ثقافة وفن

عُقدة الكاديلاك.. الحلقة (14) من رواية العملية كيسنجر

أحداث هذه الرواية، “العملية كيسنجر”، من خيال مؤلفها، وأي تشابه بينها وبين واقع أشخاص أو أحداث، هو من قبيل المصادفة الفنية غير المقصودة.

صار اسم صلاح خطاب ملء السمع والبصر.

النائب الذى يتحدى القصر ورجاله، ويخوض المعارك الخطابية والصحفية الشرسة ضد رؤساء الحكومات الموالين للسرايا. يدافع عن الدستور، ويدعو لتقليص صلاحيات الملك، ويرفض قبول بقاء القوات البريطانية فى أى شبر من أرض مصر.

وضع اسمه بقوة فى زمرة الوطنييِّن غير المطعون عليهم. شعر أنه تخلص من عبء تاريخ عائلته الزاخر بالمآسى والدراما والتحولات والمحطات غير المشرفة تاريخياً. وانطلق غير عابىء بمن يحاول معايرته بشىء من هذا التاريخ.

كثير من التفاصيل غير معروفة للجميع. لكن على الأقل كان رجال القصر يذكّرونه بين حين وآخر بأنه ابن عائلة خدمت القصر. جدته كانت إحدى وصيفات خوشيار هانم، وأجداده كانوا ياورات للحكام.

خوشيار هانم
خوشيار هانم

بعض العارفين كانوا يذكرونه بدم إسماعيل المفتش الذى أريق على يد جده إسحاق بك.

لكنه كان يرد بقوة وعنف وثبات:

– اسمى صلاح هارون إبراهيم كمال الدين خطاب السنهوتى.. مَن إسحاق بك هذا؟

لكن الحملة زادت عليه شراسة حين علم خصومه وأعلنوا عن اسم ابنه البكري، واعتبروا تسميته تمثل تناقضاً مع خطابه المطروح، وتندروا عليه بمنادته دائماً بـ”أبى توفيق”.

كان صلاح خطاب تزوج من أخت واحد من كبار الكتاب والصحفيين فى تلك الفترة وأنجب ولديِّن وبنت، سمى الكبير توفيق، والبنت الوسطى كريمان، والصغير كمال.

بمجرد ظهور تهنئة منشورة فى إحدى الصحف من صلاح خطاب لنجله لتفوقه فى البكالوريا، ولكريمته كريمان لتفوقها فى الابتدائية، حتى توجهت الأنظار للأنجال.

كانت الأسماء لافتة فقط لمن يركز فى خصومته السياسية والفكرية مع صلاح خطاب، حيث انبرى هؤلاء فى توضيح أن الرجل الذى يفخر بكونه نجل أحد الثوار العرابيين لم يسم ابنه البكرى عرابى، وإنما توفيق فى اعتراف بفضل الخديوى توفيق، ومن قبله والده الخديوى إسماعيل على عائلته.

وفتح اسم البنت جدلاً أكبر وأعمق.. حيث قيل إنه اسم والدة إسماعيل باشا المفتش زوجة دونالى مصطفى أغا باشا، ومرضعة الخديوى إسماعيل، التى شملت بعطفها جده ( إبراهيم الذى غير اسمه لإسحاق) وتولت رعايته إلى جوار ابنها ورضيعها ( إسماعيل المفتش، وإسماعيل الأمير ـ الخديوى فيما بعد ).

إسماعيل المفتش
إسماعيل المفتش

هذا إذن اعتراف منه بأنه نجل وسليل عائلة صنعتها السرايَّا، ونالت عطفها الكامل بما فى ذلك ما تمتلكه من أطيان بالشرقية والبحيرة، وأن هجومه اليوم على السرايّا والعائلة الحاكمة من أحفاد من أكرموا أجداده وآباءه، لهو من صنائع التنكر للمعروف.

مضى هذا الجدل مستمراً وملتهباً، حتى بعد أن أفصح أن نجله لم يكن الـ”توفيق” الأول فى العائلة، فقد سبقه عمه الشاب الذى ما كاد يتخرج من المدرسة الحربية فى زمن الخديوى إسماعيل حتى لقى مصرعه فى حادث غرق القطار الذى سقط من أعلى كوبرى كفر الزيات، فيما كان اسم كريمان منتشراً فى بيوتات الطبقة الراقية بالسلطنة العثمانية.

طلقة رصاص أنهت هذا الجدل

لقى توفيق الشاب مصرعه فجأة قبل أن يتم عامه السابع عشر.

خرج فى رحلة صيد مع رفاقه، وبينما كان يحاول تنظيف بندقيته خرجت طلقة أجهزت على حياته، والأرجح أنها أجهزت على حياة أبيه المكلوم وإن لم تنتزع روحه.

كان الفقيد حلم العائلة ومشروعها المهم، كان يتم إعداده ليصبح واجهة العائلة وأملها الكبير. أرسلوه لمدرسة فيكتوريا بالإسكندريه، وخططوا لإكماله دراسته بالجامعه الأمريكيه.. فكان مصابه قاسياً على أبيه وأمه وباقى أفراد الأسرة.

ألجم موت توفيق الصغير الصراع.

توقف المهاجمون عن هجومهم احتراماً لحرمة الموت. فيما تخفف صلاح خطاب من كل شيء. أوقف مشاركاته فى الصحف، وتوقف عن حضور جلسات البرلمان، وانسحب من الحياة العامة تماماً، ولم يشأ الاعتزال فى “سنهوت” حيث دائرته الانتخابية، وتوجه إلى شبراخيت ليقضى سنوات لم تنقطع من العزلة والحزن.

***

لم ينس صلاح خطاب فى عزلته الاختيارية لحظة واحدة مرارة الألم، رغم وجود نجله الصغير كمال وكريمته كريمان التى حرص علي تزويجها من أحد أبناء عمومته من أعيان سنهوت.. أحمد أفندى خطاب عمدة (بابشان)، وحفيد الشيخ السنهوتى.

أراد صلاح خطاب أن يربط أبنائه من جديد بذرية الشيخ السنهوتى من الفرع الأصلى لآل خطاب، أخوال جده الكبير الذين حرموه ميراث شقيقتهم، فيما نال منهم اسم أخاهم المفقود كمال خطاب كبديل عن ناحوم الأصغر، وصنع بهذا الإسم فرعاً مختلفاً لتلك العائلة.

قصد الرجل أن يعاود الإندماج فى تلك العائلة، مستشرفاً الكثير من التحولات نحو إعادة الاعتبار للفلاحين وأبنائهم، أو ربما أراد التحصن والاحتماء بهم من أنواء المُعايرات التى ألهبت سيرته وسيرة أجداده، وفقد بسببها نجله الأثير الذى لاكت الألسن سيرته، ولاحقته العيون حسداً وحقداً حتى خانته بندقيته وأردته قتيلاً. كان يعرف إنه وضع ابنته فى بيئة مختلفة. صحيح أن العمدة كان متعلماً ومعه شهادة عليا من كلية الزراعة، لكن الفارق كان شاسعاً فى التربية بينه وبين عروسه الارستقراطية خريجه المدارس الفرنسية، والبيوتات الراقية جداً.

من بين هذين العالمين المتباينين، عاد اسم توفيق خطاب ليتردد مرة آخرى فى جنبات العائلة.

أثمر الزواج الميمون ولداً، لم يتردد جده لأمه لحظة فى تسميته توفيق. توجست أمه وجدته من الاسم. هذه عائلة لا يعيش لها توفيق، والنسختين السابقتين من أبنائها الذين حملوا هذا الاسم، جرى خطفهما فى زهرة الشباب وبشكل مأساوى. واحد سقط به القطار فى النيل، والثانى قتلته رصاصة طائشة من بندقيته. كيف يمكن أن يكون مصير الثالث؟!

تعزز إحساس التشاؤم الذى تملك الجدة والأم من هذا الاسم، الذى ما أن تم إطلاقه على المولود حتى قرر العمدة أحمد خطاب الانفصال عن زوجته كريمة الوجيه الكبير صلاح خطاب، حيث بدى أنه لم يستطع التعايش مع الفجوة الطبقية بينه وبين الهانم زوجته.

لكن صلاح خطاب أصر أن يستعيد فى حفيده ما افتقده فى نجله، متوقعاً أن يكون مصيره مختلفاً وحظه أفضل، وشأنه مغايراً. فتعهد برعايته وتدليله ومنحه نصيبه الكامل فى الرعاية والاهتمام مضافاً إليه نصيب المرحوم خاله.

توفيق الشاب وهو يلقى مصرعه بين أصدقائه، أثناء تنظيف بندقيته في رحلة صيد
توفيق الشاب وهو يلقى مصرعه بين أصدقائه، أثناء تنظيف بندقيته في رحلة صيد

بميلاد توفيق الثالث عادت الروح لصلاح خطاب، وأقبل من جديد على الحياة وإن لم يغادر شبراخيت، وأصر على الاستمرار فى عزلته الإختيارية غير مكترث بما يحدث حوله، وغير مهتم بشيء من الأمور العامة، مسخراً ما بقى لديه من جهد وطاقة لعائلته، واستغل تقارب السن بين توفيق الحفيد وبين كمال الإبن ورباهما معاً كشقيقين.

استشعر صلاح خطاب وكأن روح توفيق الإبن حلَّت من جديد فى جسد توفيق الحفيد، فعوض فى الحفيد خسارته، وأصر أن يسير فى ذات الطريق الذى كان قد رسمه لخاله الراحل فى التربية والدراسة، فى مدرسة فيكتوريا بالأسكندرية وسط نخبة من أبناء الطبقة الراقية فى مصر والمنطقة العربية.

ومن تلك المدرسة تحديداً بدأت صفقة توفيق خطاب مع الحياة..

دفعت له الأسرة (ثلاثين جنيهاً) فى الفصل الدراسى الواحد، وسمحت له بمزاملة أبناء الأرستقراطيه المصرية والعربيه، وأبناء الأسر الحاكمة فى السعودية والكويت والأردن، وأبناء كبار عائلات السياسيين فى مصر وأبناء كبار العائلات اليهودية.

وبنهاية اليوم الدراسي كان مشهد صف السيارات الكاديلاك السوداء يقودها سائقين بملابس رسميه أنيقة لنقل الطلاب من أبناء الطبقة الراقية، مشهداً فارقاً لم يغادر مخيلته، وكذلك ذات المشهد بعد حركة التأميم التى نفذتها ثورة الضباط الأحرار واختفاء السيارات الكاديلاك تدريجياً من أمام المدرسة، ليشكل المشهدان وما يمثلان نقاط ارتكاز أساسية فى صفقته مع الحياة، تلك الصفقة التى عقدها بطريقته وليس طريقة جده، وإن استوعب كل ما مضى من تاريخ، وأقبل على تلك الحياة مرتكزاً على جذور متنوعة ومتباينة تسمح له بالانتقاء والاختيار.

فبنى على كل ما سبق، واستثمر كل جد من أجداده مع “الزبون” المناسب، استثمار تاجر شاطر، يعرف كيف يملك عقل الخواجات بقصص عن ماضى عائلته اليهودى، أو جده الذى كان مساعداً لنابليون، ويقدر على أسر قلوب بقايا طبقة الباشوات الارستقراطية بالحديث عن عائلته التى خدمت فى القصر، ويلهب حماس الفلاحين والوطنيين بقصص عن جده الذى ثار مع عرابى.

اختار من البداية أن يربح الصفقة بكل وسيلة يملكها.. وأن يحمى كل ما اكتسبه منها أيضاً بأى وسيلة، حتى لا يرى من جديد مشهد اختفاء السيارة الكاديلاك من أمام عينيه.

اقرأ أيضا: زمن صلاح خطاب.. الحلقة الثالثة عشر من رواية “العملية كيسنجر”

أحمد الصاوي

كاتب وصحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى