دراسات وتحليلاتمختارات

عملية “حارس الأسوار”: كيف تخطط إسرائيل حربها على غزة؟

هذه المادة هي ترجمة نصية لمقال منشور على موقع “معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي” التابع لجامعة تل أبيب، بتاريخ 16 مايو 2021، وكتبه “أودي ديكل”، المدير الإداري للمعهد، وهو منْ كان رئيس فريق مفاوضات إسرائيل في عملية أنابوليس في ظل حكومة أولمرت.

وتنبع أهمية تتبع إصدارات هذا المركز، كونه أحد أعمدة صنع القرار في إسرائيل، وينخرط في عمله مسؤولون عسكريون وسياسيون، بعضهم خارج الخدمة، والبعض الآخر لا يزال في مناصب رسمية.

والمقال تحديدا يطرح بدائل استراتيجية لصانع القرار الإسرائيلي للتعامل مع الوضع في الأراضي المحتلة وغزة، ويجدر بأي مُحلل أو متابع عربي أن يكون على دراية بأبعاد التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي، حيث يستطيع قراءة المشهد بشكل دقيق، وفهم ما وراء الأفعال والتصريحات الإسرائيلية.

كانت هذه مقدمة كتبها محرر “ذات مصر”، وننتقل الآن إلى النص المترجم:

القصف الإسرائيلي على غزة
القصف الإسرائيلي على غزة

إنَّ كياننا غارقٌ في حدثٍ متعدد الجبهات: توترات دينية-قومية في القدس، وأعمالُ شغبٍ في الأوساط اليهودية والعربية المختلطة، واستمرار الأعمال العدائية مع حماس وجماعات قطاع غزة الإرهابية [تُقرَأ فصائل المقاومة –م]، والعنف على الحدود اللبنانية.

توحي كوكبة الأحداث هذه –ظاهريًا- باستراتيجيةٍ فلسطينية جديدة:

حملة لحماية الأماكن الإسلامية المقدسة ومنع تجريد الفلسطينيين من منازلهم.. الحال أنَّ حماس لم تكن من أطلق العنان لهذه الحملة، بيد أنَّها اختارت ركوب موجة الاضطرابات التي اندلعت في القدس –في الحرم الشريف/الأقصى وعند باب العامود وحي الشيخ جراح، فقد وجَّه لنا التنظيم إنذاره ثم نفَّذ تهديده حين لم نستجِب لمطالبه، مُطلِقًا رشقات صواريخه إلى القدس ووابل قذائف في عمق مناطقنا الداخلية، بالإضافة إلى هذا فقد ألَّب التنظيم أيضًا الشارع العربي عندنا بهدف تقويض التعايش في البلد.

تتضمن السمات الجديدة للمواجهة متعددة الجبهات: عناصر متعددة فاعلة في الجانب الفلسطيني –في القدس وقطاع غزة والضفة الغربية والمدن والبلدات المختلطة في كياننا، والارتباط الوثيق بين مختلف الساحات النَشِطة [تُقرَأ المُنتَفِضَة –م]، حيث القوة الدافعة الرئيسة هي القومية الدينية [تُقرأ النضال التحرري –م]، والانتشار الواسع والمتزامن للأحداث.

سعت حماس إلى تبوؤ موقع القيادة في المعسكر الفلسطيني، موقعَ مديرِ حملةٍ متعددةِ الجبهات والأبعاد، من حيث الأداء، وبكل وضوح من حيث جذب الرأي العام.

كانت الحمية الدينية-القومية العنصرَ الذي اشتَعَلَ عقبَ أحداثِ القدس، خاصةً في الأقصى (الحرم الشريف)، وهي قضية أجمعت عليها التيارات كافة في المعسكر الفلسطيني.

تواجد عناصر الاحتلال الإسرائيلي في القدس
تواجد عناصر الاحتلال الإسرائيلي في القدس

لقد أشعلت الهجمات على الأقصى، لا سيما دخول قوات الشرطة إلى المسجد، إحساسًا لدى الشباب العربي بأنَّنا نطردهم من الأماكن الإسلامية المقدسة، وقد فاقمَ هذا المشاكل الرئيسة المنتشرة في المجتمع العربي [تحت الاحتلال –م]، مشاكلٌ هي ثمرة سنواتٍ من الإهمال والتهميش: التمييز البنيوي بين اليهود والعرب في البلدات المختلطة، واختراق مجموعاتٍ يهودية قومية للقرى المختلطة، ما رآه العرب على أنَّه مشروع استيطاني، وتصاعد العنف والإجرام بحق المجتمع العربي [تحت الاحتلال –م]، والتي يمكن بسهولة أن توجَّه إلى اليهود، وأخيرًا –إجهاد شرطتنا وضعفها، بالنظر إلى توسع الجيوب الخارجة عن السيطرة والسلطة وتحصّنها، بخاصة في القرى العربية [تحت الاحتلال –م].

تكمن، وراء كل هذا، الحاجة إلى الاعتراف بالهوية الهجينة للعرب [تحت الاحتلال –م]، وكيفية تجليها أساسا بين الشباب.

يُقدِّم الجيل الشاب نفسه كعربي مسلم، وكإسرائيلي يحق له الحقوق المدنية الكاملة، وكفلسطيني يدعم النضال الفلسطيني لتقرير المصير.. ووسط هذا، تتأثر سلوكيات هذا الجيل بلمس عصب الهوية الدينية-القومية، فيرى نفسه المدافع عن الأقصى والقدس.

أما فيما يخص جبهة قطاع غزة، فقد صوَّرت حماس نفسها مدافعًا عن الأقصى والقدس، غير مترددة في إطلاق رشقات صواريخها على القدس وعلى قلب [الكيان –م]، بما في ذلك استهداف تل أبيب، الأمر الذي يضرب عصبًا حساسًا، وحرَّضتَ وألّبَت الشباب العربي [تحت الاحتلال –م] ليشاركوا في الهجمات التي تصاعدت إلى مستوى مذابحَ معادية لليهود، وأثبتت أنَّها الحركة القائدة للمعسكر الفلسطيني، مع تقويضها لأهمية السلطة الفلسطينية –على الساحة الفلسطينية الداخلية وفي النضال ضد [الاحتلال –م]، ووجهت إنذارًا لنا، قائلةً إنَّه في حال لم نلتزم به فستُطلَقُ الصواريخ باتجاه القدس ووسط البلاد.

وقد نفَّذَت تهديدها بدقة، وعطّلت، بل ربما ضربت، عملية اقتراب الحزب الإسلامي الإسرائيلي من صفوف الحكومة، وفاجأتنا، إذْ ساد تقييمٌ عام بأنَّ حماس غير راغبةٍ بالتصعيد، وبالتالي ستمتنع عن إطلاق رشقات صاروخية مكثفة على وسط البلاد.

غير أنَّه تبع ذلك تحولٌ.. فابتداءً من هذه المرحلة وصاعدًا، أصبحت الضربات باتجاه حماس أكثر إيلامًا وأهميةً.. لقد تحول الانتباه في الواقع عما كان يجري في القدس إلى قطاع غزة –على العكس من رسالة حماس، حيث كان الأقصى مركز الأحداث.

لقد ركز [جيش الاحتلال –م] حتى الآن على ضرب الجناح العسكري من حماس والجهاد الإسلامي: مُغِيرًا على البنى التحتية لإنتاج وتجميع الصواريخ وأوكار القيادة والتحكم، مع إلحاقِ أضرار بالغة بالبنية التحتية للأنفاق التي تعد قاعدةً لمقاتلي حماس، ومستعينًا بالهجمات الدقيقة لتصفية قادة التنظيم.

اقرأ أيضًا: التصعيد على غزة بعيون إسرائيلية: لعبة نتنياهو من أجل البقاء

عند هذه المرحلة، ما زلنا نتمتع بسمعةٍ سياسية حسنة على الصعيد الدولي تتيح لنا مواصلة هجومٍ واسع النطاق على أهداف غزة العسكرية ورموزها.

من المحتم هنا أن يُلحِق ذلك دمارًا متزايدًا بغزة، بينما تواصل دفع ثمن ما تقصفه من صواريخ على مناطقنا وإطالتها أمد الحملة.

المطلوب استراتيجيةٌ متعددة الجبهات

للتعامل مع هذا الحدث بأكفأ شكل تلزمنا استراتيجية متعددة الجبهات والمسارات تتصل بالحاضر والمستقبل، وتوجه العمل على الجبهات المعنية، لكن نظامنا يفتقر إلى قدراتٍ تكاملية قوية، على كلٍ من المستويين التنظيمي الداخلي والبحث والتخطيط لحملة في الساحات المختلفة، حين يدرس التداعيات بينهما.

يشكِّل الحدث الحالي المُركَّب “ضوءًا أحمر” ويتطلب الإعداد الجيد للبنية التحتية السياسية والعملانية.

أولًا وقبل كل شيء، لا بد من تخفيف الاحتقان في المدن [المحتلة –م]، بحيث نحتوي أعمال الشغب وتجنيد مجموعاتٍ إضافية من كِلا الجانبين في دائرة العنف.

ولهذه الغاية، ينبغي إعلان حالة طوارئ مدنية، حيث تركز الشرطة مدعومةً بحرس الحدود على التصدي لمثيري الشغب –لا العرب فحسب، بل والمتطرفين اليهود أيضًا، ممن يجري تحريضهم عبر قنوات وسائل التواصل، يدفعهم في ذلك ساسةٌ من رتبٍ مختلفة يسهمون في إذكاء اللهيب– والقيام باعتقالات جماعية لمخالفي القانون من كِلا الجانبين.. وبالمثل، فمن الأهمية إشراك القيادة العربية –المحلية والقومية– في الدعوة إلى ضبط النفس ومنحها منبرًا يتيح لها قول ما يصبّ في صالح التهدئة.

بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي
بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي

علاوة على ذلك، رغم خلفية التحريض والعنف وشدتهما ونطاقهما وسط المجموعات في جميع أرجاء [البلد –م]، سواء من العرب أو اليهود، فإنّه من الخطأ تصوير التوتر الحالي على أنَّه حربٌ أهلية.. إنَّ أقليةً متطرفة من كِلا الجانبين أطلقت العنان لأعمال الشغب والفوضى، لا بدَّ من سلبها القدرة على أنْ تملي طريقة تأطير الأحداث.

بالتوازي، ينبغي إدارة الحملة ضد حماس في غزة، مع النظر في تداعياتها محليًا واستيعاب أنَّ ثمَّة حدًا للإنجاز العسكري حين يتعلق الأمر بحماس.

بذا فالهدف هو فرض شروطنا لوقف الأعمال العدائية وخلق ظروفٍ أفضل لاتفاقٍ ما في المستقبل يحرم حماس من المقدرة على الابتزاز والتحكم بالواردات من الموارد إلى القطاع حتى لا يعود بمستطاعها استخدامها لتعظيم قوتها العسكرية.

ولهذه الغاية، على الجمهور [الصهيوني –م] مواصلة سلوكه المسؤول.. إنَّ لعدد الضحايا وحجم الأضرار أهميةً أيضًا عند حساب التكلفة والعائد الذي سيُجرَى في نهاية الحملة الحالية.. وبغية تكريس انطباع دبلوماسي إيجابي إزاءنا على الصعيد المحلي والدولي، ينبغي نشر مقاطع مصورة تشيعُ السردية الصهيونية حاليًا.. بالتزامن مع هذا، يجب مكافحة التحريض المنتشر على الإنترنت، والذي يهدف إلى إثارة العداء بين العرب واليهود داخل [الأراضي المحتلة –م].

في الآن ذاته، من المهم بقاءُ الضفة الغربية خارج دائرة التصعيد عبر تنسيقٍ أمني مع السلطة الفلسطينية –مع مكافأتهم على هذا.. سيعمل هذا على إبراز أنَّ سياسات السلطة الفلسطينية تُدِرُّ المكاسب على الجمهور الفلسطيني، على العكس من حماس التي تلحق الضرر.

ختامًا، لقد تبدَّد اليوم بشكلٍ لا لبس فيه الاعتقاد القائل بأنَّ صفقات التطبيع مع الدول العربية ستُزيلُ المشكلة الفلسطينية من على جدول الأعمال المحلي والإقليمي والدولي –لم تحظَ هذه القضية فعليًا سوى باهتمام محدود نسبيًا.

إنَّ ما تفرضه القضية الفلسطينية-الصهيونية من التحديات باقٍ ومُقدَّرٌ له أنَّ يطفو على السطح من حين إلى آخر، وبالتالي يقتضي منا تفيكرًا استراتيجيًا متجددًا ومتعدد الأنساق، وينبغي علينا صياغة هدفٍ يركز على استئناف العملية السياسية مع السلطة الفلسطينية، حتى لو لم يكن هناك أملٌ أو توجهٌ للدفع نحو اتفاقٍ شامل، وإنما ترتيبات انتقالية تدريجية تهدف إلى تحسين الواقع الأمني والمدني في مناطق النزاع ومنع حماس من تولي البرنامج الفلسطيني.

في هذا الإطار، ينبغي إعادة الأردن إلى دوره كعنصرٍ معتدل وشريكٍ في الاتفاقات بيننا وبين السلطة الفلسطينية.

المصدر: (اضغط)

علاء بريك

كاتب ومترجم سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى