قصص وتحقيقاتمختارات

عَبيد في صعيد مصر؟ عَبيد في 2020؟.. أن يكون اسم أمك “بَخيت”!

 

خبرينا يا سُعاد! يُخفي صدرها حكايات شتى. حكايات محبوسة في كهف الذكريات. بكت أكثر من مرة وهي تعد لنا شاي الضيافة. الجنوبيون كُرماء كَرمَ النيل الذي يجاورهم، كتومون شأن الجبال الوعرة التي تحاوطهم. لكن، هل الناس هناك كُرماء مع “سعاد”؟!

“كل يوم يمر في حياتي كنت أتجرع المر. منذ كنت طفلة في العاشرة من عمري، وجدتني أخدم مع جدتي لأمي في بيت سيدي.. كان أحد أعيان القرية، كانت مهمتي الاعتناء بطفلتهم الصغيرة”. بهذا الحديث الشجي، تنبش “سعاد” في رماد الذكريات. تحكي عن حياة لم تخترها، وصمت فيها أيام زمان بــ”العبدة”. “عبدة”؟. الوصمة  تُثقل القلب، باردة ومُحقرة للإنسان. هاتي ما عِندك يا سعاد. خبرينا!

ولدت سعاد شعبان بخيت لأسرة فقيرة، بمدينة جهينة، في سوهاج، لم تكن تدرك في طفولتها أن خِدمتها في بيوت الأسياد، ليست عملاً اختياريًّا، لكنه حكم أبدي، سيرسم خطوط مصيرها في مجتمع تحكمه عادات قبلية، تقسّم البشر إلى ناس “في العلالي” وناس “فقارى”.

فراق “سيدة” و”روحية”

رغم تجاوزها العقد الرابع بسنوات قليلة، لكن تبدو سعاد امرأة عجوز، معروقة اليدين، وجهها شاحب، ونظراتها تائهة، ترتدي جلبابًا وغطاء رأس أسود، يزيدها حزنًا. تقول برضا إنها على باب الله، فقد مات أبواها وهي طفلة، وفي الخامسة من عمرها تلقت صدمة ثانية بعد أن سرق قطار الغربة شقيقتيها الطفلتين، سيدة وروحية. كان الفراق أثقل من أن يحتمله قلبها الصغير، رغم مرور قرابة 40 عامًا على الواقعة. لم تستطع نسيان هول ما جرى.

بعد سنوات من الخدمة في بيت سيدها، كبرت الطفلة التي كُلفت سعاد بتربيتها، بدت فرحة في عيني سعاد، وهي تقول “كانت الطفلة تحبني، لأنني أنا ربيتها”.

تزوجت سعاد برجل وصفته بالفقير والطيب، وأنجبت منه طفلها الأول لم يعش بعدها الرجل طويلاً. بعد موته بـ6 سنوات تزوجت بآخر، انفصلت عنه مؤخرًا بعد أن أنجبت منه طفلتها الأخيرة جنى.

“سعاد” على مشارف منتصف عقدها الرابع، وقد اضطرت إلى العودة للخدمة في البيوت. تعرف الكثير من نساء العائلات الكبيرة،  فجميعهن يحبها ويأتمنها حتى على الذهب، بحسب قولها، ويتركن لها مفاتيح منازلهن، عند ذهابهن إلى العمل.

أنا من جهينة!

تعيش سعاد في منطقة فقيرة، بها بقايا خَدَم كبار عائلات مركز جهينة. تعيش في بيت مكون من غرفة واحدة، فيها سرير قديم ومتهالك، وخزانة ملابس فارغة تقريبًا، سقطت أبوابها، ونخرت الرطوبة أرضيتها الترابية، وأسقطت عن جدرانها ما تبقى من طلاء رديء بلونه البني الغامق، أما صالة البيت فكانت خالية تمامًا من الأثاث والفرش.

في أحد أركانها كنبة تصدر أزيزا غير منتظم، بمجرد قعودك عليها، ترى قبالتها وفوق رف خشبي حقيبة سفر كبيرة، معبأة بملابس قديمة. في مواجهة باب البيت سلم إسمنتي يأخذك إلى سطوح البيت المسقوف بالخشب، درجاته القليلة متفاوتة الارتفاع تجعل صعوده مهمة شاقة، ونزوله فكرة مرعبة، لكن “سعاد” تصعد وتهبط بحذر.. حذر تعلمته من سنين الشقاء!

تقول إن إبنها محمد، البالغ من العمر 22 عامًا، يسعى لترميم المنزل وسقفه، وتغيير موقع السلم، بعد أن أتم خطبته على فتاة من خَدَم إحدى عائلات البلدة، ويستعد للزواج بها قريبًا. العثور على شريكة ابنها محمد لم يكن مهمة سهلة كما تقول “سعاد”: “اختيارات ولدي كانت محصورة في الناس اللي زيينا، فنحن ممنوعون من مصاهرة العائلات الكبيرة”.

ولدي ليس عبدًا

سعاد ترفض ما ترى أنه “نظرة دونية من المحيط القروي لها ولابنها. تؤكد بيقين راسخ أنها من “العبيد”، لكن نجلها ليس عبدًا، لأن والده ليس عبدًا، “أبوه من مصر” –تقصد القاهرة- وتخاف أن يدفع ابنها ثمن النظرة القديمة إليها وإلى عائلتها. تشرح أكثر: “عندما كان يتشاجر مع أحد أبناء الجيران كان الأخير يسبّه بأنه عبد”. قد يكون حديث سعاد هذا إجابة وافية عن سؤالها القديم: لماذا هربت روحية من جهينة؟ ولماذا لم تفكر في العودة؟

الوصول إلى بيت سعاد لم يكن صعبًا، الجميع سيرشدك إلى مكان يسمى “البشندية” بمنطقة شِقّ النزلة، لكن ذلك سيضطرك إلى دخول شارع ضيق، مزدحم بالرجال والنساء والأطفال. الرجال أمام منازلهم يبادلونك التحية بود مفرط، لكن نظراتهم حبلى بالفضول والريبة والشك عن سبب وجود أشخاص غرباء وسط بيوتهم، وضجيج أطفالهم الذي لا يتوقف. انتهى كل هذا بدخولنا بيت سعاد.

أثاث فقير

فرشت الشابة العجوز بطانية قديمة، فوق الكنبة الخشبية، ثم هرولت ناحية موقد غاز، في ركن بالصالة، رفعته عن الأرض، بوضع 4 قوالب من الطوب الأحمر أسفله، صار لونه أسود بفعل الصدأ، وتراكم الشحوم فوقه. أشعلته، وشرعت تعد الشاي.

“نحن لا نعرف إلا جهينة” هكذا قالت سعاد التي لا تعرف معلومات تُذكر عن جذور عائلتها. كل ما سمعته أنها ليست من هذه البلدة، وأن جدها الأكبر عاش هنا حتى مات. ومثل غيرها من الخَدَم، لم تستطع كسر الحصار المجتمعي، والإصرار على عزلهم اجتماعيًّا عن العائلات الكبيرة، وحتى الصغيرة، التي ترفض مصاهرتهم ، مضيفة: “حتى عيالنا اللي عملوا فلوس، ما يقدروش يتجوزوا إلا من بناتنا”!

بعد زواجها الأول، وإنجاب ابنها محمد، كان عصر خدمة البيوت في أمتاره الأخيرة، فكان على “سعاد” البحث عن عمل دائم، واضطرت وقتها إلى العمل في جمع المحاصيل في مزارع الأثرياء، ليست كخادمة ولكن كامرأة تبحث عن لقمة عيش شريفة، إضافة إلى ما تتلقاه من مساعدات مالية من بعض الأشخاص “المجاملين” على حد وصفها، ممن يحفظون جميل زوجها الأول، ويقدمون مساعدات مالية لابنه الوحيد، الذي لا يقوى على العمل باستمرار، لمعاناته من أمراض القولون.

سعاد واحدة من مئات الخَدَم، الذين توارثتهم العائلات الكبيرة في جهينة –في زمن مضى-  إذ كان هذا هو الشكل الأكثر قربًا –على نحو جزئي- من مفهوم العبودية. في محافظة سوهاج -500 كيلومتر جنوب القاهرة-  كانت طبيعية، قبل عشرات السنين، مسألة امتلاك العائلات الكبيرة أسرًا كاملة من الخدم من ذوي البشرة السمراء (يعملون من دون أجر) في حين يتولى “السادة” كل أمورهم، ونفقات زواجهم، وحمايتهم.

كان وقتها الناس يتعاملون مع هؤلاء الخَدَم على أنهم من “الغرباء” أو يقولون  “عبيد عائلة فلان”. لكنّ هذا لم يعنِ قط أن العبد كان ملكية خالصة لسيده. فليس من حقه تعذيبه مثلاً!

هل تغير الحال؟

الأمور تطورت كثيرًا الآن، ولم تعد علاقة الخادم بسيده، قائمة على التبعية الكاملة له، فأصبح للخدم بيوت، وأملاك وأعمال خاصة، لكنهم لا يزالون يذهبون لخدمة العائلات في المناسبات، نظير أجر مالي.

يقول الباحث الإجتماعى، إيهاب إسماعيل الضبع، لا يزال هناك إطار أخلاقى يمنع السادة من ضرب خدمهم، والتورط في ذلك يجلب العار لفاعله، وإن حدث وضرب السيد خادمه، أو حتى أزهق روحه –وهذا كان يحدث في فترات تاريخية قديمة– فليس هناك ما يمنعه، لكن الأمر في الوقت الحالي يأخذ منحى رسميًّا إذا لجأ العبد إلى قسم الشرطة، والقانون هنا لن يفرق بين خادم وسيد.

ويضيف: “أُجبر العبيد على العبودية في بلادهم الأصلية، بعد أسرهم أو خطفهم، ولكن في الصعيد لم يستعبد أي حر، كان يجري شراؤهم أو إهداؤهم، دون النظر إلى سابق عهدهم، وخدمتهم في البيوت أو الحقول كانت إجباريّة”.

أسماء الخادمات وإرضاع أبناء السادة

وعن مهام نساء الخدم، يقول الضبع: “قديمًا كان دورهن مقصورًا على الخدمة داخل المنازل، ورعاية المواشي، وتربية الأطفال الرضع، وكان محظورًا على الخادمة أن ترضع أطفال أسيادها، ومن مهامها أيضا ملء جرار المياة من الآبار، ومن الطريف أن أسماءهن كان لها سمت خاص، غالبه مبهج مثل سعيدة وفرحانة ومسعدة وبخيتة ومرجانة ومبروكة ومباركة وسحر ومبسوطة وسعاد.

الأكثر غرابة أن الخدم كانت ممنوعة عليهم تسمية أبنائهم الذكور على أسماء أسيادهم، لكن هذا الأمر لم يعد قائمًا، أما أسماء الخدم من الرجال فكان الأكثر شيوعا أسماء: العارف، مرسال، بخيت، مرسي، مرجان، فضل الله، شكر الله، الصعيدي، مديح، البشندي، ناجح.

ورغم تقلد الكثير من أبناء وأحفاد الخدم وظائف تحظى باحترام المجتمع، كالمدرسين والأطباء والمحامين، لا تزال نظرات احتقار تحاصرهم، فهم لا يستطيعون الزواج بأبناء أو بنات بعض العائلات، فالعائلات الغنية ترفض ذلك تمامًا، وتعتبره خطًّا أحمر لا يمكن تجاوزه.

الضبع يؤكد أن العائلات ذات النفوذ الاجتماعي، ترفض تمامًا مصاهرة الخدم، “لا يعطونهم، ولا يأخذون منهم، ورغم ذلك حدثت حالات لكنها استثنائية، وكل من فعل ذلك حرمته أسرته من الميراث، ويتعرض للازدراء سنين طويلة”.

خريطة مصر- تُظهر محافظات الصعيد باللون الأبيض

عبد الباسط بدوي، سلسيل عائلة شيخ المشايخ علي منصور، بقرية بيت داوود بجرجا، كان يشير بيده ناحية أطلال بناء قديم، مبني بالطوب النيئ، لم يتبق منه سوى سور طويل وباب مهيب قائلاً: “كان مقر الحكم هنا، في دار جدي، قبل أكثر من 150 سنة، وكان العبيد يخدمون في الأرض الزراعية والدوار، ويقيمون فيه، لكن الآن اقتصر وضعهم على الخدمة في المناسبات، وتقديم الشاي والقهوة ومياه الشرب للضيوف.

ويستطرد: “وضع العبيد الآن في النجع، يختلف عن بعض مراكز سوهاج، فكل العبيد هنا كانوا تابعين لجدنا علي منصور، وهم تربوا معنا، وعلاقتنا بهم طيبة، ونحن نحترمهم، ولا يعانون من أية مضايقات، ولا يتعمد أحد إهانتهم أو جرح مشاعرهم، لكن الزواج بالعبيد أمر مرفوض”!

علي منصور هو واحد من آلاف الأعيان، وكبار العائلات، الذين ظهروا في فترة حكم محمد علي باشا وأبنائه، وقُدرت مساحة الأراضي الزراعية التي يمتلكها بـ3 آلاف فدان، ولقب “شيخ المشايخ” كان معناه في الماضي أن يحكم منصور ما يسمى بـ”خط الحاجر” وهي عدة قرى ونجوع ملاصقة للجبل الغربي بجرجا.

اقتناء الخَدَم كان عرفًا سائدًا لدى جميع عائلات سوهاج العريقة، ولا تزال بقاياه موجودة حتى الآن، ومنها الشريف بأخميم، وأبو ستيت بالبلينا، وأبو رماد وأبو خبر بجهينة، والشندويلي بالمراغة، ورضوان بدار السلام، وعبد النور بجرجا.

وفي ما يخصّ تجارة الرقيق تاريخيًّا، يمكن القول إنها كانت تمارس في مصر، منذ عصر المصريين القدماء، وظلت رائجة حتى أوائل القرن العشرين، واستمرت محاولات حظرها، حتى توقيع مصر اتفاقية إلغاء الرق، في العام 1926، وجاءت  موافقة إسماعيل، خديوي مصر وقتها، على الاتفاقية صادمة للعائلات الكبيرة التي رفضت الأمر خشية خروج العبيد من بيوتهم، وكشف أسرارهم للعامة، فبقي الكثير منهم رهن العبودية.

تقول فحوى بعض الوثائق التاريخية إن بعض العبيد لم ترق له فكرة التحرر، فهم يعاملون بلطف من أسيادهم، ويضمنون عملاً وسكنًا وطعامًا، وقد لا يجدون ذلك في حال خروجهم. بالطبع نجا أبناء وأحفاد العبيد الذين تحرروا وقتها، وحصلوا على  وثيقة تحمل اسم تذكرة الحرية، من مصلحة  إلغاء الرق التي أنشأها الخديوي توفيق عام 1880، لكن من اختاروا حريتهم -بحسب بعض التقديرات– لا يزيدون على 50% من نسبة العبيد في مصر وقتها، فقد واجهوا صعوبات كبيرة من أجل الحصول على عمل، وبدء حياة جديدة، وكان أفضل خياراتهم وقتها الهرب إلى القاهرة.

عاش السودان حقبة بائسة، في بداية القرن الـ19، إذ كانت قوافل الرقيق القادمة عبر نهر النيل، تجلب ما بين خمسة آلاف إلى 6 آلاف من العبيد إلى مصر كل عام، وقد تضمنت إحدى الوثائق بيانات الرقيق الذين جلبوا إلى مصر في العام 1840، وكان عددهم 5490 عبدًا وجارية، وهم 3000 جارية زنجية و1700 جارية حبشية و270 من العبيد الزنوج و120 من العبيد الأحباش و400 من الخصيان، وتقول إحصائيات إن 4201 من الرقيق السود القادمين من السودان فقدوا أرواحهم، في الفترة من سبتمبر/ أيلول 1821 إلى أغسطس/ آب 1825، من أصل 30 ألفًا جُلِبوا من السودان.

العبيد الموجودون الآن في قرى سوهاج، هم أحفاد من بقوا في منازل الأسياد -عقب تجريم الرق– ومن لم يحصلوا على تذكرة حريتهم، يصمهم الناس بــ”أحفاد العبيد” في سوهاج وأسيوط وقنا.

عن رفض مصاهرة العبيد، يقول الشيخ هلال شعبان عضو لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف، إن المؤسسة الدينية قصرت في مواجهة ظواهر اجتماعية من هذا القبيل. الإسلام جاء لأجل العتق وليس نشر الرق. قدوتنا رسول صلى الله عليه وسلم،  لقد كان سيدنا أسامة بن زيد عبدًا للنبي، لكن النبي زوَجَه بالسيدة زينب ابنة عمته، وهي من قبيلة قريش، التي ينتسب إليها النبي.

ويرى أن بداية مجابهة هذا الوضع تبدأ من المجتمع نفسه، ومن الإعلام والمؤسسة الدينية وخطباء المساجد. كما دافع عن حق العبيد في الزواج من خارج الصعيد، للهروب من حالة الازدراء الاجتماعي.

حكاية العم فضل الكريم

أمام محل بقالة صغير، يقعد العم فضل الكريم شكر الله على دكته الخشبية، مشعلاً سيجارته ويرتشف الشاي الساخن الذي وضعه أمامه ابنه الأصغر، العائد حديثًا من إحدى دول الخليج. يبدو الرجل الستيني حكيمًا وهادئًا، جلبابه نظيف، عمامته ملفوفة بإحكام، تزين ابتسامته أسنان ذهبية لامعة، يقول إنه ركبها حديثًا عند طبيب أسنان.

تحرر العم كريم من الفقر، فهو يمتلك منزلاً متعدد الطوابق، يسكنه هو وجميع أبنائه وزوجاتهم، وأبناؤه يمتلكون تجارتهم الخاصة، أحدهم يمتلك محل فاكهة، وآخر محلاً لبيع الخضار في الإسكندرية، لكنه لم ينج من ميراث العبودية القديم الذي ورثه عن أبيه وجده.

يقول الرجل الستيني بنبرة حزن: “يقولوا علينا عبيد، لكن إحنا عبيد الله، ومش عبيد لحد”، وأردف: “حديث الناس لا يتوقف، ولا يثير اهتمامي، في الإسلام كلنا أخوة، والناس يخدم بعضهم بعضًا، الناس يقولون إننا عبيد بيت علي منصور، ونحن لا ننكر ذلك، فهم من ربونا وأفضالهم فوق أكتافنا فلم يمس أحد منهم كرامتنا بكلمة، وكنا ندخل بيوتهم، ويعتبروا أولادنا مثل أولادهم، والأمور تسير بيننا جيدًا”.

يقول فضل الكريم، عن والده الذي كان يخدم في أرض عائلة على منصور، إنه كان مزارعًا، ورباه هو وإخوته من مال شريف، ويضيف: “جدودي من ناحية أمي كانوا يمتهنون تربية المواشي، أما أمي فقد كان والدها جزارًا، وكانت تذهب معه للسوق، ولم يكن أحد يعرف أنها أنثى، كان يناديها باسم بخيت”.

وعند سؤاله عن نسبه وجذوره، بدت حالة من الزهو على الرجل الستيني، قائلاً بسعادة، بعد أن اعتدل في جلسته: “نحن في الأصل من السودان، وعائلة الشكرية التي أنتمي إليها موجودة حتى الآن هناك، لكني لا أعرف  في أي محافظة” – حسب تعبيره – مؤكدا أن رجلاً سودانيا جاء ضيفًا عنده، أخبره بأن عائلته موجودة في السودان.

قام فضل الكريم ليبيع لزبائنه –غالبهم من الأطفال- مشروبات غازية، وحلوى ومثلجات، ثم عاد وأكمل حديثه: “جدي لم ينجب سوى أمي، لم ينجب ذكورًا، كان لي عم لكنه توفي، وأولاده يسكنون في بني سويف والإسماعيلية”.

عن ذكريات طفولته وشبابه، في بيوت عائلة على منصور، وما يمكن وصفه ببروتوكول التعامل مع الأسياد، قال: ” كان في قصور العائلات الكبيرة احترام، ما دام الكبير موجودًا الصغير لا يتكلم، يرد فقط إذا وجه له سؤال، يسجل كل ما يقال في رأسه ولكن لا يتكلم، كان هذا وضعنا ونحن صغار”.

يقول فضل الكريم: “العائلات من حقها أن توافق أو ترفض مصاهرة العائلات الأخرى، أما نحن فإننا نتزوج بعضنا ببعض، لأننا نبحث عمن يناسبنا، ولا نمانع أن نزوج بناتنا لعائلات أخرى”، مؤكدا أنه لن يذهب لطلب يد عروس لابنه، والدها سيرفض ذلك من البداية. إيمان العم كريم بتلك المسلمات التي صارت قانونًا عرفيًّا، تفسر بجلاء زواج بناته وأولاده الستة بأبناء وبنات أسرة من أصول سودانية أيضًا، من أقارب والدته “نجيب” كما كان يقلبها جده، تدعى أسرة عدوي، وهم يقيمون في مدينة نجع حمادي بمحافظة قنا.

غرائب برتوكول العبد مع سيده

علاقة الخادم بسيده، لها طقوس غريبة، ما زالت قائمة في بيوت العائلات العريقة، يصفها الباحث الاجتماعي إيهاب إسماعيل الضبع بـ”البروتوكول الخاص” الذي لا يستطيع الخادم اختراقه، “فمن المستحيل أن يقعد في نفس المكان الذي يقعد فيه أسياده، ويتعامل معهم بصيغة شبه رسمية، في وجود الضيوف، يسمع الأوامر فقط، ويرد بكلمات قليلة، ويقعد على الأرض، على أن يكون قريبًا لسيده. وحتى في الحياة اليومية، لو تصادف ومر الخادم أمام بيت سيده وهو يركب دابته ورأى سيده، يضطر إلى النزول من فوق دابته، ويجرها خلفه، ثم يركبها بعد أن يبتعد عن البيت، وإذا فعل عكس ذلك يلاقي لومًا وتعنيفًا لفظيًّا شديدًا”.

أنجز هذا التحقيق بدعم من مؤسسة كانديد

 

دينا عز الدين

صحفية مصرية

يوسف رمضان

مونتاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى