سياسة

مع اقتراب الانسحاب الأمريكي.. غرام طالبان والقاعدة مستمر رغم اتفاقية السلام

خلال المفاوضات الثنائية بين الولايات المتحدة الأمريكية وحركة طالبان الأفغانية، اشترطت أمريكا أن تقطع الحركة جميع صلاتها بالجماعات الإرهابية العابرة للحدود، مثل تنظيم القاعدة، وألّا تسمح بتواجد عناصر تلك التنظيمات على الأراضي التي تسيطر عليها الحركة في أفغانستان.

وقبل انتهاء عام 2020، أعلنت القوات الحكومية الأفغانية، قتل حسام عبد الرؤوف، المعروف أيضًا بأبي محسن المصري، والذي كان مسؤولًا عن مؤسسة السحاب الإعلامية التابعة للقاعدة، ومشرفًا على تنسيق الأعمال الدعائية للتنظيم.

ثم بعد أسابيع قليلة، أعلنت مديرية الأمن الوطني الأفغانية، نجاحها في تصفية القيادي البارز بالقاعدة أسامي محمد حنيف، متهمة طالبان بتوفير الملاذ الآمن لحنيف، في المناطق التي تسيطر عليها جنوب غرب البلاد.

عناصر طالبان

القضاء على قيادي القاعدة، كان بمثابة تأكيد إضافي على أن طالبان لا تنوي فك ارتباطها بالقاعدة، أو منعه من تهديد الأمن العالمي، حتى بعد إبرام اتفاق السلام مع الولايات المتحدة، وهو ما أيده تقرير سابق صادر عن لجنة الجزاءات بمجلس الأمن الدولي، في أوائل العام المنصرم جاء فيه أن قيادات بارزة في القاعدة لا تزال موجودة في أفغانستان، وأن هذه القيادات مرتبطة بعلاقات مع تنظيم شبكة حقاني المتحالفة مع طالبان، ويلعب مقاتلو القاعدة دورًا هامًا في عمليات التنظيم الأفغاني.

كما ذكر تقرير حديث صادر عن وزارة الخارجية الأفغانية، أن حركة طالبان ما زالت تربطها علاقات وثيقة بالقاعدة وجماعات إرهابية أخرى، داعية شركاء أفغانستان الدوليين إلى الدفع بالحركة لوقف إطلاق النار والحد من العنف.

ومع اقتراب موعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، والمقرر في مايو المقبل، يعود تسليط الضوء من جديد على وضع تنظيم القاعدة في منطقة خراسان/أفغانستان التي لا تزال تضم القيادة المركزية للتنظيم، إلى جانب تسليط الضوء على حدود العلاقات بين القاعدة وطالبان، خاصة في ظل ما تواجهه إدارة جو بايدن من أزمة الوفاء بالتزاماتها تجاه اتفاقية السلام، مع تخوفها من أن تعود أفغانستان من جديد ساحة مستقرة للقاعدة، تعيد فيها بناء قدراتها، لتنطلق منها لشن هجمات على الولايات المتحدة وحلفائها.

السلاح يقود المفاوضات

على مدار نحو 20 عامًا، نجحت حركة طالبان الأفغانية في الصمود أمام الحملة التي شنتها الولايات المتحدة وحلفائها ضدها، رغم الإطاحة بها من سدة الحكم عام 2001.

جنود أمريكا

في المقابل تكبدت الولايات المتحدة خسائر كبيرة جراء تلك الحرب، بلغت تكلفتها المادية نحو تريليوني دولار، وذلك وفقًا لتقارير سابقة نشرتها عدة وسائل إعلام أمريكية منها صحيفة نيويورك تايمز.

بمرور الوقت، أصبحت طالبان أقوى مما كانت عليه في 2011، فواصلت هجماتها ضد القوات الأجنبية في البلاد، وضد قوات الجيش والشرطة الحكومية، فيما أبقت على علاقاتها بعدد كبير من التنظيمات الجهادية مثل القاعدة والمقاتلين الطاجيك وغيرهما.

وأخيرًا، وبعد قرابة عقدين اتباعها استراتيجية “التفاوض والقتال”، نجحت الحركة في صياغة اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.

ونصت اتفاقية السلام على أن تلتزم الولايات المتحدة بسحب كافة قواتها العسكرية وكذا قوات شركائها في التحالف، وأيضًا الأفراد المدنيين غير الدبلوماسيين في التحالف، وقوات الأمن الخاصة، وذلك في غضون 14 شهرًا منذ إبرام الاتفاقية.

نصت الاتفاقية أيضًا أن تعمل الولايات المتحدة على تنفيذ خطة لإطلاق سراح السجناء السياسيين والمقاتلين، على أن يكون من بينهم خمسة ىلاف سجين من طالبان.

تضمنت الاتفاقية كذلك أن تراجع الولايات المتحدة العقوبات الحالية ضد طالبان، وإزالة أسماء قادتها من قوائم الإرهاب الأمريكية، بالإضافة إلى التنسيق مع حلفاء الولايات المتحدة لإزالة أسماء هؤلاء القادة من قوائم الإرهاب الدولية.

في المقابل، ألزمت الاتفاقية حركة طالبان، الحيلولة دون أي تهديد لأمن الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان، ومنع عمليات التجنيد والتدريب والتمويل، والا تستضيف أي شخص قد يشكل تهديدًا إرهابيًا.

لكن، ورغم توقيع الاتفاقية رسميًا في 2020، لا تزال طالبان مرتبطة بالقاعدة كما كشفت الأحداث والتقارير ذات الصلة المنشورة خلال الأشهر الماضية، في حين لوحت الحركة الأفغانية باستئناف العمل المسلح ضد القوات الأمريكية في البلاد إذا لم تنسحب في الموعد المحدد، وذلك بعد أن أوضح الرئيس الأمريكي في مؤتمر صحفي عقده البيت الأبيض في 25 مارس الجاري، أنه سيكون صعبًا الوفاء بموعد الانسحاب في الأول من مايو المقبل “لأسباب إستراتيجية”، على حد تعبيره.

بدورها، ردت طالبان على تصريح الرئيس الأمريكي عبر حساب متحدثها على تويتر، في تغريدة جاء فيها: “اتفاق الدوحة هو أقصر طريق لإنهاء الحرب في أفغانستان. وإذا فشلت أمريكا في تنفيذه فإن الإمارة الإسلامية (الاسم الرسمي للحركة) ستضطر للدفاع عن دينها ووطنها”.

فك ارتباط معلق بين القاعدة وطالبان

عدة أسباب تحول دون فك الارتباط بين طالبان والقاعدة، يعددها هشام النجار، الباحث في شؤون الجماعات الإرهابية المسلحة، منها: الروابط العائلية بين عناصر التنظيم والحركة، والتحدايات الداخلية التي تواجهها طالبان، وتجعلها بحاجة للقاعدة، خاصة مواجهة تنظيم داعش محليًا.

هشام النجار

لذا يضع النجار احتمالية عودة العلاقات بين طالبان والولايات المتحدة لمربع التوتر، خاصة مع إصرار طالبان على خروج القوات الأميركية وفق الاتفاق الموقع في الدوحة، فبراير 2020، والذي ينص على خروج القوات في مايو 2021، في المقابل تسعى إدارة بايدن لتأجيل الخروج، لأسباب منها احتمالية سيطرة طالبان الكاملة على أفغانستان، ومن ثم عودة القاعدة مجددًا لبناء قوتها في هذه المساحة، لذلك “فرضية فشل الاتفاق وعودة الحرب واردة”، كما قال النجار لـ”ذات مصر”.

وفي حين يدعي الخطاب المعلن لطالبان فك الارتباط بين الحركة والقاعدة، تؤكد التقارير الاستخباراتية استمرار العلاقة، وهو ما يراه النجار “معضلة كبيرة في حد ذاتها”، موضحًا: “طالبان منقسمة، وهناك عناصر داخلها متشددة، انسحب بعضهم من الحركة بالفعل وانضموا لداعش. يوجد أيضًا تيار يسعى لإنجاح الاتفاقية حتى لو ضحّى بتنظيم القاعدة، وهو ما يوضح أن المسألة مثار خلاف وجدل داخل طالبان ولم تحسم”.

على نفس الرأي، يذهب الخبير في شؤون التنظيمات الإرهابية، خميس الجارحي، الذي يرى أن فك الارتباط بين طالبان والقاعدة “أمر صعب للغاية”، بالإحالة لما يعتبرونه “تاريخ من النضال المشترك بينهما في أفغانستان”، بتعبير الجارحي، الذي أشار أيضًا إلى وجود رباط فكري بين التنظيمين، وكذلك علاقات مصاهرة بين قيادات في كل من التنظيمين.

كل هذا “يعقد المسألة، ويجعل طالبان أمام خيارات محدودة، أبرزها التهدئة مع الولايات المتحدة، وألا تسمح للقاعدة أن تُطلق عملياتها ضد الولايات المتحدة والتحالف الغربي من أراضيها”، كما قال الجارحي.

لكن، رغم تعقد العلاقات بين طالبان والولايات المتحدة، استبعد الجارحي حدوث مواجهات بينهما، مرجعًا ذلك إلى انشغال الولايات المتحدة بأمور “أكثر أهمية مثل مواجهة التمدد الروسي في سوريا، والصراع الجيوسياسي مع الصين، وغير ذلك”.

على كل حال، لا يمكن إغفال تراجع أهمية تنظيم القاعدة بشكل ملحوظ، وهو ما يظهر، وفقًا للجارحي، في عدم قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات كبيرة كما كان الحال تحت قيادة أسامة بن لادن، إضافة إلى انتقال قيادة التنظيمات الجهادية إلى داعش، التي بايعها كثير ممن كانوا ينتمون للقاعدة تنظيميًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى