عن متلازمة "شوغرن"

ألسنة جافة وعيون بلا دموع

عام 2016، عانت مريم سامح من جفاف بالعين والفم والتهابات مزمنة باللسان، حاولت حينها البحث عن تخصص طبي يستطيع تشخيص حالتها الصحية ومعرفة سبب الجفاف. بعد فحصها أخبرها الطبيب أن الجفاف ناتج عن تورم الغدد اللعابية مع وجوب استئصالها فورًا حتى لا يزداد الأمر سوءًا.

لم تقتنع “مريم” بما قاله الطبيب، فقررت اللجوء إلى طبيب غدد صماء، نصح بدهان الفم بالجلسرين والليمون قبل تناول الطعام ليسهل عملية البلع ويحد من تأثير الجفاف. 

مرت الأمور بسلام مع اتباع أدوية مضادة للالتهابات ومضادات حيوية لتقليل نسبة الجفاف، إلا أن “مريم” شعرت بتدهور حالتها إلى عدم القدرة على النظر يمينًا ويسارًا أو تحريك العينين، وذلك في أواخر 2018،  لتبحث وراء علاقة جفاف العين والفم معًا.

متلازمة شوغرن

عبر محرك البحث جوجل وجدت “مريم” ما يسمى بـ”متلازمة شوغرن”.. لم تكن المعلومات متاحة حول هذه المتلازمة سوى علاقة وطيدة بين وقف إفرازات العين والفم بسبب مهاجمة المناعة للجسم، لتقرر “مريم” الاستعانة بطبيب أمراض مناعية، وبعد الفحوصات وتحليل مناعة الجسم، اكتشفت أنها تعاني من “متلازمة شوغرن”.

تأثرت حياة “مريم”، 32 عامًا، كثيرًا بعد تشخيصها بـ”شوغرن”، أحد أمراض المناعة الذاتية، والتي يهاجم فيها الجهاز المناعي الغدد التي تفرز سائلاً، ما يسبب الجفاف الكامل لجميع إفرازات الجسم. 

فقدت وظيفتها كـ”معلمة” بسبب تأثير المتلازمة على العين بعدم تحريكها إلا باستخدام قطرة الدموع الصناعية، بجانب تدمير أسنانها بالكامل، وتضخم بالغدد الدرقية والتهابات على الرئة.

 تخشى “مريم” تدهور حالتها أكثر والدخول في مرحلة اكتئاب أو عدم قدرة على مواصلة واجباتها تجاه أسرتها وأبنائها الثلاثة، لذا تحاول الحفاظ على جرعات أدوية الكورتيزون وأدوية تثبيط المناعة وعقار الهيدروكين في مواعيدها، الأمر الذي صار غير متاح بعد جائحة كورونا.

تعبيرية عن متلازمة شوغرن
حول متلازمة شوغرن

وفقًا للمنظمة الوطنية للأمراض النادرة،NORD ، لا تزال مسببات الإصابة بمرض متلازمة شوغرن غير معروفة، ولكن يُعتقد أنه قد يكون أحد أمراض المناعة الذاتية التي تشارك العوامل البيئية (مثل الالتهابات الفيروسية) والعوامل الوراثية مثل الاختلافات في جينات  HLA IIفي الإصابة بالمرض، فمن الممكن أن يتأثر أكثر من فرد من نفس العائلة، وبالتالي يوصى بإجراء فحص والكشف المبكر عن أي مشكلات غددية.

 وبحسب المنظمة، فإن الأعراض الأولية لمتلازمة “شوغرن” هي جفاف العين والفم، تؤثر في الغدة الدرقية وتسبب لها التهابات، كما تصيب المتلازمة النساء عادة في منتصف العمر، وتفشل الغدد في إنتاج هرموناتها، ويمكن الانتقال إلى المرحلة الثانوية من المتلازمة، والتي يكون فيها اضطراب المناعة بجانب التهاب المفاصل الروماتويد، والذئبة الحمراء، وتصلب الجلد والتهاب العضلات.

ونشر المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية (NCBI) دراسة تفيد بأن متلازمة “شوغرن” بعيدة عن كونها اضطرابًا نادرًا وتقترب نسبة حدوثه من نصف حالات التهاب المفاصل الروماتويدي (RA) أو تؤثر في 0.05% إلى 0.1% من السكان.

وبحسب المركز يعاني ما بين 400000 بالغ و1.3 مليون من متلازمة “شوغرن”، ويمكن أن تصيب هذه المتلازمة الأشخاص في أي عمر، ولكن الأعراض تظهر عادة بين سن 45 و55 عامًا، لكن المتلازمة لها ميل ملحوظ لدى النساء، ونسبة الإناث إلى الذكور من 9 إلى 1، ويظهر المرض عادة في منتصف العمر، ويمكن أن يصيب الأطفال وكبار السن.

الأمر الذي أكدته الدكتورة هايدي محمد عثمان، مدرس مساعد روماتويد وتأهيل بجامعة المنيا، لـ”ذات مصر” هو أن المتلازمة ليس لها أسباب واضحة حتى الآن وكلها قائمة على احتمالات، لذا فإصابة فرد واحد في العائلة بأي مرض مناعي قد يكون عرضة للإصابة بالمتلازمة.

وتضيف: “الأعراض التي تظهر على المريض هى المؤشر الوحيد للإصابة،  الشعور الدائم بالهرش والاحمرار ووجود رملة بالعينين قد يكون مؤشرًا للمتلازمة بجانب عدم وجود دموع وصعوبة بالغة في بلع الطعام وعدم وجود ريق بالفم، وهذه الأعراض لا تظهر بالتزامن، ولكن قد يظهر عرض الأول ثم تتوالى بقية الأعراض.

عدم تناول الدهون والموالح والاتجاه إلى تناول الخضار والفاكهة والنظام الغذائي الصحي أهم النصائح التي تقدمها الدكتورة هايدي محمد عثمان للمرضى لتقوية المناعة وليس لمنع المرض.

وفي مقال لرئيس أطباء أمراض الروماتيزم بجامعة أوسلو (Øyvind Palm) أوضح أن السبب المحفز لِمتلازمة شوغرن غير معروف، لكن المناعة الذاتية تتسبب عن طريق الخطأ في مهاجمة الغدد الدمعية والغدد اللعابية والأغشية المخاطية للنساء والأعضاء الأخرى عن طريق نظام المناعة في الجسم، وما يحدث تدريجيًّا هو انخفاض وكسل في وظائف الغدد، ما ينتج عنه الجفاف.

لا خروج من دون نظارات طبية

في مساء 30 يونيو/ حزيران 2018، ذهبت الطبيبة البيطرية منى الشريف إلى طبيب أعين بمدينة ملوي بمحافظة المنيا (241 كيلومترًا جنوب القاهرة) بعدما شعرت بتحجر وجفاف العين وعدم وضوح الرؤية، فأعطاها الطبيب قطرة مرطبة للعين لإذابة التحجر، ولكن ظل الجفاف، فلم تأبه “منى” محاولة إقناع نفسها بأنه شعور نفسي فقط.

ولكن بعد مرور 6 أشهر، شعرت أن الأعراض تعود مرة أخرى بقوة بجانب شعورها بوجود حبيبات رمل بالعين، لتذهب إلى طبيب أعين آخر لكي تطمئن على حالتها، وبعد فحصها قرر لها قطرة عين بديلة، ظلت هكذا قرابة شهرين حتى طلب منها أحد الأطباء تحليل دم ومناعة الجسم وروماتويد وبعد رؤية التحاليل وفحصها حوّلها على الفور إلى طبيب أكثر اختصاصًا.

ذهبت “منى” إلى طبيب حساسية وأمراض مناعة، نصحها بما قاله طبيب الأعين المعالج لها، وبعد إعادة تحاليل المناعة مرة ثانية أخبرها أنها مريضة متلازمة “شوغرن”، ذلك المرض المناعي الذي يهاجم الغدد الدمعية ويصيبها بالجفاف.

تعتمد “منى” في علاجها بجانب قطرات الدموع الطبية على الكورتيزون وعقار الهيدروكين، الذي صار غير متوافر في الصيدليات بعد جائحة كورونا.

تقول “منى” لـ”ذات مصر”: “قررت أستغل التأمين الطبي، بعد الكشف والفحوصات صرفوا لي الهيدروكين، وكان المفروض أصرف علبتين، لكن باصرف علبة واحدة فقط بسبب كورونا والعجز في الدواء، وبالتالي قللت الجرعات من قرصين في اليوم، لقرص واحد فقط، وطول الوقت خايفة ماعرفش ألاقي عقار الهيدروكين، أو يقولوا إن الجرعات هتتوقف عشان فيروس كورونا (كوفيد-19) لأن أساس تخفيف حدة التعب قائم على هذا العقار”.

منذ تشخيص “منى”، 35 عامًا، بمتلازمة “شوغرن” لم تتعرض للضوء أو الخروج إلى الشارع من دون نظارة شمس طبية، لتفادي تدهور حالتها أو زيادة نسبة الجفاف بالعينين وزيادة التهابات.

كورونا يطيح بعلاج شوغرن

في مارس/ آذار الماضي دخل عقار البلاكونيل وعقار هيدروكين من خلال المركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية في البروتوكولات العلاجية لفيروس كورونا المستجد، واعتمدت وزارة الصحة المصرية استخدام عقار البلاكونيل والهيدروكين لعلاج مصابي فيروس كورونا، وتسبب ذلك في اختفاء العقارين من الصيدليات الخاصة.

وتسببت جائحة كورونا في نقص مادة “هيدروكسي كلوروكوين” بجميع أنحاء العالم، ما أثر بالسلب في مرضى المناعة الذاتية، ونشرت مؤسسة “شوغرن” الأمريكية خطابًا رسميًّا بين المؤسسة وإدارة الأغذية والعقاقير يفيد بنقص دواء البلاكونيل في الأسواق، ومدى تأثير ذلك في المرضى الذين يعتمدون على هذا الدواء المنقذ للحياة.

أسنان وعظام مسوسة

لم تأبه “ريم”، اسم مستعار، لبداية تسوس أسنانها، حتى بدأت الثقوب تكبر وتتسع، ما سبب آلامًا شديدة والتهابات. فسّرت الأمر بداية على أنه عدم اهتمام بتنظيف الأسنان، لكن قبل الذهاب إلى طبيب متخصص لاحظت جفافًا شديدًا في الريق، وعدم وجود دموع بالعينين.

أخبرت زوجها الطبيب بالأعراض التي ظهرت عليها مؤخرًا، ليربط بين تكسير الأسنان وجفاف العين والفم، وبدأت الشكوك تزداد حول متلازمة “شوغرن”.. تحدث زوجها مع استشاري الأمراض المناعية وبعد إجراء الفحوصات وتحاليل المناعة تأكدت إصابتها بالمتلازمة.

قرأت “ريم” عن المتلازمة على الإنترنت في محاولة للتعايش معها، ولكن مهاجمة المتلازمة للغدد اللعابية والغدد الدمعية تسبب لها في صعوبة بالغة في بلع الطعام، فلا ينزل الأكل إلى المريء إلا بشرب المياه مع كل لقمة، بجانب الجفاف الشديد بالعين الذي سبب لها التهابات مزمنة.

ورغم التعايش مع المتلازمة فإن التأثير النفسي بسبب إصابتها بـ”شوغرن” وما فعلته بصحتها جعلت العلاقة بين “ريم” وزوجها الطبيب متوترة بعض الوقت، ولكن في كل الأحوال كانا يتجاوزان ذلك معًا.

منذ 3 سنوات تعرضت “ريم” لنشاط فجائي للمتلازمة تسبب في التهاب مفصل الفك، ولوقف ذلك النشاط حُقِنت بالكيماوي، بالإضافة إلى معاناتها من الآثار الجانبية للكورتيزون في العظام، ونقص الهيموجلوبين بالدم.

الآن “ريم” في سن 35، تقضي أيامها بين مراعاة ابنتها، 7 سنوات، والذهاب إلى طبيب الأسنان بعدما فقدت أسنانها بالكامل.

تعتمد “ريم” مثل بقية مصابي “شوغرن” على دواء البلاكونيل أو الدواء البديل “الهيدروكين”، غير المتوافر بالصيدليات المصرية بسبب جائحة كورونا، وتحاول شراءه من السوق السوداء بـ500 جنيه بدلاً من سعره الأساسي، 90 جنيهًا، حتى تخفف من حدة الآلام وهجمات المناعة على الجسم.

استشارية المناعة والتغذية، الدكتورة نهلة عبد الوهاب، تؤكد لـ”ذات مصر” أن غالبية الأمراض المناعية تصيب السيدات أكثر من الرجال، وتوضح ما يحدث من ارتباك للجهاز المناعي بسبب التعرض إلى كثرة الشوارد الحرة الموجودة في الطعام وهي السموم والبكتيريا الموجودة بالوجبات، ما يسبب الإصابة بالأمراض المناعة الذاتية.

وأعلنت مؤسسة “شوغرن” الأمريكية عبر موقعها الرسمي عام 2018 أنها استطاعت تقليل متوسط الوقت الذي يستغرقه المريض لتشخيصه من 6 سنوات إلى سنتين فقط، وفي عام 2019 أعلنت عن جمع 3 ملايين دولار لدعم مواصلة البحوث على المرض وأسبابه ومبادرات التوعية بهذا المرض المعقد.

وأُجري استطلاع على 2962 مريضًا بمتلازمة “شوغرن” بالولايات المتحدة، تبلغ أعمارهم 18 عامًا أو أكبر قليل من جانب الطبيب هاريس بول، وجاءت النتائج بأن 96% من عينة الاستطلاع نساء، و32% منها في سن 60، و97% من المرضى يعانون من جفاف بالعينين والفم، و93% يعانون من جفاف الجلد، و91% يعانون من صعوبة في النوم، و90% يعانون من النسيان.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

شاهندا قناوي

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram