عُمان.. منصة هادئة لإدارة أزمات صاخبة

أنس القصاص

محلل الشئون الاستراتيجية والدولية

منذ ساعات، اجتمع مجلس العائلة المالكة في سلطنة عمان بناء على طلب مجلس الدفاع الأعلى في البلاد لترشيح خليفة للسلطان الراحل قابوس بن سعيد، الذي توفي أمس بعد معاناة استمرت سنوات مع مرض السرطان.. وبعد انعقاد قصير، اختار المجلس هيثم بن طارق آل سعيد سلطانا جديدا للبلاد، تنفيذا لوصية السلطان الراحل. ويمكن القول بأن هذا الاختيار حدث بعد أقصر انعقاد لمجلس ملكي لنظر وراثة العرش في التاريخ المنظور، لكن هذا يمكن إرجاعه إلى طول أمد مرض السلطان قابوس والذي أعطى العائلة وقتا جيدا للنظر في أمر الخلافة تلك، ولاشك أن هذا القرار تم حسمه سابقا داخل العائلة وليس قرار السلطان الراحل بمفرده.

قرار مجلس العائلة السريع يمكن اعتباره المثال النموذجي للحالة السياسية الجادة في سلطنة عمان، والتي يلف الغموض تقاعلاتها السياسية منذ أمد بعيد ولا مجال فيها لأي تلكؤ أو خلاف بسبب تعدد المستفيدين.. فهذا الغموض ليس مجرد رغبة في إخفاء شئون سياسية داخلية، فالسلطنة يمكن اعتبارها منذ زمن المنصة الأهم لإدارة أزمات المنطقة، والراعي الرئيس لمصالح القوى الغربية على ضفتي الخليج. وهذا التموضع يمكن بمفرده مساعدتنا في الإجابة على سؤال اللحظة وهو: هل ستشهد السلطنة اختلافا في الرؤى والسياسات عما كانت عليه في عهد السلطان الراحل؟

هذا السؤال يستدعي النظر في مكان ومكانة سلطنة عمان على الساحتين الإقليمية والدولية. فالسلطنة ليست كما يروج البعض صاحبة توجهات انعزالية تحاول النأي بنفسها عن أزمات المنطقة. لكن الحق والحقيقة المؤيدة بالوقائع والظروف والتاريخ تثبت عكس هذا الزعم. فالسلطنة في قلب التفاعلات الإقليمية منذ تبوء السلطان قابوس عرش السلطنة تقريبا، حيث شقت مسقط لنفسها مكانة مستقلة في منظومة القرار الخليجي مستعينة في ذلك بعلاقاتها الاستراتيجية مع بريطانيا ثم الولايات المتحدة بعد ذلك، وقدمت نفسها في موقع الوسيط بشكل محترف، واستفاد قابوس من الظروف الإقليمية أيما استفادة وبذكاء وقدرة استثنائية على المناورة.

فعلى الرغم من العلاقات القوية التي ربطت شاه إيران محمد رضا بهلوي بالسلطان قابوس ومساعدته إياه في القضاء على ثورة ظفار المدعومة من الاتحاد السوفييتي وشركائه الإقليميين في اليمن الجنوبي والعراق، وكادت في وقت ما أن تقضي على عرش آل سعيد، إلا إن قابوس لم يجامل الشاه بموقف متشنج من الثورة الإيرانية، وكان أبعد نظرا وأثقب رؤية، وخرج بموقف متمايز عن الموقف الخليجي المجابه للثورة. هذا الموقف استمر طوال الحرب العراقية الإيرانية حيث كانت السلطنة تتمتع بالحياد إلا في مواقف محددة (حرب الناقلات تحديدا) وعادت بعدها مسقط إلى حيادها.

كل ذلك دعم من تموضع السلطنة كوسيط موثوق به لدى إيران والقوى الغربية على حد سواء. كذلك، فإن السلطنة كسرت حالة القطيعة العربية مع مصر بسبب اتفاقية السلام مع إسرائيل وحافظت على علاقاتها مع مصر ودعمتها في أكثر من موقف حتى عودة العلاقات المصرية العربية. لكن السؤال الذي يتبادر إلى الواجهة هنا: هل ستستمر السلطنة على هذه السياسات وهذا التموضع أم أنها ستغير منها بغية الحصول على مكاسب وزخم جديد؟

يمكن الإجابة على هذا السؤال عبر النظر في موقع عمان في الاستراتيجيات الكبرى للدول العظمى وهي بدون الدخول في تفاصيل تلك الاستراتيجيات تتمتع بنصيب الأسد في كافة مشروعات التعاون والتبادل والإدماج السياسي والأمني والعسكري بسبب موقعها الجغرافي وسلوكيات وعلاقات (نخبتها الحاكمة).

فمن الزاوية الجيواستراتيجية، تم ترجمة الموقع الجغرافي المتميز للسلطنة في اتفاقيات عسكرية وأمنية مع بريطانيا تحديدا ثم الولايات المتحدة من أجل الاستفادة من هذا الموقع في تأمين حركة التجارة الدولية والشحن والاتصالات البحرية في المنطقة بأسرها. فسلطنة عمان تستضيف قواعد عسكرية بريطانية وأمريكية وأكبر مركز بريطاني لعمليات الاتصالات البحرية MROC خارج المملكة المتحدة. وساعد هذا المركز كثيرا على عمليات الاستطلاع والقيادة والسيطرة البحرية في كثير من أزمات المنطقة خلال العقود الماضية لاسيما أزمة القرصنة في القرن الإفريقي.

إلى جانب هذا، تتمتع (العائلة الحاكمة) في عمان بعلاقات تاريخية مع كل من الهند وباكستان وإيران. لكنه وكما هو معروف في تفاعلات السياسة الآسيوية، يصعب الجمع بين مستوى علاقات قوي مع كل من الهند وإيران بسبب منظومة التحالفات الآسيوية التي تجعل من إيران حليفا صينيا والهند حليفا أمريكيا. لذا، فإن السلطنة تتمتع بعلاقات مع إيران هي الأقوى في تلك المنطقة بعد العلاقات الإيرانية الصينية.

هذه العلاقات مكنت مسقط من التدخل كوسيط موثوق به من كلا الطرفين، واستطاعت خلال الأعوام الأخيرة الاستفادة القصوى من هذا الدول لتجاوز أزمتها الاقتصادية بسبب انهيار أسعار النفط وزيادة الإنفاق الحكومي على ملفات التنمية والسياسات العامة.

هذا الموقع الفريد للسلطنة في منظومة العلاقات الإقليمية مكنها من القيام ببعض الأدوار التي تعددت فيها الأقاويل وكثرت فيها التحليلات مثل ما أعلنته رويترز منتصف عام 2016 من أن السلاح الإيراني الذي يعبر إلى الحوثيين في اليمن يمر عبر أراض عمانية (من المؤكد أن هذه الأسلحة لا تمر دون علم القوى الغربية أو رقابتها)، إلى جانب الدور المهم الذي تقوم به بعض الشركات التي تتخذ من سلطنة عمان مقرا لها وتقوم بدور المحلل لبيع النفط الإيراني (ومن بينها شركات أوروبية لتفادي العقوبات الأمريكية).

كل هذه التفاعلات والتموضع الاستثنائي في مصفوفة السياسة الإقليمية يجعل من سياسات السلطنة وتوجهاتها أمر عابر للجدال داخل العائلة (هذا بفرض أن هناك من يختلف داخل العائلة على هذه التوجهات). فالأرجح أن هذه التوجهات ليست توجهات السلطان الراحل بمفرده تنتهي بوفاته. فطوال فترة مرض السلطان قابوس كان من الممكن بزوغ معارضات من داخل العائلة إن وجدت. لكنه من الواضح أن تلك التوجهات الاستراتيجية للسلطنة أكبر من كونها توجهات السلطان. وفي هذه الحالة لن يكون مهما شخص الجالس على عرش السلطنة ما دام هناك إجماع حول تلك السياسات.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search