دراسات وتحليلات

عودة طالبان وصعود داعش.. اتجاهات التطرف والإرهاب في باكستان

أينما حلّت الطائفية، تغذّى التطرف، وأشعل فتيل الحرب بين أهله، فكانت هي، وأسبابٌ أخرى، وراء عودة زيادة الهجمات الإرهابية في باكستان، بعدما شهدت انخفاضًا خلال عامي 2018 و2019.

تخبرنا بيانات “مؤشر الإرهاب العالمي” عن ذلك الانخفاض في معدل الهجمات الإرهابية، الذي حدث في باكستان عام ٢٠١٨، إذ وصل إجمالي عدد الحوادث الإرهابية في ذلك العام إلى نحو 369 هجمة، أسفرت عن مقتل 543 شخصا، فيما انخفض عدد الهجمات الإرهابية في 2019 إلى نحو 279 هجمة، أودت بحياة 300 شخص.

غير أن ذلك الانخفاض لم يستمر طويلًا، فبحسب الهيئة الوطنية لمكافحة الإرهاب الباكستانية، فإن الهجمات الإرهابية في 2020 تسببت في مقتل 357 شخصًا، وهي زيادة واضحة في عدد ضحايا الإرهاب.

تلك الزيادة أهّلت باكستان لأن تحتل المرتبة السابعة في مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020، الذي أعده “المعهد الاسترالي للاقتصاد والسلام”، وجاءت بذلك مباشرةً بعد أفغانستان والعراق ونيجيريا وسوريا والصومال واليمن على الترتيب، ويليها الهند والكونغو والفلبين.

وتأتي دراسة بعنوان “اتجاهات التطرف والإرهاب في باكستان: تغيرات ديناميكية وتحديات جديدة، للباحث حسن عباس، والمنشورة على موقع مركز مكافحة الإرهاب في “وست بوينت”، لتركز على التطورات الجديدة نسبيًا فيما يخص الإرهاب والتطرف في باكستان، وحجم التحديات الأمنية التي تواجهها قوات الأمن هناك، جرّاء ذلك.

عودة “طالبان-باكستان” من جديد

في يونيو ٢٠١٤، نمكنت قوات الأمن الباكستانية عبر حملة أمريكية لطائرات دون طيار، من إنهاء حكم حركة طالبان في باكستان، والذي استمر من عام ٢٠٠٧ حتى ٢٠١٥.

وقد أسهمت عمليات قوات الأمن هذه في انقسام حركة طالبان وهروب قادتها الناجين إلى أفغانستان، غير أن الجماعات المنشقة عن حركة طالبان -بما في ذلك جيش التحرير وحزب الأحرار- عادت إلى الاجتماع من جديد في أغسطس 2020.

وخلال لقائهم جدّدوا تعهدهم بالولاء لزعيم حركة طالبان-باكستان الحالي نور والي محسود، المعروف باسم “أبو منصور عاصم”، الذي أسهم بعودته في إقناع العديد من رجال القبائل للعودة إلى منصة حركة طالبان في باكستان.

زعيم حركة طالبان-نور والي محسود

ووفقًا لتقرير فريق الدعم التحليلي ومراقبة العقوبات التابع للأمم المتحدة الصادر في مايو 2020، فإن عدد المقاتلين الباكستانيين القادمين من أفغانستان وصل إلى نحو ستة آلاف مقاتل.

وبحسب تقرير نشرته الأمم المتحدة في فبراير 2021، فإن حركة طالبان كانت المسؤولة بمفردها عن أكثر من 100 عملية عابرة للحدود من أفغانستان إلى باكستان في الفترة بين يوليو وأكتوبر من عام 2020.

وقد أعادت طالبان تمركزها من جديد في مقاطعات وزيرستان وباجور القبليتين، تلك المقاطعات كانت محل استهداف من قِبل طالبان قبل أكثر من عقد من الزمان، وذلك حينما عمدت لزيادة عمليات القتل المستهدف فيها والمشاركة في حل النزاعات المحلية، وإجبار الناس على دفع أموال مقابل الحماية واستهداف خصومهم.

وبحلول منتصف ديسمبر 2020، انضم نحو 11 جماعة منشقة إلى حركة طالبان الباكستانية المُعاد تشكيلها، وشنّت هجمات على قوات الأمن في جنوب وشمال وزيرستان، وفي مناطق باجور ومهمند، الأمر الذي بات يمثل أحد أبرز التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان في الفترة الحالية.

عناصر من طالبان-باكستان

كيف توسعت داعش في باكستان؟

في عام 2015، ظهرت داعش في كل من أفغانستان وباكستان، كامتداد للتنظيم الأم سوريا والعراق، وقد استفاد بشكل كبير في أيامه الأولى من سلسلة الانشقاقات في العديد من المنظمات الإقليمية المسلحة.

وبالرغم من أن التجنيد الذي يتم في مناطق تمركز التنظيم يكون سهلًا ويسيرًا نتيجة وجود روابط محلية عميقة، بينما توسيع التجنيد ليشمل أعراقا مختلفة يتطلب شبكة أوسع واحتياجات تدريبية أكبر، فإنه خلال الآونة الأخيرة، سعى داعش للخيار الأصعب، وهو التركيز على توسيع نطاق التجنيد بما في ذلك الاستعانة بمقاتلين أجانب.. ذلك الاتجاه بدا جليًا في أوائل عام 2020 حين عمد إلى تجنيد مسلحين من ولاية “كيرالا” الهندية، الذين استخدمهم بعد ذلك لاستهداف معبد للسيخ في العاصمة الأفغانية، كابول.

كذلك، من المرجح أن يتوسع نشاط داعش التجنيدي في قبيلة “براهوي” في مقاطعة “بلوشستان” الباكستانية. تأتي تلك التوقعات على خلفية وجود خلايا من مقاتلي داعش في المناطق الحدودية في بلوشستان، إذ يبدو أن داعش يحافظ على حجم تلك الخلايا صغيرًا كاستراتيجية منه لتأمين اتصالاته وتخطيط الأهداف بين عناصره.

عناصر تابعة لتنظيم داعش

عمليات القتل المنظم في كراتشي

بحسب خبراء الأمن، فإن هناك جيلًا جديدًا من المسلحين قد بلغ سن الرشد في باكستان، يتميز بالبراعة في استخدام التكنولوجيا، ذلك الجيل يوجد على الأغلب في المراكز الحضرية مثل كراتشي ولاهور، وعلى استعداد دائم لإقصاء المسلمين الذين يختلفون معهم.

ولعل ارتفاع عمليات القتل المُستهدَف من قبل المتطرفين في كراتشي خلال 2020، خلق مخاوف جدية داخل وكالات الأمن الباكستانية بشأن الأنشطة المتزايدة لبعض الجماعات المتطرفة المحلية، والتي لدى بعضها صلات عبر وطنية.

واستنادًا إلى بيانات صادرة عن شرطة كراتشي، فإن هناك أربع جماعات إرهابية متحالفة مع عصابات إجرامية محلية نشطة للغاية في كراتشي وغيرها من المقاطعات.

وبالرغم من وجود تلك الجماعات منذ سنوات عديدة، فإنها أصبحت أكثر نشاطًا عن المعتاد مؤخرًا، ووفقًا لتقديرات الشرطة المحلية، فإن هناك العديد من الجهاديين السريين متورطون في نشاط تهريب المخدرات، وأن قوات الشرطة في إقليمي “السند” و”البنجاب” تراقب هذا الاتجاه عن كثب.

استهداف كشمير

لا تزال أنشطة الجماعات المسلحة التي تركز على كشمير -الخاضعة للسيطرة الهندية- تثير قلقا ومخاوف كبيرة لدى قوات الأمن الباكستانية، فرغم أن الجماعات المتشددة التي تركز على كشمير تتمتع بوجود خافت داخل باكستان، فإن الخطر الحقيقي يكمن في احتمالية زيادة نفوذ هذه الجماعات في الداخل.

الأمر الذي حذّر منه رئيس الوزراء الباكستاني، عمران خان، وجعله يندد بأي محاولة لــ”الجهاد في كشمير”، وذلك حين قال:

كل منْ يظن أنه سيعبر الحدود للانضمام إلى الكشميريين هو عدو كبير لهم ولباكستان.

بيد أنه لا يوجد دليل موثوق على أن تنظيم القاعدة في العراق والشام يعمل في كشمير حاليًا، إلا أن منشوراته وتصريحاته تظهر بوضوح وجود النية والدافع للقيام بذلك.

ولعل السجلات الحافلة للعديد من هؤلاء المقاتلين الباكستانيين الذين يركزون على كشمير، تخبرنا بمدى قدرتهم على القفز بين الجماعات بسهولة اعتمادًا على الجغرافيا السياسية ونقاط الضعف الأمنية.

رئيس الوزراء الباكستاني “عمران خان”

تعميق الطائفية

تعمقت اتجاهات الطائفية داخل المجتمع الباكستاني مؤخرًا بشكل لافت، سواء من خلال اضطهاد المسلمين الشيعة في الداخل، أو ارتفاع معدل القتل المُستهدَف ضد المجتمع الأحمدي الباكستاني، ناهيك باستمرار التنافس بين الطوائف السنية (باريلفي وديوباندي) على نحو خطير، فقد عملت جماعة باريلفي المتطرفة على تنشيط قاعدتها من خلال الإصرار على التطبيق الصارم لـ“قوانين التجديف” الباكستانية المثيرة للجدل (أي قوانين ازدراء الأديان)، وذلك في سبيل استعادة موقعها السياسي الذي فقدته أمام الديوبانديين منذ صعود الجهاد في الثمانينيات.

وقد باتت حوادث العنف الطائفي والكراهية الدينية والطائفية سمة منتظمة في المشهد الأمني والسياسي في باكستان، ذلك الخلاف الطائفي هو ما تروج له الجماعات المتشددة كي يستمر.. لكن ما يثير القلق هو ذلك التصاعد خلال الأشهر الأخيرة في الخطاب المناهض للشيعة، والذي تم التعبير عنه من خلال الخروج باحتجاجات في الشوارع الكبرى، بمشاركة قوى سياسية محافظة متطرفة في كراتشي وإسلام أباد.

ولعل الشيعة الهزارة الباكستانيين القاطنين في مدينة كويتا الباكستانية قد دفعوا ثمن ذلك الخطاب باهظًا، فمع بداية عام 2021 تم اختطاف 11 من عمال مناجم الهزارة وذبحهم وتوزيع صور مروعة لهم عبر خدمة “أعماق” الإخبارية التابعة لتنظيم داعش.

إجمالاً، بالرغم من الاستقرار النسبي في الحزام القبلي الباكستاني-الأفغاني وانخفاض مستويات العنف بشكل عام منذ عام 2018، فإن التحديات أمام مكافحة الإرهاب في باكستان آخذة في التطور والصعود، فقد ظلت جهود مكافحة التطرف العنيف محدودة التركيز وقليلة الموارد، ولم تستغل حالة الضعف وتدهور البنية التحتية الذي كابدته طالبان في نهاية فترة حكمها، الأمر الذي منح الفرصة لعودة طالبان من جديد، وهي الساعية لإعادة هيكلة صفوفها وتنظيمها من جديد، كذلك، أتاحت أوجه القصور الأمني والتفاوت الاقتصادي في باكستان الفرصة لمسلحي داعش لاستهداف المجتمعات الضعيفة والتجنيد على نطاق واسع.

المصدر: (اضغط هنا)

سهير الشربيني

باحثة مصرية في العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى