًّا في الصف الأول لمواجهة وباء كورونا المستجد، دون أن يتم توفير أي أدوات، أو بدل عدوى، أو بدل مخاطر للعمال.

وتابع: الدولة تتخذ العديد من الإجراءات منعًا لانتشار المرض، لكن من جهة أخرى هناك فئة من الممكن أن تكون قنبلة موقوتة لنشر الوباء، خاصةً وأنّ مخلفات المواطنين حاليًّا صارت شبيهة بالمخلفات الطبية التي يتعامل معها العامل دون أي احتياطات أمان.

هيئة نظافة: وفرنا كمامات وقفازات للعمال

في المقابل، قال “مختار أبو الفتوح”، مساعد رئيس هيئة نظافة الجيزة، إن الهيئة وفرت جميع الأدوات اللازمة لعمال النظافة التابعين لمحافظة الجيزة، مثل: القفازات، والكمامات. مضيفًا أنه تم إعطاؤهم دورات عن طريق ممثلين من هيئة الطب الوقائي التابعة لوزارة الصحة لتعليمهم سبل حماية أنفسهم من مخاطر العدوى خلال الأيام الماضية.

ولفت “أبو الفتوح” إلى أن الهيئة لن تقوم بتوفير أي أدوات حماية للعمال التابعين للشركات الخاصة المتعاقدة مع الهيئة. موضحًا أن الهيئة وجهت المتعاقدين معها لتوفير تلك الأدوات لعمالها، وإلا ستكون هناك عقوبات تُوقَّع على الشركة في حال عدم تنفيذ تلك التعليمات.

قصة

سارة أبو شادي

صحافية مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram