سياسةمختارات

“عينٌ على سنجار”.. حقائق التدخل العسكري التركي ومبررات الصمت العراقي

“قد نأتي على حين غرة ذات ليلة”..

مقولة شهيرة للرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، كرّرها في 22 يناير 2021، في إشارة إلى إمكانية التدخل العسكري في قضاء “سنجار” (بالكردية: شنگال) التابع لمحافظة نينوى، وذلك من أجل إخراج عناصر “حزب العمال الكردستاني PKK” الذي تتهمه أنقرة بـ”الإرهاب”.

وبينما تستمر العمليات العسكرية المتلاحقة شمال العراق، وآخرها “مخلب النسر 2″، يبقى التساؤل الأبرز: متى تنتهي حالة “الصمت العراقية” على انتهاك سيادته واختراق أراضيه؟

التدخل التركي في العراق

حقائق العمليات والانتشار التركي

انتهت أحدث العمليات العسكرية التركية “مخلب النسر 2” في 14 فبراير 2021، بعد 4 أيام فقط على انطلاقها، حيث أعلن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار في 14 فبراير 2021:

إن القوات التركية نجحت عبر عملية مخلب النسر 2، في تحييد 50 إرهابيًّا، وتطهير معظم منطقة كَارة (في قضاء العمادية/ آميدي بمحافظة دهوك)، كما استطاعت القوات التركية خلال العملية تدمير أكثر من 50 موقعًا لحزب العمال الكردستاني.

وأضاف أكار أن “3 جنود أتراك قُتلوا وأُصيب 3 آخرون”. كما أضاف “عندما اقتحمنا مغارات التنظيم الإرهابي عثرنا على جثث 13 من مواطنينا الذين اختطفهم التنظيم سابقًا”، بينما قالت قوات الدفاع الشعبي “HPG” (الجناح العسكري لحزب العمال الكردستاني) “إن أكثر من 30 جنديًا تركيا قُتلوا في الاشتباكات، وأضافت أن عدد منْ قُتلوا ليس بالقدر المعلن من طرف تركيا”.

ولعل “تضارب الروايات” التركية والكردية لا يتعلق بنتائج هذه العملية فحسب، بل ينسحب على مجمل التدخل العسكري التركي، ولاستجلاء الحقائق، يمكن الإشارة إلى الآتي:

  • العمليات العسكرية:

سُمح للقوات التركية بالدخول 10 كيلومترات داخل الأراضي العراقية لغرض مكافحة “الإرهاب” بموجب “اتفاقية التعاون وأمن الحدود”، التي عُرفت باتفاقية “المطاردة الحثيثة“، والتي وُقعت عام 1983 بين البلدين، وذلك بعدما قرّر تنظيم “حزب العمال الكردستاني” عام 1982 التموضع في معسكر “لولان” القريب من المثلث الحدودي بين العراق وتركيا وإيران، وهو ما أفضى إلى قيام تركيا بالعديد من العمليات شمال العراق، قدرها الأمين العام لوزارة البيشمركة في كردستان جبار ياور خلال الفترة (2014- 2019) “بنحو 398 عملية جوية، بالإضافة إلى 425 عملية قصف مدفعي، والتي نتج عنها مقتل ما يزيد على 20 مدنيا، وقد طالت العمليات 288 قرية حدودية، وتسبّبت في هدم مستشفيات وطرق وجسور ومدارس.

وفيما يلي جدول يوضح عدد من أهم العمليات العسكرية التركية، مقسمة إلى مرحلتين على النحو التالي:


  • القواعد العسكرية:

أسست تركيا العديد من القواعد العسكرية والمراكز الاستخباراتية شمال العراق، ففي يونيو 2018 أقر رئيس الوزراء التركي السابق “بن علي يلدرم” بوجود 11 قاعدة عسكرية، لكن بحسب خريطة نشرتها مديرية الاتصالات التابعة للرئاسة التركية في 6 يوليو 2020 على حسابها في “تويتر”، حذفتها بعدها بساعات قليلة، تبيّن أن القوات التركية تمتلك 37 “نقطة عسكرية” في المناطق الحدودية لإقليم كردستان وداخل مدن أربيل ودهوك وزاخو وصوران.

وتُشير المصادر إلى وجود 6 مراكز للاستخبارات الأمن والاستخبارات التركية (ميت) منتشرة في شمال العراق.

النقاط العسكرية التركية في شمال العراق

دوافع التدخل المتشابكة

تسوق تركيا العديد من الدوافع التي تُبرِّر تدخلها العسكري المستمر في شمال العراق، ويمكن تقسيمها إلى:

  • دوافع أمنية: تتمحور حول حماية الأمن القومي التركي، فطالما أرّقت الخاصرة الجنوبية لتركيا مضاجع حكامها، منذ 15 أغسطس 1984، مع إعلان حزب العمال الكردستاني انطلاق “كفاحه المسلح”، فقد وسّع الحزب انتشاره ليشمل معسكرات: قنديل، وهنيرا، وحاكورك، وأفاشين، وباسيان، والزاب، ومتينا، وسينات، وحفتانين، وغارا، كما استغل “الحدود الرخوة” على الشريط الحدودي بين تركيا والعراق وإيران وسوريا في تنفيذ عدد من العمليات “الإرهابية” في الداخل التركي، ثم تفاقم القلق التركي مع تعاظم نفوذ ونشاط الحزب في أعقاب الحرب على “داعش” والأزمة السورية.
  • دوافع سياسية: وتتمثل في، أولاً: الحد من حصول حزب العمال أو أي فصائل كردية متعاونة/متضامنة معه على أي مقومات عسكرية أو مادية قد تُمكّنه مستقبلا من تأسيس “دولة كردية”، ثانيا: استغلال هذه “الورقة الرابحة” في أي استحقاقات انتخابية بشكل يُعزز من بقاء حزب “العدالة والتنمية” في سدة الحكم.
  • دوافع استراتيجية: يرغب “نظام أردوغان” في خلق ثلاث حقائق على الأرض، هي:
  • وضع إقليمي جديد: يُعزِّز مكانة تركيا ونفوذها الإقليمي، فأنقرة لا ترغب في تكرار الاستثمار الإيراني لحالة “الفراغ الاستراتيجي” التي قد يُخلّفها أي انسحاب أمريكي وشيك، على غرار ما حدث إبان “انسحاب أوباما 2011”.
  • بيئة أمنية جديدة: تكون بمعزل عن تأثيرات اللاعبين المحليين والإقليميين -لا سيما إيران والفصائل الموالية لها- الذين شكّلوا “حائط صد” في وجه المخطط التركي الهادف إلى إحداث تغيير ديموغرافي شمال العراق، يؤدي إلى قطع الترابط الخاص بالأكراد، الأمر الذي يجعل أكراد تركيا بمعزل عن أكراد العراق وسوريا.
  • واقع جيوسياسي جديد: يفضي إلى تغيير موازين القوى داخل الشريط الحدودي الرابط بين تركيا وإيران والعراق وسوريا، بما يُمكِّنها من الوجود الدائم في تلك المنطقة.
القوات التركية

ملاذ الصمت العراقي

لم يتجاوز التعاطي العراقي مع التدخلات التركية طوال الأعوام السابقة سقف “التصعيد الدبلوماسي”، ما يكشف بجلاء “محدودية الخيارات” أمام صانعي القرار، واليوم ما أن انتهت عملية “النسر2” حتى تواترت الأنباء عن عزم أنقرة القيام بعملية عسكرية جديدة في جبل “سنجار”، بينما ما زال الصمت العراقي الرسمي هو سيد الموقف، والذي يمكن تصنيفه إلى:

  • صمت عراقي تفرضه المعطيات:

فهشاشة الواقع العراقي لم تُمكِّن صانع القرار من امتلاك أدوات لردع التدخلات التركية، ومرد ذلك إلى عدد من الاعتبارات، تتمثل في:

  • ضعف بنية الحكم: وهي التي قامت على أسس طائفية/عرقية أفضت إلى حالة من التشرذم وغياب “الهوية الجامعة”، ما نتج عنه ضعف في الأداء الحكومي، لم يحفظ سيادة الدولة ويحمي حدودها.
  • خلل الميزان العسكري: إن ميزان القوة العسكري يميل لصالح الجيش التركي، الذي احتل المرتبة الأولى بين أقوى جيوش الشرق الأوسط، وفق تصنيف “global firepower” للعام 2021، مُحققا المرتبة 11 بين أقوى 139 جيشا حول العالم، بينما احتل الجيش العراقي المرتبة 57، ناهيك بأن “الاعتبارات الميدانية” تصب في صالح الجيش التركي الذي أسس على مدار ربع قرن لبنية عسكرية دائمة شمال العراق، في ظل غياب عسكري عراقي تام.
  • الرغبة الإيرانية: فـ”إيران” هي أحد اللاعبين المسيطرين على القرار والثروة في العراق، ويبدو أن رغبتها الأساسية تتمثل في الحفاظ على أحد “أوراق الضغط” التي تمتلكها تجاه أنقرة في “ميدان التنافس” بينهما في سوريا وشمال العراق، فهناك “علاقات تنسيق” قامت -في خضم الحرب على “داعش”- بين وكلاء إيران (الحشد الشعبي تحديدا) مع حزب العمال الكردستاني، وبالتالي يمكن لإيران -عن طريق وكلائها- من التحكم في مسار عمليات الأكراد ومداه.. في المقابل فطهران أيضا حريصة على عدم وصول “الحركة المسلحة الكردية” إلى مرحلة امتلاك مقومات “دولة كردية”.

من هذا المنطلق لا غضاضة من تنسق إيراني-تركي في مواجهة الأكراد أحيانا، على غرار الهجوم المشترك “الأول في التاريخ” ضد “المتمردين” الأكراد في مارس 2019، والذي أعقبه تعاون الطيران التركي و”الحرس الثوري” في قصف منطقة “آلانه” في 17 يونيو 2020، ثم التتويج بـ”إعلان 8 سبتمبر” لتنسيق الجهود في محاربة الجماعات الكردية المسلحة بالعراق.

قوات تركية
  • صمت عراقي طوعي

ولعل ذلك يستند إلى:

  • التوافقات التركية–العراقية: بالرغم من المخاوف العراقية (المتمثلة في استمرار انتهاك تركيا للسيادة العراقية، والتوسع في إنشاء القواعد العسكرية واستخدام “ملف المياه” للضغط سياسيا واقتصاديا واجتماعيًا)، فإن خطر “حزب العمال” والانشغال بمحاربة “تنظيم داعش” يدفع بغداد نحو “التوافقات الأمنية” مع أنقرة، وهو ما تم التوصل إليه في زيارة الكاظمي لأنقرة في 17 ديسمبر 2020، وزيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أكار إلى العراق في 19 يناير 2021.
  • العلاقات التركية–الكردية: إن العلاقة التاريخية الوثيقة بين “الحزب الديموقراطي الكردستاني KDP” وأنقرة، والعداء بينه وبين حزب “العمال الكردستاني”، سهّلا لتركيا دخولها ودعمها معلوماتيا ولوجستيا وفنيا، بل جعلت الجانب الكردي يُشرعن التدخل، وهو ما عبّر عنه بوضوح “مسرور البرزاني“، رئيس وزراء الإقليم، الذي أكد أن “الإقليم يحترم المخاوف الأمنية لتركيا”، وقال “إن منْ يرفض تدخل تركيا والقصف الجوي للطائرات التركية يجب عليه أن يزيل الأسباب التي تدفعها للقصف”.

في الأخير، يمكن القول إن تركيا ستستمر في خلق “ذرائع للتدخل”، لا سيما مع غياب “الإرادة الحقيقية” لحفظ السيادة و”المعالجات الناجعة” لاختلالات الحكم في العراق، الذي يبدو أنه سيبقى عاجزا عن امتلاك آليات ردع تنزع “مخالب التمدد” التركية.

محمد علي سالم

باحث متخصص في الشؤون العراقية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى