زوايامختارات

عن المُنتحِلين في الأرض.. أعطِني شخصيّتك.. أطلقْ يديَّا!

عن المُنتحِلين في الأرض

أعطِني شخصيّتك.. أطلقْ يديّا!

لم تمر سوى لحظات قليلة منذ دخول رجال الأمن إلى البناية حتى سمعوا صرخة مدوية من داخل إحدى الشقق، كان الوضع أشبه بمشهد من فيلم سينمائي، فتاة عارية تقعد على أرضية غرفة صغيرة.. يداها موثقتان من الخلف، جسدها متصلب  به آثار عنف، وعلى رأسها وُضعت “مرتبة” كأنّ أحدهم حاول إخفاء البنت بها.

في يناير/ كانون الثاني 2011، هرب عابد فضل من السجن الذي كان يقضي به عقوبة الحبس 25 سنة في القضية رقم 99520 لسنة 2006 قتل عمد، متجهًا نحو محافظة الفيوم، 100 كيلومتر جنوب غرب العاصمة، وقضى بها نحو عامين، وفي 2013 قرر البحث عن مكان أكثر أمانًا للاختباء، ففكر في انتحال شخصية شقيقه، عبد النبي فضل، الذي يعمل موظفًا بالأوقاف، وذهب إلى دمياط، أقصى شمال مصر، محل سكنه الأصلي لكن بمنطقة جديدة لا يعرفه أحد بها.

بمنطقة مبارك 60 بدمياط الجديدة، مكث “عابد” أو كما أطلق عليه الأهالي فيما بعد “الشيخ عابد” بعد خداعه لهم بأنّه يتولى منصبًا مهمًّا بالأوقاف، وجاء للرقابة على الأئمة والخطباء بالمنطقة، الغريب أنّ الخطباء تعاملوا مع ادعائه بأمان تام دون محاولة التأكد من هويته، مكتفين بالبطاقة الشخصية التي يحملها، والتي تخص شقيقه، بل إنه وُظِّف إمامًا وخطيبًا بإحدى الزوايا الصغيرة في المنطقة.


دار القضاء العالي

“ماكانش بيخرج غير بالزي الأزهري، واشتغل في الدجل والسحر”.. حكت “دينا”، 33 سنة، لـ”ذات مصر”، بعد أن عادت بالذاكرة لأكثر من 6 أعوام يوم أن قُتلت ابنة شقيقتها “سماح” على يد “عابد”، وقالت إنّهم تعرفوا إليه بعدما أقدم أحد شباب الحي لخطبة “سماح” وأحضر معه الشيخ باعتباره في مكانة والده المتوفى.

بعد فترة قصيرة، بدأت “سماح” تشكو من خطيبها، وأخبرت أسرتها بأنها تفكر في “فسخ” الخطبة منه، ما دفع “عابد” للتدخل في محاولة لخداع الأسرة وإقناعهم بأنّ ابنتهم مريضة نفسيًّا ومصابة بمس من الجن وأنّه يستطيع علاجها، لينفذ عملية نصب على الأسرة ميسورة الحال، لكن لم تفلح حيلته وتمكنت “سماح” من إنهاء الخطبة، وكرر “عابد” محاولات الصلح التي باءت كلها بالفشل حتى طلبت منه أسرة “سماح” الابتعاد عنهم، خاصة بعد تلقيهم تحذيرات من بعض معارفهم بتجنب هذا الشخص.

في يونيو/ حزيران 2014، قررت أسرة “سماح” الذهاب إلى مدينة دمياط الجديدة، قادمين من قريتهم الصغيرة بالمحافظة نفسها والمكوث لدى خالتها، التي كانت تقطن قرب منزل “عابد”.. وعلم الشيخ المزيف بزيارة الأسرة، وفي صباح اليوم التالي ارتدت الفتاة إسدال صلاة وخرجت لشراء كارت شحن للموبايل، ومرّ وقت كبير على خروجها ولم تعد، ما أثار قلق أفراد الأسرة، الذين خرجوا للبحث عنها، وفي أثناء ذلك أخبرهم أحد المواطنين بأنّه شاهد ابنتهم تسير مع رجل مُسن، وكانت تناديه بـ”جدو”، ليتأكد للأم أن صغيرتها ذهبت مع “عابد”، خاصة وأنّها كانت تلقبه بهذا الاسم.

ساعات من البحث انتهت بالعثور على “سماح” مقتولة داخل منزل “عابد”، دون مصوغاتها الذهبية، بعدما حاول الاعتداء عليها، وفي أثناء مقاومة الفتاة له قتلها وهرب، وفي أثناء هروبه منتحلاً صفة شقيقه “عبد النبي” إلى مكان جديد حاول الاتصال بأحد أبنائه الكبار، لكن الابن أبلغ رجال الأمن عنه، فوضعوا خطة للقبض عليه بمحافظة المنصورة، شمال مصر،  بتهمة القتل وانتحال الشخصية والهروب من السجن والسرقة، وفي أثناء التحقيق أصيب “عابد” بإعياء شديد نُقل على أثره إلى المستشفى، حيث لم يمكث سوى ساعات قبل وفاته، وفوجئ رجال الأمن بسقوطه على الأرض ورأسه داخل “قاعدة” حمام المستشفى.

قضايا انتحال الشخصية سجلت مصر منها في السنوات الأخيرة عددًا بالمئات، كان آخرها قضية “سفاح الجيزة” الشهيرة، التي فتحت الباب أمام تساؤلات عدة حول كيفية تنفيذ هذه الجرائم، وهنا نكشف الإجراءات التي سهلت على البعض انتحال أسماء وصفات شخصيات مختلفة، ما يعرض آخرين للوقوع ضحايا وفريسة لهؤلاء، سواء أكان بالنصب أم الهروب من قضايا وأحكام أم حتى الانتقام.

في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أثارت قضية قذافي فراج عبد العاطي عبد الغني، الشهير بـ”سفاح الجيزة”، جدلاً واسعًا بين المصريين، فقد أقدم المتهم على التخفي وانتحال صفة شخصيات والقيام بجرائم قتل وتزوير على مدار 5 سنوات انتقل فيها من القاهرة إلى الإسكندرية، حتى سقط بين أيدي رجال الأمن بعد سرقته فيلا تابعة لوالد طليقته.

بتتبع قصة “سفاح الجيزة”، تواصلنا مع هبة الله سعيد، محامية آخر زوجات المتهم، والتي قالت لـ”ذات مصر” إنّ التحريات التي أجريت كانت كفيلة بأن تمكن المتهم من الهروب بجرائم القتل التي نفذها، فالمعلومات أثبتت أنّ المتهم الموجود بقسم شرطة سيدي جابر هو المهندس رضا محمد، ولم تُكتشف عملية التزوير، ولذلك بقي متهمًا بجريمة سرقة فقط.

“الصدفة كانت السبب في كشف كل حاجة”، ذكرت “هبة” أنّ المتهم ادعى أنّه محمد مصطفى وتقدم للزواج بموكلتها في إبريل/ نيسان 2019، وأقنع أهلها بأنّه يعمل مهندسًا، وأبرز لهم بطاقة تحقيق شخصية وكارنيه عضويته بنقابة المهندسين، وبعد زواج دام شهورًا، اكتشفت الزوجة أن شقتها مستأجرة وليست مملوكة كما ذكر لها، وعقد الإيجار باسم المهندس رضا محمد، ضحيته الأولى، وليست باسم محمد مصطفى.

“بدأنا نبحث عن رضا ومشينا ورا الاسم وعرفنا إنّه مُبلغ باختفائه من 5 سنين”، حسب هبة الله سعيد، وبعد اكتشاف الحقيقة حاولت الزوجة الوصول إلى زوجها، الذي كان أخبرها أنّه يقيم بالحجر الصحي للاشتباه في إصابته بكورونا، لتكتشف عن طريق فتاة تعمل معه اسمها “ندى” دخلت غرفة مكتبه وحصلت على جميع الأوراق الخاصة به، وجوده في قسم الشرطة بتهمة سرقة لكن باسم المهندس رضا، المبلغ باختفائه.

بدأت “هبة” جمع معلومات عن شخصية رضا محمد، وتوصلت إلى أنّه مُبلغ باختفائه، والشخص الموجود بقسم الشرطة ليس هو، مؤكدة أنّها حاولت إقناع رئيس المباحث بعملية التزوير، لكنه رفض الإنصات إليها، معتمدًا على التحريات المثبتة بالمحضر حتى اللحظة، بل وبعد عرضه على النيابة قُدِّمت الأوراق وجواز السفر الخاص برضا الحقيقي، لكن أيضًا لم يقتنع وكيل النيابة حينها واكتفى بالتحريات الخاصة بالمباحث، وشاء القدر أن تظهر أسرة المهندس رضا في اللحظة المناسبة وتثبت أن من يوجد أمامهم ليس نجلهم ولكنه صديق له.


توزيع نشرة دورية

“وُزِّعَت نشرة دورية على كل المديريات وأقسام الشرطة بمحاضر الاختفاء، تلك النشرة مسجلة على أجهزة الحاسب الآلي، لكن ما حدث في قضية سفاح الجيزة مجرد خطأ فردي” حسب ما قال اللواء علاء فكري، مساعد وزير الداخلية السابق للأحوال المدنية، لـ”ذات مصر”، وتابع أنّ الدولة المصرية تعمل على توفير قاعدة بيانات للحد من ظاهرة انتحال الشخصية والتزوير، كما يجري أيضًا تتبع الموظفين الذين يساعدون البعض لانتحال الشخصيات، وتقديمهم للمحاكمة.

تشابه أسماء

أحيانًا ما يتشابه الاسم الرباعي الخاص بالشخص مع ما يقرب من 100 ألف مواطن، ومن  الصعوبة حصر بيانات تلك الأسماء حتى مع وجود قاعدة بيانات خاصة بالمواليد والوفيات، حسب حديث المستشار عمرو عبدالسلام، المحامي بالنقض والإدارية والدستورية العليا، لـ”ذات مصر”، موضحًا أننا حتى اللحظة لم نصل إلى مرحلة ربط بيانات المصالح الحكومية ببعض، ما يَصعب عملية كشف المنتحل، سواء أكان لحالات الاختفاء المبلغ بها في أقسام الشرطة أم للمتوفين.


عمرو عبدالسلام

وتابع المحامي بالدستورية العليا أنّه أحيانًا يحيك بعض المتهمين حيلة للهروب من القضايا، في حالة عدم امتلاك بطاقة رقم قومي، وفي تلك الحالة يُنتَحل اسم شخص آخر في محضر التحقيق، ولا تختلف عقوبة منتحل الشخصية لشخص مختف أو متوفى أو على قيد الحياة، فالجريمة تقع بمجرد استخراج أوراق رسميّة، واستخدامها في أي جهة حكوميّة.

عقوبة انتحال الصفة والتزوير في قانون العقوبات المصري :


المادة 206 :
الحبس أو السجن 5 سنوات لمن زوّر الأوراق الرسمية، أو قلد أختامًا حكومية.


المادة 336 : الحبس مدة لا تزيد على عام لمن اتخذ اسمًا كاذبًا أو انتحل صفة غير صحيحة.


المادة 207 :
الحبس لمن تحصل بغير حق على أختام أو دمغات أو علامات حقيقية لإحدى المصالح.


المادة 214 :
السجن من 3 إلى 10 سنوات لمن استعمل الأوراق المزورة وهو يعلم تزويرها.


المادة 211 :
السجن المشدد لكل صاحب وظيفة عمومية ارتكب في أثناء تأدية وظيفته تزويرًا.

المكان: منطقة وسط البلد..

الزمان: الثانية صباحًا..

شوارع خالية.. هدوء يقطعه صوت سيارة الأمن التي وقفت أسفل عقار بشارع جانبي في المنطقة.. لحظات وخرج رجال الشرطة برفقتهم عدد من الفتيات بملابس غير محتشمة، وملامح اختفت خلف مساحيق التجميل، اقتادوهن إلى قسم الشرطة بتهمة القيام بأعمال منافية للآداب.

داخل القسم وقفت فتاة عشرينية نحيلة الجسد، تستند برأسها إلى الحائط، بدت شاردة وعليها ملامح خوف وقلق، فأشار لها رجل أمن ليُدخلها إلى مكتب ضابط الشرطة للتحقيق معها.. سألها الضابط عن اسمها.. صمتت لثوانٍ قبل ذكر الاسم، طلب منها بطاقة هويتها، لتزعم فقدانها في أثناء القبض عليها، ولم يحاول رجل الأمن التأكد بطريقة أو بأخرى من حقيقة الاسم الذي ذكرته الفتاة في محضر رسمي، في سيناريو شبيه للغاية بقصة فيلم “نأسف لهذا الخطأ” بطولة بوسي وإلهام شاهين، والذي يدور حول انتحال شخصية بريء وإلصاق تهمة أخلاقية به.

سارت الإجراءات كما هو متبع.. الشرطة حولت الفتاة ورفيقاتها المقبوض عليهن إلى النيابة العامة بتهمة ممارسة أعمال منافية للآداب، وفي أثناء عرضها على وكيل النيابة أمر بحبسها احتياطيًّا على ذمة القضية لحين استخراج شهادة ميلاد، أو صحيفة حالة جنائية، تلك التي أثبتت انتحال الفتاة العشرينية لاسم فتاة من عائلتها للهروب من ورطتها وانتقامًا من قريبتها أيضًا، وبعد افتضاح أمرها وجّهت إليها تهمة انتحال شخصية والقيام بأعمال منافية للآداب والحكم عليها بـ5 سنوات مع الشغل.

صعوبة كشف جرائم التزوير

الدكتور فتحي قناوي، أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية، قال لـ”ذات مصر” إن الدولة المصرية تسعى حاليًّا لتقليل معدلات الجريمة، وتعمل بطرائق عدة على تأمين الأوراق الرسمية لتقليل نسبة التزوير والجرائم الناتجة عن ذلك، بعد انتشارها في الآونة الأخيرة بنحو ملحوظ، خاصة جرائم انتحال الشخصية، لأن بعض المواطنين يمتلك بطاقة رقم قومي والبعض الآخر لا يمتلكها، ما يصعّب كشف عمليات الانتحال، وتُكتشف الجريمة في حالة التعامل مع أي موقع رسمي من المواقع الحكومية بالبطاقات المزورة.

وأوضح “قناوي” أن المشكلة تكمن في التعاملات بالأوراق المزورة خارج المواقع الحكومية، فالسوشيال ميديا هي أول ما يؤدي إلى انتحال الشخصية، ومن خلالها ينتقل المنتحل إلى أشياء أخرى، والجريمة تسبق العدالة، والدولة تعمل على تقليل الفجوة بين ارتكاب الجريمة ووقوعها، وهناك جهود كبيرة لتقليل الجريمة ولكن تلك الجهود لن تمنعها بالكامل.

عدد محاضر التزوير من عام 2015 وحتى 2018

2015 : تحرير 552 محضر تزوير مستندات بطاقة رقم قومي.

2016:  ضبط 322 تزويرًا وتزييفًا.

2017: لم ترصد وزارة الداخلية المصرية أي جرائم انتحال شخصية أو تزوير.

2018:  ضبط 1200 متهم في تزوير محررات رسمية.

2019:  ضبط 649 قضية نصب وتزوير.

تقارير وزارة الداخلية السنوية

الثانية عشرة منتصف الليل.. استقل “محمد” سيارة أجرة للعودة إلى منزله بعد يوم عمل شاق، كان الشاب يبدو عليه التعب، وفي أثناء سرحانه داخل السيارة، فوجئ بأحدهم يطلب منه النزول وإظهار هويته، فعل، أخذها منه أمين الشرطة ليكشف عليها.. بعد دقائق طلب أمين الشرطة من الشاب أن يرافقه إلى ضابط الكمين، وإذا به يبلغه بأنه متهم في قضية سرقة وصدر ضده حكم غيابي، وأُلقِي القبض عليه.. 

في اليوم التالي تَواصل “محمد” مع أسرته، التي بدورها كلفت محاميًا للدفاع عن نجلها من التهمة المنسوبة إليه.

كان الإجراء الأسهل الذي اتخذه دفاع الفتى هو تقديم طلب إلى النيابة العامة لإثبات صحة التوقيع على محضر التحقيقات من عدمه، وأظهر الطب الشرعي أن التوقيع الموجود على المحضر ليس خاصًا بموكله، وأُخلِي سبيله من النيابة.

لم تنته القضية بعد، فما زال هناك شخص آخر هارب منتحل شخصية “محمد”، ويمكن أن يورطه في قضايا جديدة، إلّا أنّ رجال الشرطة تمكنوا من إلقاء القبض على المتهم الحقيقي، وحوكم بتهمة السرقة وتزوير محرر رسمي.. الغريب في الأمر أنّه فيما بعد حصل على البراءة في قضية السرقة، وحكم عليه بالسجن في قضية التزوير، حسب ما قال محامي الضحية لـ”ذات مصر”.


الأمن المصري

ورصد “ذات مصر” عددًا من القضايا عن طريق بعض المحامين في3  محافظات، القاهرة والجيزة والإسكندرية، تثبت جميعها عمليات تزوير وانتحال شخصيات دون علمهم في أوراق رسمية.

وردًّا على ما أثير في السابق، تواصل “ذات مصر” مع مصدر أمني، رفض نشر اسمه، قال إنّه حال عدم وجود أي إثبات شخصية وقت القبض على مواطن فإنّ ذلك يُثبَت في المحضر الرسمي، وبعد ذلك يُعرَض على النيابة، التي بدورها تطلب استخراج شهادة ميلاد أو صحيفة حالة جنائية (فيش وتشبيه) ليعود إلى قسم الشرطة مرة ثانية لاستكمال تلك الإجراءات، ولا يُخلَى سبيله إلا بعد التأكد من شخصيته واسمه الحقيقي.

عدم وجود قاعدة بيانات سهلت قضايا الانتحال

“طالبنا كثيرًا بتطوير العمل داخل الأجهزة الأمنية، لكن هذا التطوير فُهِمَ بنحو خطأ”، وفقًا لحديث خبير إدارة المخاطر الأمنية اللواء إيهاب يوسف إلى “ذات مصر”، الذي أكد أنّ التطوير الذي تقدم الداخلية على إجرائه دائمًا يعتمد على زيادة أفراد الأمن، لكن التطوير التكنولوجي لم يكن موجودًا بالقدر الكافي لمنع قضايا انتحال الشخصية والتزوير.

وأوضح “يوسف” أنّه من المفترض وضع القضايا والمحاضر المختلفة على قاعدة بيانات لتسهيل عملية التتبع والتحري، على أن تُربط هذه القواعد على مستوى الجمهورية بعضها ببعض، فضلاً عن وجوب وجود رابط بين بصمات المواطنين والبيانات الخاصة بإثبات الهوية الشخصية، معتقدًا أنه حال الوصول إلى تلك المرحلة فإنّ نسبة قضايا التزوير وانتحال الشخصية ستنخفض كثيرًا بل يمكن القضاء عليها نهائيًّا.


اللواء ايهاب يوسف
أحدث موضوعاتنا
أحدث موضوعاتنا

تطرق خبير إدارة المخاطر الأمنية في حديثه عن الأخطاء التي تحدث أحيانًا بتحريات المباحث، إلى أنّ قاعدة البيانات المزمع توفيرها يمكن أن تكون بديلاً جيدًا عن تلك التحريات، خاصة في قضايا الخطف واختفاء الأشخاص، وخير مثال على ذلك قضية سفاح الجيزة الشهيرة، والتي انتحل فيها المتهم هوية صديقه المختفى لفترة طويلة دون أن يكتشفه أحد، لكن لو وُجدت تلك القاعدة لكان من السهل اكتشاف هذا الجاني، خاصة أنّ عدد رجال الشرطة في مصر لا يتجاوز 45 ألف ضابط يخدمون 100 مليون مواطن، وبالتالي فمن الوارد حدوث خطأ بالتحريات، التي يجريها إما معاونو الشرطة وإما فرد آخر من الموجودين بالقسم، الذين تقع عليهم أعباء أخرى، لذا يقعون بالتأكيد في أخطاء بنحو غير مقصود.

ويوجد العديد من الإجراءات التي يجب أن تتبع داخل أقسام الشرطة للحد من قضايا انتحال الشخصية، أبرزها التأكد من صحيفة الحالة الجنائية لأي شخص، والتي تتيح التعرف على هويته الحقيقية، أو حتى إصدار شهادة ميلاد خاصة بالمتهم، وهو إجراء آخر يمكن من خلاله التأكد من الهوية، لكن الغريب في الأمر أنّ مطابقة البصمات الخاصة بالمتهم يمكن أن تكون خاطئة، حسب حديث “يوسف”.

التغافل عن الثغرات

المحامي أيمن محفوظ يقول لـ”ذات مصر”: “من الممكن أن يضع منتحل الشخصية صورته على مستند رسمي في محاولة منه لاستغلال أي ثغرة إجرائية قد نتغافل عنها، ولكن في المقابل يسهل اكتشافه في ظل الثورة الرقمية وجهود وزارة الداخلية المصرية”.


المحامي أيمن محفوظ

من أبرز قضايا انتحال الشخصية أيضًا تلك التي تكون داخل أقسام الشرطة وبمحاضر رسمية، وتتعلق بقضايا البناء المخالف، فالمتهمون في أثناء مثولهم للتحقيق أمام أجهزة الأمن ينتحلون أسماء شخصيات متوفاة في المحضر الرسمي وكتابتها دون التأكد من صحة بياناتهم، وفي أثناء العرض على النيابة يستغل دفاع المتهم تلك الثغرة الإجرائية ويقدم مستند وفاة الشخص المذكور في المحضر الرسمي لوكيل النيابة، لتسقط القضية نهائيًّا بسبب وفاة صاحبها ويفلت الجاني من العقاب، وفقًا لـ”محفو”، الذي أكد رصده مئات القضايا من هذا النوع.

1- وفاة المتهم قبل تحريك الدعوى الجنائية.

2- إذا حصلت الوفاة في أثناء الدعوى.

3- وفاة المتهم بعد صدور حكم غير باتّ.

4- وفاة المتهم بعد صدور حكم باتّ.

5- ظهور المتهم حيًّا بعد الحكم بانقضاء الدعوى الجنائية لوفاته.

6- استمرار نظر المحكمة في الدعوى الجنائية لجهلها بوفاة المتهم.

7- أثر وفاة المتهم في الدعوى المدنية.

8- أثر وفاة المتهم في المساهمين الآخرين في ارتكاب الجريمة.

حالات انقضاء الدعوى القضائية وفقًا للقانون المصري:


خلل إجراءات إخلاء السبيل

عملية إخلاء السبيل تكون بضمان تحقيق الشخصية، وفي حالة انتحال شخص اسم آخر في محضر التحقيقات، فإنها تنقسم إلى شقين، الأول شخص ينتحل آخر موجودًا على قيد الحياة، ويزعم أنه هو، وحال اكتشافه يُحكم على المنتحل بتهمة التزوير، والشق الثاني شخص يدعي اسمًا وهميًّا، وهنا تُحفظ القضية وتعتبر النيابة هذا دربًا من دروب الدفاع عن النفس، بحسب ما قاله أحد مستشاري النيابة العامة لـ”ذات مصر”، موضحًا أنه في بعض الأحيان يوجد خلل في إجراءات إخلاء السبيل، فمن المفترض استخراج صحيفة حالة جنائية، أو استحضار صورة بطاقة الرقم القومي الخاص بالمتهم، وفي بعض الحالات ينتحل المتهم صفة شخص متوفى ولا يكون أمام النيابة سوى الالتزام بالأوراق المقدمة إليها، وهي أن الشخص المذكور في المحضر متوفى وتوجد وثيقة وفاة رسمية، وغالبية هذه القضايا تكون في قضايا البناء المخالف.

عدم الدقة في عملية إخلاء السبيل

عادة ما يحدث عدم دقة في عملية إخلاء السبيل، فلا يمكن إتمام هذه العملية إلا بعد التأكد بطرائق مختلفة من هوية الشخص المتهم الموجود أمام وكيل النيابة، وعلى رأسها التأكد وإجراء التحريات عن محل سكنه ومطابقته بالمعلومات الواردة في محضر التحقيق، حتى لا يتمكن من الهرب بعد إخلاء سبيله، لذلك يجب أن يعاد النظر في تلك الإجراءات التي يتبعها البعض، خاصة أنّ الجناة يستغلون تلك الثغرات للإفلات من جرائمهم، وفقًا لحديث المستشار عادل فرغلي، رئيس محكمة القضاء الإداري.


المستشار عادل فرغلي
استخراج أوراق مزورة دون كشفها

داخل أحد مواقف النقل العام بالعاصمة، وفي محاولة من مُعدّي التحقيق للتوصل إلى أحد الأشخاص ممن يمتهنون تزوير الأوراق الرسمية، التقينا شابًّا ممن تعاونوا مع هذا الشخص، كطريق للوصول إليه، وحصلنا على رقم “المزوِّر”، وأجرينا معه اتصالاً هاتفيًّا.. 

في البداية بدا على صوته القلق والتوتر، تحدّثنا معه بأننا نريد الحصول على شهادة موثقة من أجل التقدم إلى إحدى الوظائف، صمت ثم أخبرنا أنّه ليس الشخص المطلوب وأنهى المكالمة الهاتفية.

وفي أثناء استكمال لقائنا مع الشاب، ذكر لنا أنّ هذا الشخص لا يتواصل إلا مع من يثق بهم فقط، وهو من بينهم، خاصة أنّه قُبِض عليه من قبل في قضية تزوير، لذلك فهو حاليًّا أشد حرصًا مما سبق، وذكر الشاب لـ”ذات مصر” أنّه طالب بإحدى الجامعات الحكومية، وتواصل مع “المزور” لاستخراج أوراق التحاق بعدد من الجامعات له ولبعض زملائه حتى يتمكنوا من التقدم إلى المنح التي تعلن عنها تلك الجامعات بمبالغ مالية تختلف حسب أهمية الورقة المطلوب تزويرها، وينجح الشاب وغيره في استخدام تلك الأوراق دون اكتشاف تزويرها.

خطأ في صحيفة الحالة الجنائية

خبير إدارة المخاطر الأمنية، إيهاب يوسف، نبَّه إلى أنه من الوارد حدوث خطأ في أثناء استخراج صحيفة الحالة الجنائية، فيمكن أن تكون غير مطابقة لهوية الشخص الحقيقية، موضحًا أنّ تغليظ عقوبة انتحال الصفة يمكن أن يكون ضمن الحلول لمواجهة تلك القضايا، كما يجب أن تكون العقوبة بقدر الضرر الذي يقع على الشخص، فلا يمكن أن تمر القضايا الصغيرة دون أن تكون لها قاعدة بيانات هي الأخرى، كقضايا النصب التي تنتهي بالصلح.

وتابع “يوسف” أنّ العديد من القضايا ينتهي بصلح في أقسام الشرطة دون تحرير محضر، ويستغل البعض عدم وجود أي اتهامات في صحيفة الحالة الجنائية الخاصة بهم وارتكاب جرائم أخرى في محافظة بعيدة عن الأولى، ويعلم جيدًا أنّه لن ينكشف ارتكابه لجريمة شبيهة في مكان آخر لأنّها لم تُسجل رسميًّا.

ووفقًا لـ”يوسف” فإن “الجرائم الكبرى فقط هي التي تُسجل بأحكام نهائية في صحيفة الحالة الجنائية، وأبرزها جرائم الجنايات، ولا توثَّق الأحكام الغيابية أو حتى الجرائم الصغيرة، بمعنى أنه حال ارتكاب الشخص جريمة كانتحال الصفة وهرب من القضية وصدور حكم غيابي ضده فإنّ هذا الحكم لا يوثَّق في صحيفته”.

العقوبة سبب ارتفاع نسبة الجريمة

عقوبة انتحال الشخصية كانت سببًا في ارتفاع أشكال الجريمة، خاصة أنّ الكثيرين يرتكبون تلك الجرائم وهم يدركون جيدًا أنّهم لن يعاقَبوا بدرجة كافية على جرمهم، وتختلف عقوبة منتحلي الشخصية من شخص إلى آخر، إضافة إلى أنّ من يساعد هؤلاء تكون عقوبته أشد منهم، لأنه يواجه تهمة التحريض على الفساد وتسهيل عملية تزوير وانتحال الشخصية، حسب توضيح المستشار عادل فرغلي، رئيس محكمة القضاء الإداري، لـ”ذات مصر”.

تزوير بطاقات الهوية

خبير إدارة المخاطر الأمنية، اللواء إيهاب يوسف، تحدّث عن أزمة كبرى لا يتطرق إليها الكثيرون، وتسهل عمليات انتحال الشخصية والتزوير، وهي صور البطاقات الشخصية التي تكون في معظمها غير واضحة المعالم، موضحًا أنّه يصعب على رجال المباحث، خاصة في الأكمنة، اكتشاف أن الشخص حامل تلك البطاقة ليس صاحبها الأصلي.

وفي فبراير/ شباط 2016، صدر تصريح من اللواء إيهاب عبد الرحمن، مساعد وزير الداخلية  لشؤون الأحوال المدنية حينها، بأنّ المصلحة ستصدر بطاقة ذكية بالألوان تشمل جميع البيانات الشخصية، لمواجهة قضايا انتحال الشخصية والتزوير باستخدام البطاقات.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تحقيق

أسماء البتاكوشي​

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

سارة أبو شادي

تحقيق

سارة أبو شادي

القصص المتعلقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى