زوايامختارات

عندما يتجاهل المؤرخون.. تاريخ العاديين!

سُئل ويل ديورانت ذات مرة أن يلخص تاريخ الحضارة الإنسانية فقال: "هي نهر ذو ضفتين، يمتلئ أحيانًا بدماء الناس الذين يقتلون ويسرقون ويصيحون ويفعلون أشياء يسجلها المؤرخون عادة

 

سُئل ويل ديورانت ذات مرة أن يلخص تاريخ الحضارة الإنسانية فقال: “هي نهر ذو ضفتين، يمتلئ أحيانًا بدماء الناس الذين يقتلون ويسرقون ويصيحون ويفعلون أشياء يسجلها المؤرخون عادة. ولكننا نجد على الضفتين، في الوقت ذاته، أناسًا لا يحس بهم أحد وهم يبنون البيوت، ويمارسون الحب والجنس، ويربون الأطفال، ويتغنون بالأغاني، وينظمون الشعر، بل وينحتون التماثيل. وقصة الحضارة هي قصة ما حدث على الضفتين، ولكن المؤرخين متشائمون، لأنهم يتجاهلون الضفاف ويتعلقون بالنهر”.[1]

الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي: ويل ديورانت

التاريخ والتأريخ

تنبهنا مقولة ديورانت عن طبيعة التاريخ، وهو المؤرخ والفيلسوف الأمريكي المعروف، إلى فارق مهم جدًّا لا نتتبه إليه عادة، بين “التاريخ” و “التأريخ” (لاحظ الفارق الهائل الذي تُحدِثه هذه الهمزة الصغيرة).

فــ”التاريخ” هو الأحداث اليومية في تتابعها العادي والمتشابك كما حدثت بذاتها في الواقع، أما “التأريخ” فهو الكيفية التي تم بها تدوين هذا الواقع. ولعلّ قارئًا يسأل: وهل يوجد فارق بين الأحداث وبين الطريقة التي كتبت بها هذه الأحداث؟ الجواب هو: نعم بكل تأكيد، الفارق هائل بين “ما حدث” و”ما كُتِب”.

حدث واحد.. و5 روايات

ولكيلا نطيل في التوضيح، يمكننا أن نقوم معًا بتجربة عملية: اسأل 5 أشخاص من حولك الآن عما حدث في مصر في يناير/كانون الثاني 2011، أو إن شئت أن تكون التجربة أكثر تشويقًا، اطلب من أصدقائك الخمسة أن يكتب كل واحد منهم مقطعًا صغيرًا في نصف صفحة يصف به ما حدث. لاحظ أنه، وعلى الغالب، إذا كنت طالبًا جامعيًّا اليوم أو أكبر من هذا، فسيكون كل من حولك قد عاش أحداث يناير/كانون الثاني 2011 بنفسه، أو راقبها من كثب. ما الذي تتوقع أن تحصل عليه في النهاية؟ في الغالب ستحصل على 5 روايات مختلفة تمامًا لنفس الأحداث، من أشخاص عاصروها جميعًا. لماذا يحدث هذا في اعتقادك؟ تعالَ أخبرك.

الواقع معقد جدًّا ومليء بالتفاصيل، كما يمكن لأي إنسان أن ينظر إليه من زاوية تخصه، وهذا هو المستوى الأول فقط من المشكلة. أما المستوى الثاني فهو أن الأحداث تحدث في الواقع دون أن تعلن أسباب حدوثها، بمعنى أنه عندما يحدث حدث ما -كالثورة مثلاً- لا يمكنك أن تكون متأكدًا أي الأحداث السابقة عليه هو سببه المباشر، وهنا يأتي دور المؤرخ الذي سيصنع من هذه الأحداث -التي لا يربطها سوى أنها حدثت متتابعة- “سردية” متماسكة، بمعنى أنه سيربط بين بعض الأحداث وبعض، طبقًا لرؤيته وزاوية تحليله، وبالتالي -وبنحو تلقائي- سيعطيك “تتابعًا” معينًا للأحداث يفترض أنه مترابط وكل حدث فيه أدى إلى ما بعده، وهو ليس نفس “التتابع” الذي سينتجه “مؤرخ” آخر يعتقد في أسباب أخرى لنفس الحدث، وهو ما يزيد المسافة بين ما حدث وبين الطريقة التي كُتِب بها.

رؤية المؤرخ

أما المستوى الثالث من تعقيد “التاريخ” كما يحدث في الواقع، هو أن اختيار الحدث النهائي نفسه عملية تخضع لرؤية “المؤرخ”، بمعنى أن المؤرخ -كما قال ديورانت- يختار الأحداث التي يضعها في البؤرة، وبالتالي يسلط الضوء عليها ويعتبرها مركز التحليل، وبالتالي سيكون عليه أن يُسقِط بعض التفاصيل التي يراها غير مهمة أو غير متصلة بالحدث النهائي. والأحداث التي سيضعها المؤرخ في بؤرة التحليل، هي في الغالب الأحداث ذات التكثيف الدرامي العالي، والتي -في نهاية الأمر- سيهتم القارئ بقراءتها. فلا أحد يهتم بقراءة “تاريخ” يوميات الفلاحين الذين يزرعون في المزارع، أو الأمهات في البيوت، بمعنى أنه لا أحد يهتم بقراءة الأحداث التي يمكن له أن يراها كل يوم أمام عينيه؛ الجميع يريد أن يقرأ عن الأشياء التي لا يراها كل يوم؛ الحروب، الثورات، المؤامرات…إلخ. وبناء على ذلك، يخضع اختيار المؤرخ لاعتبارات عديدة تجعله مضطرًّا إلى أن يركز على الأحداث “المهمّة” من وجهة نظر القارئ المتلهف لمعرفة “ما حدث” أو حتى من وجهة نظر المؤرخ نفسه. وفي سبيل ذلك، يلقي المؤرخ بملايين التفاصيل اليومية “غير المهمة” -والتي حتي قد تبدو مملة إن كتبت- إلى خارج دائرة الضوء.

يقول المفكر المغربي عبد الله العروي “هناك قول اتفق عليه المؤرخون القدامي شرقًا وغربًا، وهو أن التاريخ المذكور هو مجموع العوارض والطوارق التي كانت تستحق أن تحفظ. وما لم يذكر فلسبب عدم أهميته أو، كما قيل فيما بعد، لأنه لم تكن له نتائج ظاهرة”[2]، ومن هذا التمييز الذي يمارسه المؤرخون تحديدًا يحدث الفارق الهائل بين “التاريخ” -أي ما حدث في الواقع- و”التأريخ” -أي ما كتب من هذا الواقع في نهاية الأمر- وهذا بالضبط ما كان يعنيه ديورانت في إجابته عن السؤال.

أضف إلى ذلك بعض العوامل الأخرى التي تزيد الفجوة بين “التاريخ” و”التأريخ”: مثلاً، لا يستطيع المؤرخ -حتى لو أراد- أن يكتب “كل شيء”، فهو في النهاية محدود بمساحة الكتابة (مثلما كان أصدقاؤك الخمسة في تجربتنا السابقة محدودين بمساحة نصف الصفحة) فلا يستطيع المؤرخ، ولو شاء، أن يتجرد من انحيازاته السياسية والاجتماعية المسبقة، والتي تحكم رؤيته للواقع، شاء أم أبى. ناهيك طبعًا بالمؤرخ الذي يكتب عامدًا واقعًا مزورًا لمصلحة أو أخرى لحسابات سياسية أو اقتصادية، فهذا أمر آخر لا يعنينا هنا، إنما يعنينا هنا المؤرخ الجاد الذي “يحاول” أن يكتب تاريخًا حقيقيًّا. وناهيك أيضا بالخطأ البشري في النقل والرواية وأخطاء الذاكرة، فذاك أيضًا أمر آخر.

“الماكرو” و”المايكرو”

“التاريخ”، إذًا، ليس هو ذاته “التأريخ” كما أوضحنا، فكيف يمكننا أن نفهم “التاريخ” إذًا؟ دعنا نتفق أولاً أننا -أنا وأنت- نعيش “داخل” التاريخ، أي نعيشه بأنفسنا بالفعل، أو على الأقل نعيش جزءًا منه. ألم نتفق سابقًا أن “التاريخ” هو الأحداث اليومية كما تحدث في الواقع، ونحن في النهاية جزء من هذا الواقع؟ إذًا، ورغم أننا “نعيش” هذا التاريخ، فإننا إذا أردنا أن “نفهمه” فنحن بهذا نختار أن نخرج بوعينا من مربع وجودنا “داخل” التاريخ، إلى مربع النظر إلى التاريخ كموضوع، أو كأننا ننظر إلى التاريخ من خارجه، لكي نفهمه. ومثله مثل أي ظاهرة أخرى، يمكننا أن نختار المسافة التي ننظر من خلالها إليه، ومستوى التفاصيل الذي نريد أن نقف عنده. تخيل أنك تتأمل عينة من الأحجار على سبيل المثال موضوعة أمامك على الطاولة؛ بإمكانك أن تنظر إليها في شكلها العام وهيئتها بواسطة عينيك المجردتين، وبإمكانك كذلك أن تستخدم عدسة مكبرة وتنظر إلى سطحها وتفاصيلها الدقيقة. لاحظ أنه لا يمكنك أبدًا أن تجمع بين المستويين في لحظة واحدة؛ دائمًا سيكون عليك أن “لا تنظر” إلى أحدهما وأنت “تنظر” إلى الآخر. كذلك التاريخ، فعندما نتأمل التاريخ من خارجه سيمكننا أن نميز بين مستويين للنظر: مستوى كبير/ عام/ ماكرو، ومستوى آخر تفصيلي/صغير/ مايكرو.

عند المستوى الأول من التاريخ -الماكرو- يمكن للمؤرخين و-ربما بقدر أكبر- الفلاسفة والسوسيولوجيين والأنثروبولوجيين، أن يتساءلوا عن “الأنماط العامة” لمجرى التاريخ، وذلك إذا افترضنا أن بين المجتمعات الإنسانية أنماطًا عامة تتكرر تمكن ملاحظتها، كما يمكنهم أن يجتهدوا في التفكير بشأن “مراحل التاريخ”، وذلك إذا افترضنا كذلك أن التاريخ يمكن تقسيمه إلى مراحل واضحة المعالم. عند المستوى الماكرو من التاريخ، أيضًا، يمكن لهؤلاء أن يتساءلوا عن “اتجاه التاريخ”، أي أن يطرحوا أسئلة من قبيل: هل يسير التاريخ باطراد نحو مزيد من العقلانية مثلاً؟ أم هل يسير باطراد نحو مزيد من الفردانية؟ هل للدين مستقبل في التاريخ؟ هل سيتغير معنى العلم في المستقبل؟ إلى آخر هذه الأسئلة التي تفترض أن ثمة اتجاهًا ما للتاريخ يمضي نحوه. لكن من أين تأتي كل هذه الاستنتاجات الكبرى؟

تأتي الاستنتاجات الشمولية عن التاريخ -أو يفترض أن تأتي- من المستوى الآخر من التاريخ: المايكرو. يعني مستوى “المايكرو” من التاريخ بمنتهى البساطة الإمساك بالعدسة المكبرة والالتفات إلى التفاصيل الدقيقة في منطقة محدودة بعينها (وبالتالي إسقاط النظرة الشمولية والكلية للتاريخ ولو مؤقتًا). وعند هذا المستوى يبتغي المؤرخون معارضة التعميمات الكبرى المسبقة حول التاريخ، والاقتراب أكثر من الأحداث التفصيلية كما حدثت في الواقع ولو في نطاق ضيق. وهنا نجد أنفسنا أمام محاولة جاهدة للإمساك “بالتاريخ” كما هو، لكنها محاولة محدودة بحدود البحث، فكما قلنا في البداية: لا يمكن للمؤرخ أن يمسك بكل التفاصيل، وإن اجتهد، فالواقع مركّب جدًّا ومليء بالتفاصيل، كما أن هذا التركيب الموجود “في الواقع” لا تمكن إعادة إنتاجه -في تعقيده وتركيبه- “في الورق”، لكنها المحاولة على كل حال.

يمكننا أن نفهم إذًا مما سبق أن عملية فهم التاريخ، أو “التأريخ”، هي في النهاية حركة دينامية بين مستويي التاريخ: العام/الماكرو والخاص/المايكرو، فنحن في النهاية نتعمق في تفاصيل الماضي لكي يمكننا أن نخرج بتعميمات تساعدنا على فهم الواقع والمستقبل، كما أن هذه التعميمات لا يمكن التأكد من مدى صحتها دون العودة واختبارها إزاء أحداث تفصيلية في مناطق أخرى، وهكذا.

من يحرك التاريخ؟

يمكن أن يقودنا هذا التفاعل بين مستويي التاريخ العام والخاص، إلى فهم أفضل لطبيعة التاريخ. فهذه الأحداث الصغرى اليومية التي تحدّث عنها ديورانت هي في الحقيقة ما يصنع المعالم الكبرى للتاريخ. تخيل أن شعبًا يعرف الكتابة غزا شعبًا لا يعرفها، وذات نهار يمر رجل من أهل البلد برجل من الغزاة يكتب على جلد غزال أو بردية فيُعجب بما يفعل، ويصبحان صديقين، ثم يطلب منه أن يعلمه، ثم يعود هذا الرجل إلى أهل بلده ليفتح أسواقًا جديدة لراغبي تعلم الكتابة، ويجني ثروة من الأمر، ثم بسبب رواج الأمر يقبل عليه كثيرون من أبناء البلد، وهكذا. تخيل أن هذا السيناريو اليومي يتكرر آلاف المرات، حتى تجد بعد عشرات السنوات أن الحال قد تبدلت وانتهى الأمر إلى أن “عرف شعب كذا الكتابة منذ حقبة كذا…”. تخيل أن هذه النتائج الكبيرة في عمر المجتمعات هي في النهاية تحدث بواسطة ميكانيزمات يومية وعادية جدًّا كالصداقة والتجارة والزواج والزراعة…إلخ.

يمكن تشبيه الأمر ببساطة بكأس مملوءة بالماء حتى حافتها، وبإضافة نقطة واحدة تفيض الكأس بالماء. عادة ما ستكون عين المؤرخ مركزة على هذه النقطة الأخيرة التي سبقت الفيضان، على اعتبارها سببه المباشر، في حين أن -في الحقيقة- قصة الفيضان تبدأ من النقطة الأولى التي دخلت إلى الكأس، تلك التي لا يلتفت إليها أحد، والقصة قد اكتملت تفاصيلها مع كل نقطة دخلت إلى الكأس في تتابع بطيء وتراكميّ، ولم تكن لحظة النقطة الأخيرة سوى تتويج لكل هذه الأحداث الصغيرة اليومية التي تراكمت لفترة طويلة.

بهذه النظرة، يمكنك أن تعيد النظر إلى أحداث كبرى تظن أنك عاصرتها وعرفتها، أو قرأت عنها وفهمتها: الثورة، الحرب، التنوير…إلخ، كلها أحداث كبرى تتركز سردياتها “التأريخية” على مسبباتها المباشِرة، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وفكريًّا، في حين تسقط من حسابات المؤرخين عادة آلاف التفاصيل اليومية، والتي كانت ستبدو غير مهمّة أو غير جذابة في الحبكة الدرامية للسردية التأريخية، لكنها -كما يقول ويل ديورانت- هي التاريخ نفسه، ومجرد “تاريخ عادي” لا يلتفت إليه أحد، لأنه -ويا للمفارقة- موجود في كل مكان.

المراجع :

العروي عبد الله.. مفهوم التاريخ. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي (2005).

ديورانت ويل.. دروس الحضارة. الكويت: دار سعاد الصباح. (1993

 

 

يامن نوح

باحث أنثروبولوجي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى