وجهات نظر

“غابة” بابلو.. لا يوجد غير الوحل

لا أجد ما هو أكثر سخفا هذه الأيام من الحالة المصنوعة للرابر الشاب مروان مطاوع، المعروف بمروان بابلو، الساعية إلى أسطرة هذا النموذج عبر كتابات تحاول توليد معنى من اللا معنى.

إذا استخدمت محرك البحث جوجل، الذي تصدره بابلو في الفترة الأخيرة، ستجد عددا كبيرا من الأخبار والمقالات والموضوعات الصحفية تتناول مسيرة الرابر الشاب وصولا إلى كليبه الأخير “غابة”، الذي حقق نجاحا كبيرا، وجاء بعد عودة بابلو من اعتزال دام سنة.

قدمته تلك الكتابات بوصفه “بيكاسو الموسيقى”، “الأب الروحي”، الملك”، “الجالس على القمة”، وكتب أحدهم أن الاحتفاء ببابلو “ليس مجرد احتفاء باسم جديد يرمي حجرا في مياه راكدة.. بل إعجاب يليق بأسطورة حية”!، بينما سطر آخر: “يقتحم بابلو بعودته ليجلس على عرشه الذي لم يجد من يشغله في غيابه”!، أما أغانيه وكليباته فكانت مواد ثرية للتحليل، ففولكلور (أغنية للرابر الشاب) تبدو “كبيان/ مانيفستو يقدم فيه بابلو فلسفته للجميع..”!

وعن هذه الفلسفة يقول ذو الرابعة والعشرين ربيعا في أحد حواراته الصحفية: الناس بتتبضن إن الدنيا بتتطور، ويقولوا أيام زمان، ودايما زمان أحلى، زمان مش أحلى خالص على فكرة، بالعكس دلوقت أحلى، دلوقت أسهل.. فيه موضة جديدة وموضة قديمة، الموضة الجديدة دي طالع منها نوع بقى أجدد من الموضة الجديدة، انت ممكن تكون مولود جديد وبتغني دلوقت بالاستايل القديم، بس انت هتبقى نيو سكول عشان انت مولود جديد”.

ويشير كاتب إلى أنه بجانب هذه “الرؤية الواضحة” فقد امتلك بابلو “الفن، الكلمات، الثقل، الأداء المركب، الحس التجريبي الخالص”!.

ويكتب سيناريست شاب، محللا إحدى لقطات كليب بابلو الجديد “غابة”، ليفسر سر إطلاق دخان أبيض في أحد المشاهد: في تقاليد الانتخاب البابوي يتم إطلاق الدخان الأبيض من مدخنة كنيسة سيستين، وهو ما يعني انتخاب بابا جديد، لقد عاد البوب”!

هذا النزوع لإضفاء معنى على ما لا معنى له، ومحاولة أسطرته من خلال طريقة في التناول تُضمر تمثلا يعبر عن ثقافة طبقة بعينها يستهدف أصحابها فرضها وتعميمها وجعلها “طبيعة” تنحو إلى الرسوخ والثبات.

وإذا حاولنا فك العلامات والرموز التي تحاك من خلالها عملية أسطرة ذلك النموذج، سنضع يدنا أولا على استدعاء قام به الكُتاب المشار إليهم وغيرهم ـ بوعي أو دون وعي ـ لنماذج غربية، مغنون وموسيقيون ابتكروا أنواعا موسيقية أو أضافوا إليها، ونبعت موسيقاهم من ثقافة مجتمعية أو واقع غالبا ما اتسم بالمظلومية، فأتت الموسيقى كرد فعل، مثل: الهيب هوب والراب ومؤخرا التراب، جاءت هذه الأنواع تعبيرا فنيا عن قضايا عانت منها مجتمعات الأمريكيين الأفارقة واللاتينيين مثل: الفقر والبطالة والعنصرية والمخدرات والعصابات..

لذلك كان طبيعيا أن يتحول عدد من نجوم هذه الألوان الموسيقية بتعبيرهم عن القضايا الاجتماعية والسياسية لمجتمعاتهم إلى أيقونات وأساطير مثل مغني الراب الأشهر توباك وأسطورة الريجي بوب مارلي، أما مروان مطاوع فهو حالة مصنوعة بالكامل، موسيقاه وكلماته منتبة الصلة بأي واقع مجتمعي، تقليد صرف في أدق تفاصيله ـ لنمط غنائي غربي ـ يبلغ حتى الحركات والسكنات في كليباته، لا الموسيقى فقط.

وإذا كان هناك شبيه للحالة الموسيقية للأمريكيين السود واللاتينيين فستكون موسيقى المهرجانات، وهي العلامة الثانية التي تحاك عبرها عملية أسطرة “بابلو”، من خلال استدعاء قصة نجاح المهرجانات وقدرة نجومها على الانتقال بلونهم الموسيقي من الهامش إلى المركز، وإن كانت هذه القصة حقيقية لا يشوبها تلفيق أو تزييف.

كنت من أوائل من تناولوا ظاهرة المهرجانات، متتبعا تاريخ نشأتها مع بدايات 2007، حيث ظهر اللون الغنائي لأول مرة في منطقة دار السلام الشعبية، شبان صغار السن استعملوا برامج الكمبيوتر المجانية لصناعة نغمة موسيقية خاصة بهم، فولد مهرجان السلام، أول المهرجانات.

كان الدافع لظهور اللون الغنائي وانتشاره عدم قدرة سكان المنطقة الشعبية الفقيرة على استقدام مطربين حتى الشعبي منهم لإحياء أفراحهم ومناسباتهم، ومن دار السلام انتقلت الموسيقى إلى بقية الأحياء والمناطق الشعبية، ليتم تطوير موسيقى المهرجانات وتنتقل بعدها إلى منصات التواصل الاجتماعي التي كان لها الفضل في مغادرة اللون الموسيقى الهامش إلى المركز.

ولإظهار مدى فجاجة التلبيس الذي مارسه هؤلاء الكتاب ـ حتى إن كان دون وعي ـ من خلال استدعاء تجربة نجاح “المهرجانات” في العبور من الهامش إلى المركز، يمكن التعريج سريعا على قصتها.

لا تقف قصة “المهرجانات” عند كونها لونا غنائيا شعبيا، بل هو حراك اجتماعي أو إن شئت ثورة اجتماعية تمتد بذور تشكلها إلى عقود مضت، فالهامش الذي خرج منه نجوم “المهرجانات” كان له مغنون وموسيقيون انتموا لفترات زمنية سابقة، وعاشوا أعمارهم الفنية محصورين داخل الهامش، لم يسمح لهم تخطي حاجزه، فمطربو السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أمثال: حمدي باتشان وضياء وكتكوت الأمير ورمضان البرنس وشفيقة ومحمود الحسيني ومجدي طلعت، وحتى عبد الباسط حمودة، لم يكن يتعرف أحد على أسمائهم عدا جمهور المناطق الشعبية، وكانت ملامحهم مجهولة للقطاع الأكبر من المجتمع باستثناء من حضر لهم أفراحا أو حفلات، مع أن أغانيهم كانت ألصق بالطبقات الشعبية.

كان ذوق الطبقة الوسطى هو المتحكم بالكلية، فلم يتح لاسم من هذه الأسماء الظهور على برامج التليفزيون مثلا أو أن تحتل أغانيه أي مساحة من الخارطة الغنائية به أو بالإذاعة، فقط من التزموا بالمعايير الموضوعة (من حيث الشكل والمظهر واللهجة) من قبل الطبقة المسيطرة أو انتموا إليها، مفضلين اللون الغنائي الشعبي، مثل حكيم، مصطفى كامل، جواهر، حسن الأسمر، بهاء سلطان، خالد عجاج (كأن الغناء الشعبي المعتمد كان موجها في الأساس إلى الطبقة الوسطى، لا إلى طبقته المكنى بها)…

نفس النهج اتبعته شركات الإنتاج الفني الكبرى (كممثل من ممثلي الطبقة الوسطى) فلم تمنح واحدا من مغني الطبقة الشعبية فرصة الانضمام لنجومها المختارين، وبهذا حُرم الممثلون الأصلاء للطبقة الشعبية من أن تكون لهم أي فاعلية فنية، حتى جاء جيل المهرجانات، كامتداد لهؤلاء، بتحديهم النظام الموسيقي السائد وبعدم التزامهم بمعايير الطبقة الوسطى، ووفرت لهم مواقع التواصل الاجتماعي فضاء حرا لا يقع تحت سيطرة تلك الطبقة، فنفذ منه اللون الغنائي الشعبي واستطاع نجومه فرضه على المركز ليعيدوا هندسة العلاقة معه، ويمسي لونهم الغنائي مركزا هو الآخر، لتتعدد المراكز.

هذه السردية تبين أصالة لموسيقى المهرجانات ليست لغيرها، حيث أشرفت الحاجة المجتمعية على نشأتها، ورغم كون موسيقاها مزيجا من الراب والتكنو، لكن نجوم اللون الشعبي استطاعوا عمل توليفة طبعت بطابع “الشعبية” إلى جانب الكلمات التي نسجت من تعبيرات وأحاديث طبقتهم.

إذا كان ما سبق يكشف الغطاء عن علامات ضمتها محاولة أسطرة بابلو، لكن تتبقى الإشارة إلى أن هذا السعي لإنتاج شكل فني مُنبت الصلة بواقعنا، لا يجري بصورة عفوية، فوراءه جهات لديها أجندة معينة، فليس غريبا أن يكون موقع مثل “فايس” الأمريكي بنسخته العربية أول من كتب سطرا في تلك الرواية، ليتبعه عدد من المواقع الشعبوية، وربما هي محاولة لممثلي الطبقة الوسطى لاستعادة جمهور “الأندر إيدج”، تدلل على هذا التقنيات العالية المصاحبة لكليبات بابلو وزملائه، رغم ذلك، فاللون الموسيقي لن يعدو أن يكون موجة سرعان ما ستنكسر، فهو يملك من الادعاء أكثر مما يحوز من الحقيقة، ولم يصب من الأصالة نصيبا يسمح باستمرار نجاحه.

Mohamed.altanawy1@gmail.com

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى