زوايامختارات

عملية الـ9 مساء بتوقيت طهران.. كواليس اغتيال القيادي أبو محمد المصري

 

يا لها من لحظة. في 7 أغسطس/ آب عام 1998، يجلس أبو محمد المصري يتابع شاشات التلفاز في انتظار أن يشاهد خبرًا انتظره لوقت طويل، وعندما حانت الساعة المحددة، أعلنت عدة قنوات إخبارية نبأ تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا، لتعلو وجهه ابتسامة عريضة لنجاح الهجمتين.

كان عبد الله أحمد عبد الله، المعروف داخل تنظيم القاعدة بأبي محمد المصري، أحد العقول المدبرة لهجمات السفارات الأمريكية، كما تبين لاحقًا من التحقيقات التي أجراها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي F.B.I، لكنه ظل بعيدًا عن أعين أجهزة الأمن والاستخبارات الأمريكية طوال 22 عامًا، إلى أن تمكن عملاء أكراد -جندتهم الاستخبارات الإسرائيلية ووجهتهم الولايات المتحدة- من تصفيته داخل العاصمة الإيرانية طهران، في 7 أغسطس/ آب الماضي وفي نفس ذكرى تفجيري السفارتين، بحسب ما أكدته مصادر داخل “القاعدة” لـ”ذات مصر”.

في ذلك اليوم، وبحلول التاسعة مساءً بتوقيت طهران، قاد “المصري” سيارته البيضاء ماركة “رينو” وإلى جواره ابنته “مريم” (أرملة حمزة بن لادن)، وقبل أن يخرج من الحي الذي يقطن فيه داخل العاصمة الإيرانية، اعترض طريقه فردان مسلحان بمسدسات مزودة بكواتم صوت، وأطلقا عليه 5 رصاصات، اخترقت  4  منها سيارته وجسده، واستقرت الخامسة داخل سيارة مجاورة، قبل أن يلوذا بالفرار.

أبو محمد المصري

حينها، كانت إيران تعيش على وقع حوادث متتالية هزت كيان نظامها السياسي، إذ تتابعت الانفجارات مجهولة السبب في مؤسساتها العسكرية، في حين بدأ مجلس الأمن الدولي بحث مد حظر التسليح المفروض عليها، وظن المسؤولون في طهران أن عملية اغتيال “المصري” هدفها دفع الإيرانيين لتنفيذ أي عمل عنيف استباقًا للتصويت المرتقب في مجلس الأمن.

وبعد تسرب خبر مقتله، أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن القتيل أكاديمي لبناني متخصص في التاريخ ويُسمى حبيب داوود، كما أذاعت وسائل إعلام لبنانية مرتبطة بحزب الله نبأ الاغتيال زاعمةً أن داوود هو أحد القيادات المرتبطة بحزب الله اللبناني، لكن عدة مصادر مقربة من الحزب نفت لـ”نيويورك تايمز” وجود قيادي فيه يحمل هذا الاسم.

مصادر استخبارية غربية رجحت أن يكون “حبيب داوود” مجرد اسم اتُخذ كستار استخباري للتغطية على وجود أبي محمد المصري في إيران، خصوصًا وأنها لا تعلن رسميًّا عن استضافتها لرموز القاعدة على أراضيها.

الإف بي أي تعلن عن مكافأة لاعتقال أو قتل المصري

تاريخ طويل في “قيادة القاعدة”

مثَّلَ اغتيال المصري ضربة قوية للقاعدة، خصوصًا وأنه كان مرشحًا لقيادة التنظيم في مرحلة ما بعد “الظواهري”، لعدة اعتبارات منها كونه أحد القيادات التي أسست القاعدة في ثمانينات القرن العشرين، إضافة إلى خبرته العسكرية والشرعية الطويلة وعضويته بالمجلس القيادي له (مجلس الشورى).

وساهم المصري في تدريب المسلحين الصوماليين المقربين من القاعدة في التسعينات، وكان أيضًا أحد أقرب القيادات لأسامة بن لادن (مؤسس التنظيم)، وأشرف بنفسه على تفجيرات السفارات الأمريكية، ولهذا السبب وضعت المباحث الفيدرالية الأمريكية مكافأة قدرها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلومات تؤدي لاعتقاله أو قتله، لكنه انتقل مع مؤسس القاعدة إلى أفغانستان وتولى في عام 2000 عضوية مجلس الشورى والإشراف على التدريب العسكري داخل معسكرات التنظيم.

وعقب الاحتلال الأمريكي لأفغانستان، أصبحت معاقل القاعدة في “جبال الهندكوش” غير آمنة لبقاء قيادات التنظيم، فانتقل أبو محمد المصري وعدد من القيادات برفقة عائلاتهم إلى إيران، وأقاموا في أحد أحياء طهران تحت أعين وحماية قوات الحرس الثوري الإيراني.

شعار وزارة الاستخبارات الإيرانية


الحال في إيران

لم تسر العلاقة بين إيران والقاعدة على وتيرة واحدة، بل ساءات في فترات مختلفة وهو الأمر الذي دفع السلطات الإيرانية لاعتقال عدد من القيادات من بينهم “المصري” وأودعتهم داخل أحد المجمعات التابعة للحرس الثوري، قبل أن توافق على إطلاق سراحهم في عام 2015 بموجب صفقة تبادل أسرى أجراها فرع القاعدة في اليمن مع إيران.

بعد الإفراج عنهم، عرضت السلطات الإيرانية على قيادات القاعدة الانتقال إلى سوريا أو أفغانستان أو باكستان، وبالفعل سافر صهره “أحمد حسن أبو الخير” المُكنى بأبي الخير المصري (قُتل في 2017)، إلى سوريا لكن “أبومحمد المصري” فضل البقاء في إيران، وأقام بضاحية باسدران الراقية في العاصمة، ووِضعَ تحت حماية الحرس الثوري، ثم وزارة الأمن والاستخبارات الإيرانية التي منحته هوية مزورة تُعرفه بـ”الأكاديمي اللبناني”.

ولاحقًا، تزوجت نجلة عبد الله أحمد عبد الله (أبومحمد المصري)، بنجل مؤسس القاعدة حمزة بن لادن، قبل أن يُقتل الأخير في عملية عسكرية أمريكية في عام 2019، لتنتقل لتقيم مع والدها في العاصمة الإيرانية، فيقتلان معًا في أغسطس الماضي.

أبومحمد المصري وصهره حمزة بن لادن

صمت مُقيم

رغم مقتله منذ أكثر من 3 أشهر، لم يعلن “القاعدة” رسميًا مقتل “المصري”، في حين التزمت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران الصمت، ولم تتبنَ أي جهة عملية الاغتيال إلى الآن.

ورغم أن أمريكا، كانت تتعقب تحركات “المصري” ورفاقه طوال السنوات الماضية، إلا أن طبيعة الدور الذي لعبته في العملية الأخيرة لا زال محاطًا بهالة من الغموض، على حد وصف صحيفة “نيويورك تايمز”.

وحتى نشر هذا التقرير، لم تُعلن أي جهة بصورة رسمية مسؤوليتها عن اغتيال المصري، في حين التزم تنظيم القاعدة الصمت التام تجاه الأنباء المتداولة عن مقتل أحد أبرز قادته، ولم ينف أو يؤكد مقتله مع أرملة صهره السابق حمزة بن لادن.

 

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى