"غذاء للقبطي" و"أحمر لارنج"

استدعاء جماليات الطبقة الوسطى

الطبقة المتوسطة هي “حيث ينتمي الجميع ولا ينتمي أحد”. من أجل تجربة سريعة، اسأل أي شخص عن الطبقة التي يعتقد أنه ينتمي إليها، وغالب الظن أن الإجابة التي ستحصل عليها هي الطبقة المتوسطة.

بعض من تسألهم قد يضيف تمييزًا بأن يقول إنه ينتمي إلى شرائحها الدنيا أو الوسطى أو العليا، لكن تظل الطبقة المتوسطة جملةً، على مستوى المخيلة، مُحببة، وحاضنة للجميع.

في الولايات المتحدة مثلاً، يعتقد 87% من الناس أنهم ينتمون إلى الطبقة المتوسطة، حتى لو تجاوز دخلهم الأسري 100 ألف دولار سنويًّا، وهو مبلغ يضع معظم أصحابه في الـ30% الأكثر دخلاً، كما يعلن معظم من يقل دخلهم السنوي عن 30 ألف دولار سنويًّا انتسابهم إلى الطبقة نفسها، مع أن هذا المبلغ في الولايات المتحدة يعلو بالكاد على خط الفقر لأسرة من 4 أفراد.

شارل عقل
التبرؤ الجمعي؟

أما الوجه الآخر لهذا الانتماء الجمعي للطبقة المتوسطة فهو التبرؤ الجمعي منها. إنها طبقة فاسدة الذوق محدثة النعمة مريضة بالاستهلاك، يدل عليها المعمار المهجن القبيح والمحافظة الثقافية والحجاب “الإسبانيش”، وفي أسوأ الأحوال فإنها تتحمل أوزار الفاشية والسلطوية والإسلام السياسي وكل مظاهر الانحطاط الاجتماعي.

وأماكن الطبقة الوسطى هي المدن الجديدة “المصطنعة” والدخيلة على التطور الحضري “الطبيعي والعضوي”، بالإضافة إلى الكافيهات المستوردة التي تقدم للسفهاء سلعًا وخدمات تافهة بأسعار مبالغ فيها.

من داخل هذه الحالة الفصامية العجيبة، حيث يعلن الجميع انتماءه إلى الطبقة الوسطى ماديًّا ويتبرأ منها ثقافيًّا، يخرج الجهد الأدبي للكاتب السكندري الشاب شارل عقل، من بين جيل جديد من الكتاب الشباب، كمحاولة لإصلاح العلاقة بين ابن الطبقة المتوسطة وحياته.

غلاف رواية غذاء للقبطي للكاتب السكندري شارل عقل

وفي عمليه الصادرين حتى الآن، أي “غذاء للقبطي” (الكتب خان، 2017) و”أحمر لارنج” (الكرمة، 2020)، نجد جماليات “عقل” واللغة الرشيقة الرائقة.

كافيهات لـ"سفهاء" الطبقة الوسطى

تشكل “المدينة” عنصرًا أدبيًّا مألوفًا عند شارل عقل بنحوٍ يدفع للاستغراب، فالمراكز الحضرية، وهي موطن الطبقة الوسطى وسياق معاشها، والتي يفترض المرء أن حضورها الكلي في الحياة اليومية يجب أن ينعكس إلى حضور كلي في الأدب الخارج من هذه المدينة، هذه المراكز لطالما حاولت مقاومة الانسحاب إلى خلفية الحدث الأدبي.

أبت هذه المدينة كثيرًا إلا التشكُّل لمواجهة الذات. إنها سكن الأديب الغريب الذي يحن لأصول ريفية حقيقية أو متخيلة يواجه بها المسخ الحضري، يفتش الكاتب في هوامشها عن الفقير والشعبي، أو يتلمس أشباح الأفندية والقديسين والفراعنة من الأزمنة الماضية، وما بقي من آثار تدل على مرورهم.     

وباستثناء “جيل التسعينات” من الأدباء المصريين الذين آثروا الارتداد إلى الحميمية المباشرة للجسد، فالتجؤوا من ثمَّ إلى هدأة الغرف المقفلة والممرات المعتمة، استمرت المدينة في الأدب تصر على موقعها كـ”آخر” بالنسبة إلى الأديب.

وفي هذا الإصرار رد على إصرار الأدب نفسه على التملص من نمط وجود الطبقة الوسطى واعتزاله، وفي بعض الأحوال قد يلجأ الكاتب الشاب حضري التكوين، متأثرًا بتراثه، إلى العسف في ابتداع علاقة غرائبية بالمدينة لإحداث هذا التأثير الانفصالي، أي لخلع ذاته من سياقات الطبقة المتوسطة وإعادة تثبيتها في سياقات مغايرة اجتماعيًّا أو تاريخيًّا.

مشهد تلقائي من الحياة اليومية في الإسكندرية

هذا المنحى هو بالضبط ما يُمثّل شارل عقل نقيضه التام. تنحسر المدينة أخيرًا وبصورة تامة عن الحدث، وإذ تقع “أحمر لارنج” في مراوحة بين القاهرة والإسكندرية، فإن القارئ يتنقل بين الاثنين من دون طقوس، وفي الحركة بين الشقق والشوارع وإستديوهات التسجيل لا تتشكل المدينة أبدًا كموضوع، وإنما تحافظ دومًا على حضورها الهامس كدعامة للوجود.

وباستثناء بعض الملاحظات الافتتاحية عن “الثقافة الفرعية” لحي المنيل، تفترض الرواية، أُلفة القارئ للمدينة وحسن درايته بالعيش فيها!

لا ينساق “عقل” نحو التأمل في الطرقات والبيوت، فكل شيء مألوف للكاتب والقارئ، ودلالة المكان لا تتجاوز وظيفته، والخروج من البيت يكون إلى “الشارع” (أي كل ما هو خارج البيت) لا إلى “الشوارع والطرقات” التي تكوّن المدينة.

بانسحاب المدينة إلى الخلفية يتاح لها أخيرًا أن توجد في موقعها الطبيعي كإطار للاحتمالات: احتمالات المغامرة والصداقة والتعلّم والخسارة، أي بالطريقة ذاتها التي تظهر بها لابن الطبقة الوسطى يوميًّا، إذ يستيقظ سائلاً نفسه “هنعمل إيه النهاردا؟”، بدل الاستيقاظ متأملاً في غربته أو متأسفًا على التاريخ.

سينما فاتن حمامة أبرز معالم حي المنيل
إحالات تاريخية

من أجل إبراز جماليات الطبقة المتوسطة يجب أن تقاوم كتابة أبنائها بصلابة أي انجراف نحو المغاير اجتماعيًّا أو تاريخيًّا، ويمثل “غذاء للقبطي” في هذه الحالة نموذجًا يثير الإعجاب.

ويكاد الكاتب يتوسل الموضوع الأنثروبولوجي للنص (العادات الغذائية للأقباط) كي يهيم به في دوامة من الإحالات التاريخية، مؤصلاً إياه في عراقة التراث القبطي أو الفرعوني، لكنّ أيًّا من هذا لا يحدث إلا طفيفًا وبذكاء شديد.

في الفصل الخامس الذي حملَ عنوان: “الأقباط والسي فود”، ومع أن عقل يفتتحه بملاحظات عن الأسماك في التراث المسيحي، فإن هذه الملاحظات ليست أكثر من أنثروبولوجيا زائفة وتأملات عابثة وكسولة، يستنتج في إحداها أن الأسماك الواردة في الرواية الإنجيلية عن معجزة إشباع الجموع (مرقس 6:30–44) كانت أسماك الرنجة المملحة، بعد بضع ملاحظات تمهيدية عن النشاط الاقتصادي والثروة السمكية في الجليل.

السي فود كان على قائمة الأطعمة المفضلة للأقباط قديماً

إنها النقاشات نصف الجادة نصف العابثة التي قد يخوضها المرء من دون اكتراث في جلسة مقهى، وهذه النقاشات لا تعود أبدًا للنهل من المعاجم وعيون الأدب، وإنما تستمر في الإحالة باستمرار إلى المصادر اليومية المألوفة للمعرفة، وتتمثل بالنسبة إلى مسيحي مراهق في مطبوعات الكنيسة ومناهج الدراسة ومواعظ الآباء وبرامج التليفزيون ومحادثات الأهل والأصدقاء، ولهذا ينتقل عقل مباشرة بعد مبحثه الأنثروبولوجي القصير إلى الحديث عن السمك كمصدر للفوسفور، والوعود الجنسية التي يحملها للذكور الشبان.

تُلمّح هذه الكتابة باستمرار إلى التاريخ ولا تُصرّح به، وبهذه الطريقة فإن حضور التاريخ، مثل المكان، يظل هامسًا هو الآخر، كداعم خفي للوجود اليومي، هذا الوجود الذي تعود إليه الكتابة برشاقة كلما بدأت بالانزلاق إلى إحالة إلى التراث أو الأسطورة.

هذه المقاومة هي ضدٌّ للجماليات المستعارة والغريبة عن الطبقة الوسطى ومعاشها، وتحمل من ثمَّ اعترافًا لوجود هذه الطبقة اليومي والعادي بإمكاناته الجمالية.

وليست يسيرةً هذه الحركة الحَذِرة في فضاء مُلغَّم بالاحتمالات، كما يبدو لمن يقرأ الناتج الأخير، فالأدب مسكون دائمًا باقتحام الغريب من العوالم.

وفي اللعب الحر للخيال، ليس على المرء أبدًا أن يقنع بما هو هنا والآن، ولهذا تحمل هذه الكتابة مضمونًا إيجابيًّا بسيطًا، مفاده أن هذا اللا شيء يستحق الكتابة!

مقاهٍ عامرة بالزوار حتى الفجر في الإسكندرية
الوقوع في الرمزية الساذجة

إذا لم يسلِّم المرء نفسه إلى التأمل في الجذور التاريخية لما يقبع على سفرته، وإذا قاوم الانجراف وراء فكاهة الشحاذين ومكائد الأثرياء، وإذا رفض التأمل في اصفرار الحواضر أو اخضرار الحقول، كل هذا لأجل إبراز التجربة الجمالية للطبقة المتوسطة على سطح الكتابة، فما الذي يصنعه المرء بخياله؟

لا توجد إجابة جاهزة عن هذا السؤال، لكن الإجابة التي يقدمها عقل هي الدعابة والفانتازيا. يمارس الخيال فاعليته في الدعابة بإنتاج المفارقات والتلاعب بها، وهي مرتكز أساسي لكل من “غذاء للقبطي” و”أحمر لارنج”، لكن الأخيرة تحتوي على فاصل فانتازي يمثله الخط السردي الذي يحكي عن مغامرات أبطال الرواية مع “قناديل الجو”، وهي كائنات عجيبة توجد في مساحة التقاطع بين الأكياس البلاستيكية وفناني الرقص المعاصر.

لكن فضاء الفانتازيا حافل بالأخطار، وأول ما تجازف به الكتابة التي تدلف إلى عوالم الفانتازيا من دون حرص، هو الوقوع في الرمزية المباشرة والساذجة، والتي يصبح العالم الفانتازي فيها إطنابًا، بما أن موضوعاته وعلاقاته ترمز كلها في التحليل الأخير لموضوعات وعلاقات واقعية لا تمثل الفانتازيا أكثر من انعكاس مباشر لها، كزائدة أدبية أو زُخرف بلا مبرر.

لست متأكدًا إن كنت استقرأت فانتازيا عقل بأكثر مما يجب، لكن أحيانًا بدا لي أن “قناديل الجو” ذهبت بوضوح زائد إلى موسيقى المهرجانات، بدءًا بصعودها وانتشارها على هوامش المدن، ومرورًا بالصراع الاجتماعي الذي دار بشأنها، وانتهاءً باستحواذ الطبقة الوسطى والنقاد عليها.

وإن لم تكن هذه الإحالات في ذهن عقل وهو يكتب، فإن خطورة الفانتازيا تكمن في سهولة إنشاء هذه العلاقات التي قد تفسد ما هو فانتازي إن لم يكن الكاتب حريصًا كفاية.

لكن على كل حال، هذا مشروع أدبي يثير الإعجاب، وإذ دفعتني كل من “غذاء للقبطي” و”أحمر لارنج” للتساؤل بشأن ماهية الأدب، وهي عادة علامة العمل الجيد، فإنني أتساءل الآن كذلك عما إذا كانت هذه الكتابة قادرة على اختبار الزمن، وهو سؤال يجيب عنه الزمن وحده.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد الشربيني

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram