عن غطرسة "سقراط" وتواضع "المعري"

الأول واحد من أشهر الفلاسفة عبر التاريخ، والثاني كانت له رؤية فلسفية تناثرت على هيئة شذرات شعرية لتطغى شهرته كواحد من أعظم الشعراء العرب. عُرف عن الاثنين الزهد والتقشف، واتُّهم كلٌّ منهما بالكفر والزندقة، واشتركا في قبح المنظر ودمامة الوجه.
تعداد المشتركات بين الفيلسوف اليوناني وشيخ المعرة ليس سوى توطئة لبيان وجه الخلاف، متمثلًا فيما اشتُهر عن “سقراط” من تواضع وإنكار للذات، فهو صاحب المقولة الشهيرة “كل ما أعرفه أنني لا أعرف شيئًا”، وما أُشيع عن “المعري” من اعتداد بالنفس وغرور، تداوله الأقدمون وسايرهم فيه المحدثون، في مقدمتهم “طه حسين” بكتابه “مع أبي العلاء في سجنه”. ولا غرابة، فالمعري هو من نظم بيت الشعر الشهير:
إني وإن كنتُ الأخيرَ زمانهُ ** لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائل

وهو القائل أيضًا:
ما مر في هذه الدنيا بنو زمن ** إلا وعندي من أخبارهم طرف
هذا على السطح، أما الغوص إلى العمق فيكشف خلاف ما استقر، فلا “سقراط” كان متواضعًا، ولا “المعري” كان مغرورًا.
في سبيل إثبات هذه الفرضية سنلتقط مفهومين هما: التهكم والسخرية، على اعتبار أن “سقراط” كان متهكمًا، بينما “المعري” كان ساخرًا، لكن ما المقصود بكل من التهكم والسخرية؟. 

التهكم هو استراتيجية حِجاجية تعتمد على التناقض بين المفهوم أو العبارة ومعناها (بحسب تعريف “هيجل”)، ليثير التناقضُ الضحكَ لدى أحدهم وينتزع البسمة من شفاه آخر. ويمكن أن نعرف السخرية أيضًا بهذا التعريف. بجانب ذلك، يرتبط كل من التهكم والسخرية بنوع من الاستهانة، متمثلة في التنبيه على عيب من العيوب أو ذكر نقيصة من النقائص، ثم يفترق المفهومان بعدها، حيث يزعم التهكم لنفسه صوابًا لا يقبل الشك، ويقينًا لا يلتفت لأي ادّعاء يخالفه، بينما السخرية -على عكسه- لا تدعي أنها تملك الحقيقة، وتأبى أن تجعل من نفسها سلطة أو مرجعية لإقرار الصواب والخطأ، وهو ما يقترفه التهكم دومًا، لذا لا مجال لأن يُقدِم المتهكم على الهزء بعيب من عيوبه وإضحاك الناس من نفسه، بينما الساخر يفعل هذا بكل أريحية.

على تلك القاعدة تنتفي صفة التواضع عن المتهكم (مثل سقراط)، فإلى جانب كون المتهكم لا يسخر أبدًا من نفسه، فإن تهكمه يقف على أرضية الإحساس بالقوة، مترصدًا أخطاء الآخرين لإفقادهم الثقة بأنفسهم، كما تنتفخ أوداج المتهكم يقينًا من أن الصواب لا يملكه أحد غيره، أما الساخر (مثل المعري) فلا يعنيه كثيرًا الصواب من الخطأ، فهو يستهدف في الأساس خلخلة الثقة لدى محدّثه لا في نفسه بل في منطق كلامه، مغيرًا على المسلّمات طامحًا للتحرر من وهم اليقينيات، وبالتبعية فالساخر لا يدّعي امتلاكًا للحقيقة أو الصواب.

إذن، “سقراط” المتهكم في استهانته بالآخرين ورصده لعيوبهم وأخطائهم، لم يكن اعتباطيًّا ولا تلقائيًّا كما حاول أن يبدو، بل سار وفق تخطيط محكم، استعمل عبره حكمته ومنطقه القوي في محاججة أهم رجال أثينا وأعظمهم قدرًا (تخيّرهم بعناية) ليُظهرهم أمام الناس بمظهر الحمقى والمغفلين، في الوقت ذاته بدا في أعين الجميع الأكثر معرفة وعلمًا، فجهله مصطنع ما يلبث أن يتهافت لتتكشف معرفته، ومعرفتهم زائفة ما تلبث أن تتهاوى ليتبين جهلهم، وبذلك يتكلل مخطط الذات السقراطية في تمجيد صاحبها، وإعلاء شأنه، إثر تساقط كل محاوريه أمامه واحدًا تلو آخر.

تمثال للفيلسوف اليوناني "زينوفون" (430-345)

يطرح “سقراط” المسألة أمام محاوره مبديًا عدم المعرفة بحقيقتها. يتصنع الجدية فيتعامل محاوره على هذا الأساس، لكن الفيلسوف اليوناني المخادع، كان ينصب بادعائه الجهل شركًا لخصومه، دلل على ذلك منطقه القوي وثقته البالغة في متابعة دحضه لرؤى محاوريه دون تردد أو لعثمة، كان يتقدم أثناء المحاورة في وثوقية من يملك الحقيقة، ويهزأ من آراء أي كان في اعتداد من يحوز اليقين.

ثم أتت لحظة كشفٍ -في المحاكمة الشهيرة- أفصحت عن زيف تواضعه، ففي رواية “زينوفون” يقف “سقراط” أمام القضاة ليسائلهم متفاخرًا: هل هناك في علمكم من يمكن أن يكون أقل عبودية لشهواته مني؟ من يكون في هذا العالم أكثر حرية مني، فأنا لا أقبل هدايا ولا أجرًا من أحد؟ من تودون بحكم العقل أن تعتبروه أكثر عدلًا، هل هناك شخص لا يرغب في أن يدعوني بحكم العقل رجلًا حكيمًا؟ لا تظنوا أن عملي يذهب هباءً، فكثير من أبناء مدينتي الذين يجاهدون وكثير من القادمين من الخارج يفضلون الارتباط بي أنا من دون الآخرين جميعًا.

جاءت رواية “زينوفون” لتذيع حقيقة “سقراط” وتنقذها من براثن الرواية التجميلية لتلميذه المخلص “أفلاطون”. لكن لا أحد قطعًا ينكر على “سقراط” أنه كان بالفعل “متفوقًا جدًّا على بقية البشر” كما أعلنت عرّافة معبد دلفي، لأنه كان الأكثر حكمة والأقوى منطقًا كما أدرك الفيلسوف الإغريقي الأشهر، وليس كما أوَّل تصريح العرافة بأنه الوحيد الذي “عرف أنه لا يعرف شيئًا” فتلك كانت خديعته الكبرى.

وإذا عبرنا من التهكم السقراطي المتغطرس إلى سخرية “المعري” المتواضعة، نرصد في سيرة الرجل وأعماله، العفوية التي افتقدناها مع “سقراط”، حيث يسخر “أبو العلاء” في شعره من كل أحد وكل شيء، فيهزأ من عامة الناس ومن فداحة جهلهم:
قد صَدّقَ النّاسُ ما الألبابُ تُبطِلُه ** حتى لظنّوا عَجوزًا تحلُبُ القَمَرا

ويتندر بالفقهاء الذين اعتمدوا النقل دون العقل:
في كلّ أمرِكَ تقليدٌ رضيتَ به ** حتى مقالُكَ ربّي واحدٌ أحدُ

ويسخر من حساب الله يوم القيامة على لسان “أوس بن حجر” في رسالة الغفران:
“ولقد دخل الجنة من هو شر مني، ولكن المغفرة أرزاق”، ويسخر من الشعراء ومن رواة الشعر، ويسخر من أستاذه “ابن القارح”، ويسخر من المرأة، ويسخر حتى من نفسه:
دُعيتُ أبا العَلاء وذاكَ مَيْنٌ ** ولكنّ الصّحيحَ أبو النُّزول

طالت سخرية “المعري” الجميع بلا استثناء حتى ذاته، تُحركها العفوية، وتحرضها روح المشاغبة على الوثوقية والجدية والصرامة والوقار.
لم يستند “المعري” في هجومه ضد الأشخاص والقيم والثوابت إلى سلطة، كما لم يسعَ إلى اكتسابها. أسلحته في ذلك التلميح والتورية والمجاز، فلم يهدف -مثل سقراط “المتهكم”- إلى الوضوح والإبانة سعيًا منه لتقعيد القواعد وصك المفاهيم ووضع التعريفات. كان غاية مراد “أبي العلاء”، كما ذهب “كيركجارد”، الاستمتاع، من خلال الشعور بحريته الداخلية.

أبانت لنا سخرية “المعري” جانبًا آخر ميزها عن تهكم “سقراط”، فشاعرنا الفيلسوف أو فيلسوفنا الشاعر، سواء أطلق سخريته على نفسه أو في اتجاه غيره، حاول بذلك التخفيف من حجم مأساة شعر بها حول نفسه (سببها عماه) أو استشعرها لدى غيره، بينما المتهكم لا يحفل بالمأساة. الفكرة أو المفهوم أو القاعدة هي مدار نشاطه التهكمي، أو لنكن أكثر تحديدًا فنقول فكرته أو مفهومه أو قاعدته، التي بإثباتها تنتشي الأنا لديه. أما ساخر كالمعري فكان جل طموحه أن يُخفف بسخريته المسلطة على نفسه أو تجاه الآخرين، من وطأة مآسي الحياة وويلاتها.

لم تكن سخرية المعري إلا لعبًا ولهوًا وإن اصطبغت بالجدية، فلن تضبطه يجهد النفس في إقناع أحد بشيء، أو في تقعيد القواعد ووضع المفاهيم واصطناع التعريفات وصياغة المصطلحات. جل ما يطلبه التحرر من أسر التقليد وقمع الثوابت، والحد من صرامة المسلمات وإرهاب اليقينيات.

هذا الغوص في العمق، بهدف الكشف عن الجزء الغاطس من “سقراط” و”المعري”؛ يصل بنا إلى نتيجة أن “سقراط” لم يكن متواضعًا كما أُشيع عنه عبر التاريخ، وأن “المعري” لم يكن متعاليًا كما وصمه الرواة، يُفصح عن ذلك موقفهما، فموقف “المعري” الساخر بطبيعته متواضع لا يسبقه تخطيط خفي، ولا يطمح إلى القبض على جوهر الأشياء عبر إيجاد تعريفات محددة وواضحة كما الموقف التهكمي، لهذا السبب تأتي سخرية “المعري” على هيئة شذرات متناثرة، بينما التهكم لدى “سقراط” يأخذ صورة “محاورات” ممتدة، لا يُنهيها إلا نجاحه في فضح جهل محاوره أو أن يعترف له الأخير بالتفوق، في حين لا يسعى الساخر إلى غير تأكيد حريته من خلال دفع ما يواجهه به المجتمع من ثوابت ويقينيات. تلك النزعة دفعت “المعري” بطبيعة الحال لأن ينفر من الرضوخ لأي سلطة، أو أن يعترف بقيمة أو ضرورة.

وبينما يغوص المتهكم إلى الأعماق ليجلو الحقيقة، يندفع الساخر لفضحها، ولا يفتأ يسخر من كل شيء، حتى من ذاته. ومن الخطأ الظن أن دافع ذلك إبخاس الساخر لقدر نفسه أو نتيجة فقدانه الثقة، هو بالأحرى تعبير عن مدى الالتباس الذي يحكم نظرته لكل شيء.

إن ساخرًا مثل “المعري” متواضع، وما سخريته إلا سلاح ضد السلطة أيًّا كانت، وراية حرية في مواجهة مسلّمات لم يختبرها وثوابت لم يتثبت منها، وهي كذلك خفة ضد ثقل الوقار والجدية، في حين أن متهكمًا مثل سقراط متغطرس، وما تهكمه إلا شعور قوة وادّعاء صواب وإحساس مسيطر بالسمو عن “بقية البشر” وإن أخفى صاحبه هذه الحقيقة تحت ستار من التواضع الزائف.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف

Start typing and press Enter to search