سياسةمختارات

عِمّة سوداء تحت القبة.. الدين لله وعضوية المجلس للجميع

 

اعتاد الشعب المصري وجود العِمة البيضاء التي يتوسطها الطربوش الأحمر، علامة على رجال الدين الإسلامي، وما تبعها من أحزاب سياسية ذات مرجعية إسلامية داخل البرلمان المصري، إلا أن الغريب هو وجود العِمّة السوداء، زي الكهنة الأقباط، تحت ذات القبة، فلم ينجح على مدار تاريخ المجالس النيابية المصرية سوى كاهن واحد، في حين يسير على خطاه حاليًّا كاهن جديد يأمل أن يكون عضوًا بمجلس النواب القادم، وسط مخاوف من فكرة إدماج الدين في السياسة.

لم تكن مخاوف إدماج “الدين والسياسة” وليدة اللحظة أو ناتجة عن ترشح ذلك الكاهن، بل هما كلمتان حيرتا العلماء على مدار مئات السنوات، بين من يراهما مكملتين كلتاهما للأخرى، وآخرين يرون ضرورة فصلهما حتى لا تتلوث مقدسات الدين بمتغيرات السياسية، وكي لا يتألَّه الحاكم أو تتقدس قراراته فتصبح غير قابلة للنقد ويكون غير متاح للمحاسبة.

الفكرة الأخيرة هي ما تمناها قطاع عريض من الشعب المصري بعد إزاحة جماعة الإخوان المسلمين بعد ثورة 30 يونيو/حزيران عام 2013، وما صحبها في المادة 74 من الدستور المصري لعام 2014 والذي أقر بأنه لا تجوز ممارسة أي نشاط سياسي، أو قيام أحزاب سياسية، على أساس ديني، رغم استمرار حزب النور السلفي، الذي يقوم على أساس ديني، ناهيك بترشح شيوخ الأزهر الشريف.

كل هذا تم تحليله حينها والوقوف على أسبابه وقانونيته، إلا أن قضية ترشح الكاهن مثلت قضية جديدة في الحياة السياسية المصرية، وطرحت تساؤلات حول موافقة الكنيسة له ومدى التأثير المضاف من وجود كاهن تحت قبة البرلمان، وإمكانية فتح الباب مجددا للشيوخ والكهنة في العمل السياسي على غرار ما كان عليه الوضع في ثورة 1919، وأيضًا مدى قبول أو رفض الشارع المصري لتلك الخطوة، بالإضافة إلى البحث في ما قدمه النموذج السابق والوحيد داخل البرلمان، وهو القمص بولس باسيلي.

الكنيسة توافق على ترشح الكاهن بشرط

بمجرد إعلان ترشح القس بولا فؤاد، كاهن كنيسة مارجرجس المطرية، سادت علامات التعجب من ترشح كاهن قبطي ظنًّا من البعض أنها المرة الأولى، قبل أن يتبين ترشح كهنة سابقًا لذلك المنصب، بل ونجاح القمص بولس باسيلي، بالفوز بمقعد في مجلس النواب عام 1971، ليتحول الجميع إلى السؤال الأبرز بشأن موافقة الكنيسة، المتمثلة في البابا تواضروس الثاني، على ترشح ذلك الكاهن.

القمص بولس باسيلي

وكشف القس بولا فؤاد، لـ”ذات مصر”، عن ربطه موافقة ترشحه ممن عرضوا عليه الانضمام إلى قائمتهم، بموافقة البابا تواضروس الثاني، وهو ما حدث بالفعل، فقد قدم طلبًا إلى البابا الذي بدوره فحص السيرة الذاتية الخاصة بذلك الكاهن، ومن ثم حدد له موعدًا للمقابلة.

لم تكن تلك المقابلة كغيرها من مقابلات البابا تواضروس بالكهنة أو الأساقفة، لتدور الحوارات بينهم عن الخدمة الخاصة بهم داخل الكنائس، إلا أن ذلك اللقاء كان يدور حول رغبة سياسية وخدمة تتجاوز نطاق الكنيسة وتصل إلى خدمة وطن بشعبه دون تفريق أو تمييز.

كل هذا جعل البابا يتوجه بسؤاله الأول إلى الكاهن، قائلاً: “أنت يا أبونا عايز تترشح؟”، سؤال كانت إجابته بهدوء من الكاهن أمام البطريرك حين قال: “يا سيدنا أنا طُلِب مني الترشح، والأمر في يد قداستكم وأنا ابنك ومطيع لكل أوامرك”.

كان قرار الترشح قانونيًّا بيد الكاهن، إلا أنه ربط ترشحه بموافقة البابا، الذي وافق، موجهًا له نصيحة تمثلت في شرط محدد للترشح، وهو إدراك تمثيله لكل المصريين، وهو ما حدث فعليًّا حين كُتب أمام اسمه أنه شخصية عامة ولم تُكتب صفته الدينية.

الدين لله والمجلس للجميع

لم يخش الكاهن المرشح لانتخابات مجلس النواب المقبل من تغلب الفكرة الدينية على الناخبين، بل يرى أن ما يحدث معه حاليًّا هو العكس: “الكثير من إخواني المسلمين يدعمون وجود رجل دين مسيحي عضوًا بمجلس الشعب”، كما أنه لا يرى أدنى مشكلة في ترشح كاهن لعضوية المجلس، معللا ذلك بأنه كما يحق له كمواطن مصري الانتخاب فله ذات الحق في الترشح، كأنه تحت شعار “الدين لله وعضوية المجلس للجميع”.

وبحسب القس بولا، تتمثل اهتماماته التشريعية، حال نجاحه، في وضع تشريعات خاصة بالسياحة، واتخاذ خطوات لإعادة إحياء الأماكن التاريخية والتراثية على غرار مسار العائلة المقدسة لزيادة الدخل الأجنبي لمصر، وتوفير فرص عمل، بالإضافة إلى تشريعات تحد من ظاهرة الإدمان.

ويهتم القس بولا بأمور مجتمعية ومحلية لا ترتقي إلى مجلس النواب، مثل ملف القمامة، والصحة، وتطوير خدمات الشهر العقاري، وعودة الانضباط المروري لشوارع العاصمة، لكنه يرى أن هذه الأمور تحتاج إلى تشريعات لتحقيقها على أرض الواقع.

من دفاتر التاريخ

الأنبا يؤانس

رجال الدين المسيحي كانوا داخل المجالس التشريعية في مصر منذ عشرات السنين، فهناك 4 نماذج سابقة، أولها تعيين الأنبا يؤانس، مطران البحيرة والمنوفية ووكيل الكرازة المرقسية، والذي أصبح بعد ذلك البابا يؤانس التاسع عشر، ممثلاً للأقباط في عدة مجالس نيابية كمجلس شورى القوانين والجمعية العمومية ولجنة وضع الدستور وغيرها، في الفترة من 1883 حتى 1913.

وجاءت التجربة الثانية بتعيين الأنبا لوكاس، مطران قنا وقوص، عضوًا في مجلس الشيوخ المصري بقرار من الملك فواد عام 1934، حين كان يحق للملك تعيين 5 أعضاء. أما التجربة الثالثة، وهي الأبرز، فكانت حين نجح القمص بولس باسيلي، كاهن كنيسة الأنبا أنطونيوس بشبرا، في أن يفوز في الانتخابات البرلمانية ويصبح أول كاهن منتخب داخل مجلس النواب المصري عام 1971.

القمص صليب متى

وحاول بعد ذلك القمص صليب متى ساويروس، كاهن كنيسة مارجرجس الجيوشي بمنطقة شبرا، تكرار التجربة من خلال  خوض الانتخابات التكميلية لمجلس الشعب عام 2001، إلا أنه انسحب في جولة الإعادة بطلب من البابا الراحل، شنودة الثالث، بسبب صراعات مع منافسه.


القمص بولس.. رجل الوطن

مما تجلى تاريخيًّا من محاولات ترشح الكهنة إلى مجلس النواب، يتضح أن الجميع يحاول إعادة تجربة القمص بولس باسيلي، الأمر الذي يشير إلى ضرورة رصد تلك التجربة من كل جوانبها، أبرزها عوامل نجاح ذلك الكاهن عن غيره، والدور الذي لعبه داخل المجلس وأبرز القضايا التي اهتم بها ممثلاً للشعب.

ويربط فرانسوا باسيلي، نجل القمص الراحل، سبب نجاح والده في الانتخابات، بعمله السياسي في فترة الستينات من القرن الماضي قبل رسامته كاهنًا، إذ خاض الانتخابات عدة مرات، وانُتخب عضوًا في الهيئات السياسية الوحيدة في ذلك الوقت وهي الاتحاد القومي ثم الاتحاد الاشتراكي.

فرانسو باسيلي

وأوضح أنه بعد رسامته كاهنًا استمر في نشاطه الوطني ورشح نفسه في أول انتخابات للبرلمان في عهد الرئيس السادات عام 1971، وذلك في دائرة شبرا، وقد ترشح أمامه وزير سابق لم تكن له جذور في شبرا، ما دفع أبناء الدائرة لانتخاب القس القبطي، ابن شبرا، رافضين الوزير المسلم: “رغم أن للأقباط نسبة مرتفعة نسبيًّا في شبرا، لم يكن من الممكن لأبونا بولس النجاح لو لم ينتخبه المسلمون مع الأقباط”.

ويؤكد نجل الكاهن الراحل أن “ما حدث مع والده كان طبيعيًّا نظرًا إلى شعبيته الكبيرة كرجل دين مسيحي محب للجميع، وخادم للناس جميعًا بصرف النظر عن دينهم، وكان صادقًا في مشاعره هذه ويؤيدها بالأفعال والخدمات الكثيرة التي يقدمها للمواطنين، وكان معروفًا بأنه رجل الوحدة الوطنية”.

وعن الظروف الاجتماعية التي أحاطت بفوز والده، يقول: “في هذا الوقت كانت سيناء محتلة من الجيش الإسرائيلي، وكانت مصر في سنوات الاستعداد والتدريب الشاق من أجل تحرير الوطن، وكانت الوحدة الوطنية بين الأقباط والمسلمين من بدهيات الأشياء، ولم تكن مسلسلات الاعتداءات والعنف ضد الأقباط قد بدأت بعد، فأول حادث اعتداء كان حرق كنيسة الخانكة عام 1972”.

وعن أبرز القضايا التي اهتم بها داخل مجلس النواب، كانت حقوق الفئات المهمشة، حيث طالب القمص بولس باسيلي في مضبطة أول جلسة له في مجلس الشعب “بحقوق فئات الشعب المهضومة من ذوي الاحتياجات الخاصة”، وكان أول من تحدث عن تلك الفئات في وقت لم يكن يهتم بهم أحد في مصر خلال فترة السبعينات، بحسب نجله، كما طرح تغيير قوانين بناء دور العبادة المسيحية وهو ما يُعرف بـ”الخط الهمايوني”، قائلاً: “إنني أذكر المسؤولين بأن هناك قوانين ما زلنا نُحكم بها.. قوانين مستوردة من الدولة العثمانية ومنها القانون الذي يعرف بالخط الهمايوني، وهو الذي يضع 100 عقبة وعقبة في سبيل بناء دور العبادة، إلا أن مسؤولي الدولة المصرية حاليًّا ساندوا الأقباط في أخذ حقوقهم الطبيعية”.

ترشح الكهنة.. بين الموافقة والمعارضة

وسط تباين الآراء بين الموافقين والمعارضين لخطوة ترشح القس بولا لانتخابات مجلس النواب المقبلة، رأى الباحث القبطي كريم كمال، والذي عمل في المجال السياسي سابقًا رئيسًا لاتحاد أقباط من أجل الوطن، أن “ترشيح القس بولا فؤاد في انتخابات مجلس النواب حق أصيل له كمواطن مصري”، لافتًا إلى أن الموضوع يختلف كليًّا عن موضوع ترشح أعضاء جماعة الإخوان المحظورة في الماضي.

الباحث كريم كمال

وأضاف لـ”ذات مصر” أن أفراد الجماعة المحظورة أصحاب فكر سياسي خاص بهم ولهم أهدافهم التي لا تعني جموع الشعب، أما ترشح الكاهن فهو مثل ترشح الشيوخ أصحاب الفكر، وقد برز العديد من الشيوخ الذين جرى انتخابهم وتعيينهم في المجالس النيابية وكانوا إضافة في تلك المجالس.

وأكد أنه لا يجد مانعًا في ترشح الكهنة لأنهم سيفيدون المجلس بخبراتهم وعلمهم، لكنه وضع شرطًا لترشحهم، وهو أن يكونوا علي نفس مستوى رجال الدين الذين جرى تعيينهم وانتخابهم في المجالس النيابية في العصر الحديث، من حيث العلم والمعرفة والقدرة على إفادة الوطن، مع عدم الإخلال بواجباتهم الدينية خلال فترة عضويتهم في المجلس.

واتفق الدكتور جهاد عودة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان، مع ترشح الكهنة نظرًا إلى أن القانون ينظر إليهم بذات نظرته إلى الشيوخ، كونهم أشخاصًا مدنيين يحق لهم الترشح، لافتًا إلى أن الكاهن يجب أن يقدم ذات الدور الذي يقدمه عضو مجلس النواب دون النظر إلى خلفيته الدينية.

واختلف المفكر القبطي، كمال زاخر، بقوله: “في الحالة المصرية، وبعد خبرات سلبية في مشاركة رجال الدين فى العمل السياسي، أرى عدم مشاركتهم فى الحياة النيابية كأعضاء في البرلمان، حتى نخفف من الجرعة الدينية في الشأن العام، ومن ثم نتأهل لإكمال الدولة المدنية بمعناها الصحيح، فضلاً عن انشغال هؤلاء بأعباء رعوية تستهلك كل وقتهم، فلا أظن أن لديهم فائضًا يكفى لأي مشاركات برلمانية كأعضاء”.

وحول إمكانية إعادة تجربة القمص بولس باسيلى، قال زاخر إنها  يجب تُقرأ في سياقها الاجتماعي والسياسي وظرفها التاريخي، غير المتكرر، بحسب قوله، موضحًا أن الجماعات المتطرفة وقتها لم تكن قد تمكنت من العقل الجمعي المصري، وكان المد الوطني فى أعلي نقاطه.

 

 

كيرلس مجدى

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى