دراسات وتحليلات

عودة “بايدن” إلى البيت الأبيض.. هل تُنهِي الحروب الممتدة في اليمن؟

عاد “جو بايدن” إلى البيت الأبيض رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية في العشرين من يناير الماضي، بعد أن غادره في ذات اليوم قبل أربع سنوات، عقب انتهاء ولايته كنائب للرئيس أوباما، وقد شارك حينها في قرار الإدارة الديمقراطية في مارس 2015 بدعم التحالف العربي –المُكوَّن من عشرة دول– في عملية “عاصفة الحزم” العسكرية ضد جماعة الحوثي (الشيعية) وحلفائهم من أنصار الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح.. ما كان يُنظر له حينها على أنه عملية عسكرية محدودة تعتمد بالأساس على القصف الجوي لاستعادة الرئيس اليمني عبد ربه هادي إلى السلطة والقضاء على تمرد الحوثيين، ولكن سرعان ما تطور الوضع إلى حرب معقدة، احتوت في طياتها على حروب فرعية عدة، وخلفت الأزمة الإنسانية الأسوأ حول العالم وفقا لتقديرات أممية.

الرئيس الأمريكي بايدن

هل ينجح الرئيس بايدن وفريقه للسياسة الخارجية في وضع نهاية للحرب الممتدة في اليمن منذ سبع سنوات كما وعد؟ وهل يُؤذن قراره الأخير بإنهاء دعم بلاده للعمليات العسكرية في اليمن بحلحلة الأوضاع قريبا تجاه إحلال السلام عبر الضغوط الدبلوماسية؟ أم أن ذلك يتطلب رؤية أكثر كلية لا تكتفي بخروج الولايات المتحدة من الحرب والضغط على السعودية وإيران للوصول إلى سلام بين جماعة الحوثي والحكومة المعترف بها دوليًا، وإنما أيضا تأخذ في الاعتبار مصالح المكونات المحلية الأخرى المُشارِكة في الحرب ضد جماعة الحوثي خارج صفوف قوات الحكومة، لا سيما في ظل تزايد النزعات الانفصالية في الجنوب اليمني وتنامي سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على معظم محافظات جنوب وشرق اليمن، ودخولهم في صراع على أكثر من جبهة مع قوات الحكومة، وكذلك تصاعد حضور تنظيم القاعدة وداعش وغيرهما من التنظيمات الإرهابية في شرق البلاد.

هل تكون حرب اليمن أحد صراعات المنطقة التي تُهدِّئها أو تحلها الدبلوماسية والمفاوضات؟ وكيف ستُوظِّف الولايات المتحدة قدراتها المادية والمعنوية في إطار السياسة الخارجية الجديدة تجاه الإقليم في ضوء أولوية الملف اليمني على أجندة بايدن؟

حرب اليمن بين إدارتين مختلفتين

رغم الموقع الجغرافي والملاحي المُميز لليمن، فإنها طالما احتلت أولوية منخفضة في السياسة الخارجية للإدارات الأمريكية المتعاقبة، فلا هي أحد مصادر النفط الرئيسية، ولا هي شريك عسكري استراتيجي، وإنما اقتصرت أهميتها لسنوات على كونها أحد الأهداف المُستباحة للحرب الأمريكية على الإرهاب لوجود “تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية” في جنوبها.

لذلك، حين بدأ التحالف العربي بقيادة السعودية الغارات الجوية على جماعة الحوثي في اليمن في مارس 2015، لم يكن المجال متاحًا أمام إدارة أوباما للتخلي عن الرياض وحلفائها، لا سيما في ظل تزامن إطلاق “عاصفة الحزم” مع مفاوضات الاتفاق النووي بين إيران ومجموعة 5+1، وهو ما كانت تعارضه بشدة السعودية وحلفائها في الخليج العربي.

الحرب في اليمن

حقيقةً لم تكن الخيارات أمام واشنطن عديدة، فهي من ناحية تُفضِّل استعادة الرئيس “هادي” شريكها الرئيسي في مكافحة الإرهاب في اليمن إلى السلطة، بدلا من الحوثيين المعروفين بعدائهم المعلن لأمريكا وتحالفهم مع الإيرانيين، ومن ناحية أخرى كانت الإدارة الأمريكية وقتها حريصة على طمأنة السعوديين بأنهم لن يتخلوا عنهم أمام التهديد القائم على حدودهم الجنوبية، والمتمثل في توسع نفوذ وسيطرة الحوثيين على مساحات متزايدة في اليمن.

لكن الغارات الجوية التي بدأت على جماعة الحوثي في مارس 2015 صاحبتها حربٌ على الأرض، شارك فيها الجيش اليمني وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح (على الجبهتين)، ورجال القبائل في الشمال، وتشكيلات شبه نظامية في الجنوب في مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي.

امتدت الحرب على أكثر من جبهة، كما أن الدعم الأمريكي للعمليات العسكرية للتحالف تأرجح أكثر من مرة، بدايةً من تقديم الغطاء السياسي للحرب، وتزويد الرياض بالدعم الاستخباراتي والعملياتي، والأسلحة الهجومية والذخائر الضرورية لاستمرار الحرب، كل هذا مع دعوة جميع الأطراف علانيةً لتسوية سياسية لإنهاء الحرب، مرورًا بوقف بيع بعض الصواريخ دقيقة التوجيه للسعوديين قرب نهاية إدارة أوباما في ديسمبر 2016، ومن ثَمَّ عودة الدعم العسكري باطراد في ظل إدارة ترامب، التي زادت من تحالفها العسكري مع السعودية في ضوء سياسة الضغط القصوى على إيران وحلفائها في الإقليم.

بايدن وسالمان

تحديات إحلال السلام في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة

على عكس ترامب، الذي كانت زيارته الخارجية الأولى -كرئيس- إلى الملكة العربية السعودية، نجد أن الرئيس بايدن قد عبّر في أكثر من مناسبة عن ضرورة إنهاء الحرب الممتدة في اليمن، فأعلن في خطابه الرئيسي عن السياسة الخارجية إنهاء دعم العمليات الهجومية في حرب اليمن، بما في ذلك صفقات السلاح ذات الصلة، وتكثيف الدعم الدبلوماسي لجهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة في البلاد، مع تعيين مبعوث خاص لليمن لتحفيز المسار الدبلوماسي وإيقاظ مسار السلام.

اتبعت إدارة بايدن تلك الإجراءات الافتتاحية بقرار تنفيذي بإلغاء تصنيف جماعة الحوثيين كجماعة إرهابية، وهو ما كانت إدارة ترامب قد أقرّته قبل رحيلها من البيت الأبيض بيوم واحد، وقد أثار حينها انتقادات أممية لتأثيره على وصول التوريدات الغذائية للمناطق التي يسيطر عليها الحوثيون ويقطنها أغلبية السكان، بما قد يفضي لمجاعة على نطاق واسع.

ردت جماعة الحوثي على هذه البادرة من إدارة بايدن بتصعيد هجومهم على محافظة مأرب النفطية المتاخمة للحدود السعودية، وكذلك على الداخل السعودي، وهو ما وضع تلك الإجراءات محل هجوم البعض، الذي ربط بينها وبين تشجع الحوثيين على التصعيد.

عموما، في ضوء المتغيرات الجديدة في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه اليمن وإيلائها اهتماما غير مسبوق، فإن الحرب قد تسير في اتجاه سيناريو من ثلاثة: إمّا استمرار الحرب في غياب الدعم الأمريكي وإن تحولت أو خفت وطأتها، أو الوصول لسلام كبير بين الحوثيين والسعودية ينهي عمليات التحالف ويترك الحروب اليمنية الصغرى دائرة بين المكونات المحلية المختلفة، أو عملية سلام شاملة بتوافق خليجي ودعم أمريكي، وهو أكثر السيناريوهات تفاؤلا، وفيما يلي تفصيل السيناريوهات الثلاثة وما يُرجّح كل منها على المستويين الإقليمي والوطني:

1. سيناريو استمرار الحرب في غياب الدعم الأمريكي

إن توقفت الإرادة الأمريكية عند حدود الضغط على السعودية لإنهاء حملة التحالف العربي على اليمن، وهو ما تكشف عنه الإجراءات الحالية على الأقل، فإن ترحيب دول التحالف العربي الرئيسية -التي تبحث هي الأخرى عن مخرج من حرب اليمن- بالدعوة لإنهاء الحرب لا يُنبِّئ بالضرورة بوقف حملة التحالف العربي على الحوثيين في اليمن.

ورغم أهمية الدعم العسكري الأمريكي للعمليات الهجومية للتحالف، لا سيما المعلومات الاستخباراتية، وتسهيلات التزود بالوقود جوًّا لطائرات التحالف، فإن مقابلة جماعة الحوثي الإجراءات الأمريكية بتصعيد حملتها على محافظة مأرب وعلى الداخل السعودي بطائرات مسيرة مفخخة، قد يدفع الإدارة الأمريكية لمراجعة قرار وقف دعم العمليات الهجومية.

ورغم تقديرات القيادة المركزية الأمريكية بأن طائرات التحالف لن تكون قادرة على مواصلة القتال في غياب الدعم الأمريكي، فإن الحرب قد تأخذ صورا أخرى بخلاف القصف الجوي.

ويزيد من احتمالية هذا السيناريو -كما أسلفنا- رفض جانبي الحرب المحليين التفاوض في الوقت الحالي، فالحوثيين يُصعِّدون من هجومهم على مأرب، وحكومة “هادي” وحُلفاؤها في الجبهة المعارضة للحوثيين غير مستعدون للقبول بتسوية سياسية وفق معطيات الواقع الحالي.

قصف جوي في صنعاء

2. سيناريو السلام بين السعودية والحوثيين

في ظل تشعب الفاعلين في حرب اليمن وتعارض مصالحهم وانتماءاتهم ودعمهم الخارجي، تطور تمرد الحوثيين، الذي بدأ في أقصى شمال البلاد في محافظة صعدة عام 2014 إلى واقع جديد يسيطر فيه الحوثيون على أغلب محافظات الشمال، بينما حكومة “هادي” محاصرة في عدن، كما ظهر فاعلون جدد مكّنتهم الحرب نفسها، كالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسيطر على محافظات الجنوب بدعم من تشكيلات عسكرية شبه نظامية ذات نزعات انفصالية، وقوى قبلية عديدة كقبائل “مأرب” بقيادة حزب التجمع اليمني للإصلاح ذي التوجه الإسلامي، وقوات المقاومة الوطنية في الساحل الشرقي للبلاد بقيادة حليف الحوثيين السابق “طارق صالح” – نجل شقيق الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح.

وإذا افترضنا أن إدارة بايدن ستكون قادرة على الوفاء بتعهدها بـ”وضع الدبلوماسية أولا في سياسة الولايات المتحدة الخارجية”، وأن هذا سيثمر عودة للاتفاق النووي مع إيران وعودة الأخيرة بالضرورة للمفاوضات حول باقي ملفات الإقليم، ما قد يترتب عليه عودة الحوثيين للتفاوض ووقف حملتهم العسكرية المتصاعدة.

وإذا أضفنا إلى ذلك رغبة المملكة العربية السعودية وباقي دول التحالف في الخروج من اليمن، وتصاعد الضغوط الأمريكية لإنهاء الحرب، فإننا قد نستنتج إمكانية عقد اتفاق سلام بين الحوثيين والسعودية، أو على الأقل تفاهمات تضمن أمن السعودية وحدودها الجنوبية، وتترك الفرقاء اليمنيين يقتتلون لتسوية باقي ملفات الصراع.

ويُقوِّى هذا السيناريو أن الزخم الذي اكتسبته الحرب في اليمن كان مع بدء عمليات التحالف العربي بقيادة سعودية في مارس 2015، ولم تكن الولايات المتحدة لتنخرط في الصراع بهذا القدر لولا وجود حلفائها الخليجيين على خط القتال، إذن فخروج السعودية، ومن ورائها التحالف العربي من الحرب، قد يُنذر بانصراف الاهتمام الأمريكي عن الحرب في اليمن كما كان في سابق العهد، ويترك الفرقاء المحليين يقتتلون وصولاً لتسوية سياسية مُستبعدة، في غياب دعم دولي.

  1. عملية سلام شاملة

إذا كانت إرادة الولايات المتحدة في إنهاء الحرب في اليمن حقيقية، فإن هذا سيقتضي الكثير من العمل مع كافة المكونات المحلية الفاعلة في الحرب وداعميهم الخارجيين، في إطار المفاوضات المتعثرة التي ترعاها الأمم المتحدة.

جماعة الحوثي

ربما يكون الهدف العاجل هو وقف القتال بين التحالف العربي وجماعة الحوثيين عبر الضغط على إيران والسعودية، اللاعبين الكبيرين في هذا الصراع، ولكن التحدي سيكون في إدماج الحوثيين في حكومة ما بعد الحرب، مع الأخذ في الاعتبار بمصالح باقي الأطراف المحاربة للحوثي، والتي تشمل حكومة عبد ربه منصور هادي، المُعترف بها دوليا، والقبائل في مأرب وغيرها، وقوات المقاومة الوطنية، والمجلس الانتقالي الجنوبي، وغيرهم.

إن الانتصارات الكبيرة للحوثيين، الذين باتوا يسيطرون على أغلب محافظات الشمال، جعلت الجبهة المعارضة لهم -سواء في مظلة حكومة هادي أو خارجها- رافضين للتفاوض في ضوء الواقع الحالي، فأي اتفاقية سلام ستعكس سيطرة الحوثيين على الشمال وإمكانية إعادة مركزة السلطة في صنعاء، وهو ما يرفضه المجلس الانتقالي الجنوبي وسائر محافظات الجنوب، كما أن إمكانية سيطرة الحوثيين على مأرب، وهي معقل سني، ستفرض على الحوثيين -حال توقف القتال- صعوبات في إدارة الأقاليم الخاضعة لهم.

إن الطريق أمام سلام شامل في اليمن طويل، يمكن أن يبدأ بوقف إطلاق نار وفتح خطوط المساعدات الإنسانية تمهيدًا لبدء الحوار السياسي، وهو ما تسعى إليه الأمم المتحدة منذ فترة دون نجاح.

بكل تأكيد سيضيف اهتمام الولايات المتحدة بإنهاء الحرب زخما في المسار الدبلوماسي التفاوضي، ولكن المبعوث الخاص إلى اليمن، والذي عيّنه بايدن، سيكون أمامه طريق طويل لضمان موافقة كل الأطراف المحلية على مضمون أي تسوية سياسية مستقبلية.

ستكون بكل تأكيد عملية طويلة الأجل، وقد تأتي على مراحل متتابعة، ولكنها وقبل كل شيء ستحتاج إلى توافق خليجي داعم، وغطاء أمريكي وأممي مُرحِّب.

أحمد حمدون

مدرس مساعد العلوم السياسية جامعة القاهرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى