عن الجريمة والفضيحة وأزمات اليسار

ملاحظات على #مي_تو "من موقع المُتهم"

اتُّهمت مؤخراً بالتحرش الجنسي في واحدة من موجات #مي_تو المتتالية، وبالإضافة إلى كون هذه فرصة بالتأكيد للمراجعات الشخصية المتعلقة بسلوكي عمومًا، كانت كذلك فرصة للتأمل في الحركة نفسها من موقع لم أعتده، باعتبار تعاطفي معها ودفاعي عنها المستمرين حتى الآن، أو عدم تصوري بديلًا لها على الأقل. ومن ثمَّ لا يتعلق موضوع المقال الحالي بالجانب الشخصي للمسألة، أي واقعة الاتهام الفعلية وما قد يتلوها من دفاع أو اعتراف، لكن موضوعه أن هذا الجانب الشخصي لا يمكن أن يشكل مسألة عامة من الأساس، وأن الحملة غير قادرة على إخراجه إلى العلن دون اقتراف أخطاء خطيرة، لذا لا يمكن خلط فعلها التوعوي في جوهره بفعل قضائي أو عقابي، لأن هذا يواجه عقبات غير هيّنة.

ليس المقال الحالي هجومًا على الحركة التي لم يتحول موقفي منها مع اختلاف المواقع (بعد أن أصبحت متهماً)، وإنما مجموعة ملاحظات نقدية تتعلق كلها باستحالة أن تحقق ما تطمح إليه من عدالة بديلة، حتى لو نجحت كالعادة في نشر مزيد من الوعي بشأن موضوعها. أسباب هذه الاستحالة مختلفة، ويمكن إيجازها في ثلاث ملاحظات أساسية: أولها أن كل الاتهامات تقريبًا تستقطب الجمهور حول خطوط أيديولوجية واجتماعية محددة سلفًا، وثانيها أنها تتحرك في أفق طهوري بسيط ومختزل، وثالثها أنها تخفق في بناء مواقف سياسية فعالة. وليست #مي_تو متفردة بهذه المشكلات، وإنما هي تعبير آخر عن أزمات عامة في الأيديولوجيا الحالية لقسم كبير من اليسار.

أحسب أن كثيرًا مما سيقال تاليًا قد سبق قوله في مناسبات أخرى ومن اتجاهات مختلفة، لكن لا بأس من بعض التأكيد على هذه النقاط ما دمنا نشهد موجة جديدة للحملة حاليًا. مع ذلك، ربما يشكل موقعي الشخصي المعقد قليلًا، كمتهم متعاطف، مساحة لقول مغاير.

(1) إما أن يصدقك الناس أو لا يصدقوك

ليس للأمر عادة أية علاقة بالمادة المطروحة للنقاش. تخرج الشهادات إلى العلن باتهام شخص لآخر بانتهاك جنسي ما، ثم يبدأ نشرها والتعليق عليها، وربما يبادر المتهم بالرد، فيُنشر رده ويُعلَّق عليه هو الآخر، ويظن الجميع أنهم في معرض محاكمة مفتوحة: يتحدث الادعاء ويتلوه الدفاع، ثم الادعاء فالدفاع، جيئة وذهابًا، بينما يتدخل عشرات — وأحيانًا مئات — المحلفين، بالمقاطعة والتعليق وإعلان الانحيازات. إجراء واحد فقط يظل ناقصًا: حكم القاضي، وكأن هذه المحاكمة مفتوحة بمعنيين لا واحد، فهي مفتوحة على الملأ أولًا، ومفتوحة ثانيًا فلا تُختتم أبدًا.

لكن حكم القاضي يغيب هنا لسبب وجيه، فالحملة لا تأخذ شكل المحاكمة التقليدية بسبب عوارٍ أو نقص، وإنما لأن هذا هو مقصدها من البداية. فبسبب صعوبات إجرائية يستحيل أحيانًا التحقق من اتهام بالتحرش أو الاعتداء الجنسي بالطريقة التقليدية، ويستحيل إيجاد شهود أو أدلة عينية على الجُرم، مما يعني أن تتحول الاتهامات إلى محض ادعائين متنازعين لا يمكن الحكم يقينًا بأيهما يصدق وأيهما يكذب.

أضف إلى ذلك أن كثيرًا من هذه الجرائم قد يؤدي إلى “تروما” بالنسبة لضحاياها، الذين يعجزون بعد ذلك عن إنتاج رواية متماسكة عن الواقعة أو تذكر تفاصيلها على هيئة سرد صلب ومقنع. تخيل لو كانت وقائع الانتهاك المذكورة تحدث بين أطراف جمعتهما علاقة سابقة، سواء كانت هذه علاقة صداقة أو علاقة عاطفية، وفكر في التأثير المحتمل لتاريخ هذه العلاقات المعقد على رؤية كل طرف للآخر، لتجد أن استيعاب منظومة العدالة التقليدية لهذا النوع من الجرائم يصبح غير ممكن بأي حال.

كان الرد النسوي على هذه المشكلات بسيطًاً: إلى الجحيم بنظام العدالة التقليدي، ولنستبدل به الفضائح الإلكترونية والإقصاء الاجتماعي. لكن الفضيحة الإلكترونية ليست محاكمة علنية، ولو كانت كذلك لوقعت مرة ثانية في فخ الثغرات الإجرائية نفسها. الفضيحة الإلكترونية هي الحكم ذاته، ولكي يصبح هذا الحكم فعالاً فعلى الجميع الاعتراف به، ومن هنا جاءت الدعوة النسوية إلى تصديق الضحية من دون قيد أو شرط، وهو ما قد يبدو سديدًا في البداية لكنه ينتج بعض الآثار الجانبية السلبية:

 فأولًا، يتحول الموقف من واقعة انتهاك جنسي إلى مجال للاصطفاف الإيديولوجي، إذ يميل الأفراد نحو جانب المدعي بقدر ميلهم النسوي، ويميلون إلى جانب المدعى عليه بقدر كرههم للنسوية، أو بقدر معرفتهم المسبقة بالمدعى عليه وثقتهم في شخصه أو مواقفه السابقة، وهو أمر لا يستقيم مع النظر في جريمة جنائية لا تتوقف بأي حالٍ على إيديولوجيا الادعاء أو الدفاع.

 وثانيًا، بسبب هذا التذبذب بين الاصطفاف الإيديولوجي والمواقف المبنية على الثقة المسبقة، تتحول كل حوادث الاتهام إلى معارك بين «الشلل» ودوائر الأصدقاء، وكل واقعة من هذا النوع تصبح مناسبة للتناحر إما بحسب الإيديولوجيا أو بحسب الموقع داخل دوائر اجتماعية مغلقة.

يجنبنا القانون في تجريده وعدم تشخُّصه هذا النوع من الاصطفاف، وهو بالتأكيد اصطفاف اعتباطي إذا تعلق الأمر بجريمة جنائية، لكن التجرد وعدم التشخُّص هي سمات القانون نفسها التي تلقت نقداً عنيفاً من قِبل النسويات بسبب انحيازها “الذكوري”. ينجز القانون مهمة أخرى كذلك بسبب عدم تشخُّصه، وهي أنه يرفع مسؤولية العقاب عن الجميع، فيضمن للجاني استمرار روابطه الاجتماعية وهو أمر ضروري إذا كان المرجو إعادة تأهيله. هي دائرة مفرغة إذن. القانون يعجز عن تناول هذا النوع من الجرائم، وبديله يعجز عن تحقيق الاتفاق أصلاً بشأن الجرم واستحقاق العقوبة.

وفي حالتي أنا الشخصية، جرى الاصطفاف كالمتوقع: الأصدقاء الأكثر جهراً بالمواقف النسوية كانوا أقرب لموقف المدعية، والأصدقاء الأبعد عن التوجه النسوي كانوا أقرب إليّ، والأصدقاء الذين يثقون في المدعية انحازوا إليها، والأصدقاء الأكثر ثقة فيّ كانوا أقرب إلي.

اصطفاف اعتباطي تمامًا بالنظر إلى الجُرم محل النظر. وفي جميع الحالات، فإن قرار بعض أصدقائك التضامن معك، إما لثقتهم في أنك لم تخطئ بدءاَ، أو أنك تستحق فرصة ثانية ولو أخطأت، يؤدي إلى عدم اكتمال تحقق العقوبة المرجوة، أي الوصم والعزل الاجتماعي، وبدلاً من ذلك يؤدي فقط إلى دفعك قليلاً نحو دوائر أكثر «ذكورية» أو أقل انضباطًا بمعايير النسوية الأعلى صوتاً، وهو ما يعني أنه يحقق استقطاباً إيديولوجياً عنيفاً على خطوط شقاق مرسومة سلفاً، ربما أكثر مما ينجز أي شيء آخر.

لا أعرف مخرجاً من هذه الدائرة المفرغة، ولا شك أن الهياج الجماعي ربما يؤدي تدريجياً إلى ترويض الرجال وتربيتهم على المزيد من الحرص في المساحات الحميمة، وهو الجانب الإيجابي المُحتمل للحملة، لكن هذا يجعلها حملة دعائية أو توعوية أكثر مما يجعلها حملة سياسية بحسب ما يدركها معظم فاعليها.

(2) يفضل الآخرون أن يرونك زائفاً على أن يرونك خطَّاءً

توجد لذة في الفضيحة. حس المفاجأة الممزوج بالتفوق الأخلاقي المكتشف، والتشديد على الأصالة الشخصية في مقابل زيف المفضوحين، كل هذا يصب في شعور واحد بالنشوة الجماعية. كان أكثر المشاهد إزعاجاً بالنسبة إلي يتمثل في رؤية تعليقات شامتة من أشخاص بعينهم، أحدهم ربما أفسد حياة فتاة كاملة بالإيذاء وسوء المعاملة، وآخر له سوابق تحرش معروفة ومؤكدة في دوائر أضيق، وثالث أنهى المسيرة المهنية لمجموعة من أصدقائه “وشايةً وتملقًا”. توفر الفضيحة مشاعر السمو الأخلاقي لهؤلاء مجاناً، وتكتمل حيلة الإعجاب بالذات هذه بأن يروا في أفعالهم أخطاءً أو هفوات مناقضة للطبع، بينما يرون في أفعال الآخرين فضحاً للزيف وانكشافًا للطبيعة الأصلية التي هم عليها.

هناك أسباب كثيرة ومتشابكة للهوس الحالي بالأصالة والزيف، بعض هذه الأسباب ثقافي يرتبط مصدره بالرافد الرومانسي في موقف الطبقة الوسطى من العالم، وبعضها الآخر يعبر عن يسار مأزوم. أما الأسباب الثقافية فمرت عبر التيار الرومانسي إلى الوجوديين ثم وجدت أكمل تعبير عنها في حركة الهيبيز، والمشترك الذي تخلل هذه التطورات هو المقابلة الحادة بين الفرد والمجتمع، والتشديد على زيف الثقافة، والدعوة للخلاص الفردي بالارتداد إلى أصالة متخيلة، وهي فكرة تحمل مكوناً فاشياً واضحاً، وتنتشر انتشاراً لافتاً بين أبناء الطبقة المتوسطة حتى اللحظة. لكن ما يعنيني أكثر هنا هو هذه الفكرة نفسها في تعبيرها عن الأزمة الحالية لليسار في العالم، وهي أزمة نظرية بالأساس.

بسبب عجز اليسار الحالي عن تحديد الأسباب البنيوية التي تؤدي لاستمرار المظالم نفسها، وهو نفسه يشكل جزءاً من هذه الأسباب بصورة أو أخرى، ينحو نشطاؤه إلى الانكباب على التطهير الداخلي. إن العقبات الفعلية التي تحول دون تفعيل الخطاب «التقدمي» لهؤلاء النشطاء غير مفهومة، ومن ثمَّ لا بد أن تكون المشكلة هنا في الداخل، في أشخاص يسيرون بيننا مرددين المبادئ والأفكار نفسها، يتشدقون بخطاباتنا التقدمية، لكنهم زائفون ومدسوسون، ويتطلب أي نجاح للنشاط السياسي تطهير الحركة منهم.

تلقت هذه الفكرة تكثيفًا شديداً في الحالة المصرية بعد إحباط الحراك الثوري الذي بدأ في 2011 وأُعلنت هزيمته في 2013، ليهيمن خطاب مفاده أن فشل هذه الثورة كان حتمياً بسبب الفساد الداخلي للمجموعات النشطة، بل وأن هذا الفشل أمر محمود. يعمل هذا الخطاب في جانبه الإيجابي على ضمان تطوير بيئات عمل آمنة للنساء داخل هذه المجموعات، لكنه يهدر المسألة السياسية كلها بتطهريته الهوسية في الوقت نفسه.

لهذا تشكل الفضيحة انتصاراً أخلاقياً وسياسياً، ولا تستطيع أن تتجاوز مفاهيم الزيف والأصالة نحو المفاهيم الأكثر تقليدية للغلط أو الجريمة، ويسيطر عليها هاجس التطهر الداخلي لا العقاب أو الإصلاح الداخلي أو ضبط العلاقات. تسود إعلانات البراءة وتتلخص الأفعال النضالية في «البلوك» و«الآنفريند»، وكل هذا وفق منطق اكتشاف وفضح والتخلص من العناصر الفاسدة، لا منطق الجريمة، إذ أن الجريمة تقع في حق شخص، أما العناصر الفاسدة فخطر وجودي على الجماعة كاملة.

يُفترض بهذه الأفعال أن تؤدي وظيفة العقوبة، باعتبار أن التجريس والإقصاء الاجتماعي هي العقوبات الممكنة لجريمة لم تقع تحت طائلة القانون، لكن الواقع أن التجريس والإقصاء عرضان جانبيان فقط لهذا التطهر من الزيف، لأن العقوبات تُحد بالتوقيت والشدة تناسباً مع الجُرم، وهذا من أركانها الأساسية، أما التطهر فمطلق غير محدود.

(3) النساء أكثر اعتدالاً في ردات أفعالهن

الملاحظة الأخيرة من تجربتي الشخصية فاجأتني قليلاً، وهذه أن الأصدقاء من النساء أظهروا قدرة أكبر على الفهم والاستيعاب من معظم أصدقائي الرجال. في الوقت الذي جاءت ردود الأفعال الأكثر حدة من الرجال، أبدى النساء ميلاً للحوار والاستفهام، فسألوا عن تسلسل الوقائع وتاريخها ولم يلجأ معظمهم لإسقاط مواقف مسبقة أو اختزال ما هو مركب. يعود هذا لأن النساء يملكن رفاهية السباحة ضد التيار في مثل هذه المواقف بحكم مواقعهن الجندرية، أما الرجال باعتبارهم متهمين محتملين، فحاجتهم إلى إعلان البراءة تكون أشد، وهو ما يؤكد مرة أخرى على الطابع التطهري للحركة.

يُبدي النساء كذلك حساسية أعلى للفروق الشخصية بين البشر الواقعيين، في موجهة ميل مستمر لتذويب هذه الفروق من أجل تقنين العلاقات بين الجنسين وتعقيم المجال العام من أي تجربة غير سارة أو مقلقة للراحة قليلاً، وهو الأمر الذي أدى إلى تغييب أي حدود واضحة بين شخص مزعج وشخص مجرم، للمرة الأولى في التاريخ المعروف.

لا تقدم حركة #مي_تو تمييزاً فعلياً في الإستراتيجية وردود الفعل بين واقعة إلحاح في دعوة لشرب القهوة وواقعة اغتصاب، وتساوي ربْتَة تلقائية على الكتف من شخص ربما اعتاد التعبير عن عاطفته جسدياَ، بمد اليد لشد الصدر أو المؤخرة في إشارات جنسية لا تقبل تأويلاً بديلاً.

من المهم هنا التساؤل عن العنصر الفاشي كذلك في هذا النزوع نحو التقنين الحاد للعلاقات بين الشخصية، وفرض النموذج الواحد (one-size-fits-all) للتفاعل البشري. لا شك أن توفير بيئات عمل آمنة للنساء، تحميهن من الانتهاك وتحفظ حقوقهن في حال وقوعه، هو أمر ضروري من أجل التنظيم الداخلي للجماعات النشطة سياسياً. لكن هذا يختلط عادة بميل نحو بناء مجال عام مُعقَّم، يجنب النساء التجربة البشرية التي نسميها «إزعاجاً» بصورة مطلقة، ولا يفيد هذا إلا تأبيد موقع النساء باعتبارهن ضحية أزلية، وهو ما يتناغم عموماً مع ميل اليسار الحالي إلى بناء خطابه السياسي كله على هذا الموقع، الذي يضع فيه كذلك الأقليات العرقية والدينية وأفراد “مجتمع الميم”.

كل هؤلاء ضحايا بالتأكيد لأنظمة عنف بنيوية مختلفة، لكن الاكتفاء بهذه الواقعة ينتج مواقف سياسية اختزالية، ترى العالم عبر عدسة الخير والشر، وحتى أكثر هذه المواقف تركيباً، والذي يتمثل في “النسوية التقاطعية”، لا ينتج إلا ضحايا أكثر تعقيداً، ومن ثمَّ يصبح التساؤل حتمياً عن طبيعة هذا النشاط السياسي الذي يمارسه أطراف يعرفون أنفسهم حصراً كضحايا من زوايا مختلفة، لا كأطراف طامحين للتدخل الفاعل في بنية السلطة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

شهادة

أحمد نصار

كاتب مصري

بمشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram