غيوم على الجلد

جماليات البُهاق تنتظر اعترافًا

حين كان غبار الحرب ينقشع عن سماء بيروت بعد 34 يومًا من القصف الإسرائيلي على عاصمة لبنان في يوليو/ تموز 2006، كان جسد لوريس مَتّى يتهيأ لظهور غيوم مشابهة على جلدها.

أواخر 2006 كان بداية ملاحظة “متى”، (35 عامًا لبنانية من أم مصرية) لبقع عشوائية بيضاء تتمدد على جلدها، دفعتها لزيارات متكررة لعيادات الجلدية انتهت منها إلى أنها “مريضة بالبهاق”.

لم تكن مَتّى تعرف ماهية هذا المرض المزمن ولا أسبابه: “كل ما كان يشغلني وقتها هيئتي المهددة ببقع لا يمكن التنبؤ بمواقع انتشارها”، كما تقول لـ”ذات مصر”.

لوريس مَتّى لبنانية مصرية مصابة بالبهاق

كغيرها من مرضى البهاق، تسبّب معرفة مَتّى لتشخيص حالتها في حزن عميق، وجدت بموازاته في الأهل عونًا، مع هامش بسيط من السخرية والاستفسارات المتكررة من الأصدقاء.

لكن إذا كانت السخرية هي الاستثناء في حكاية مَتّى، فإن عيد محمد، الذي يقيم بقرية كوم الأشراف بمدينة الزقازيق، يكاد يتغذّى على التنمر.

عيد، 20 عامًا، عامل بمصنع نسيج بمدينة العاشر من رمضان، يقول لـ”ذات مصر”: “عرفت بمرضي في عمر الرابعة عشرة، من وقتها وأنا ألاحظ نظرات الشفقة والسخرية في أعين وأحاديث الناس”.

يتابع: “بحكم إقامتي في قرية، فمستوى الوعي بحقي في العيش دون إزعاج مُتدنٍّ جدًّا”، متذكرًا في أسى: “أحدهم شبّهني بالكلب الدلميشن (المنقط أبيض وأسود)، في إشارة إلى تفاوت درجات لون بشرتي”.

البُهاق جماليًّا

عيد ولوريس القادمان من بيئتين مختلفتين، جمعتهما نفس المعاناة التي جسدتها قصة “لازم أعيش”، التي عُرضت مطلع نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، ضمن مسلسل “إلا أنا”.

تتعرض القصة لحياة نور، فتاة مصابة بالبهاق منذ طفولتها، وتواجه بسبب مرضها مواقف تنمّر قاسية تدفعها لاستخدام أدوات التجميل بصورة مبالغة لإخفاء آثاره عن وجهها وكفيها، لتفادي نظرات الناس.

الفنانة جميلة عوض في مسلسل "إلا أنا"

حظيت القصة، التي قامت ببطولتها جميلة عوض، بقبول لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي ومن قبلهم مرضى البهاق الذين وجدوا فيها فرصة جيدة لقول ما يرهقهم قوله، بحسب لوريس، فضلاً عن كونها أول عمل درامي عربي يناقش معاناة مرضى البهاق.

وبعيدًا التجارب القاسية، التي حاول صانعو العمل تقديمها عن حياة مرضى البهاق، فالقصة مهدت لمفهوم جديد عربيًّا عن المرض، مفاده أن البهاق جمالٌ موازٍ أو شكل منه.

حدث ذلك في غالب مشاهد والد “نور” في الدور الذي أداه اللبناني باسم مغنية، إذ كان يخبرها في كل مرة تشكو إليه تنمّر صديقاتها بأنها صاحبة جمال استثنائي، وأن بقع جلدها تزيدها جمالاً.

وفيما كان المتعاطفون مع مرضى البهاق يستخدمون منطق أن الجمال الحقيقي يكمن في الداخل، في إقرار ضمني بتورط المرض في تشويه شكل الجلد، بدأ الحديث يأخذ مسارًا جديدًا وهو أن البهاق يزيد الشخص جمالاً تحت وسم vitilobeauty.  

محْو الوصمة بالفن
الفنانة نسرين أمين

الفنانة نسرين أمين حاولت إبراز الجانب الجمالي للبهاق فاستعانت بـ”ميكاب” لرسم بقعه بيضاء برشاقة على وجهها وكفيها، ووجدت الفكرة قبولاً لدى رواد مواقع التواصل الاجتماعي الذين تداولوا فيديو “أمين” خلال إعداد “الميكاب” والشكل النهائي له على نطاق واسع.

لاحقًا حاول رسامون هواة وخبراء تقديم محاكاة للبهاق وتنافسوا في تقديم بقع البهاق من منظور جمالي.

تنشر بكينام هشام، رسامة هاوية، لوحتها للفنانة جميلة عوض بالبهاق، وتعلق عبر حسابها على “إنستجرام” قائلة: “طالما أُغرمت بالبهاق ورسوماته على الجسد”، موضحة أنها حاملة للمرض ولكنه يؤثر على شعرها دون جلدها.

عرائس هدى محمود للأطفال المصابين بالبهاق

هدى محمود (22 عامًا) ممارسة لفن الإميجورومي (صناعة العرائس القماش)، بدورها عمدت لصناعة عرائس أطفال يظهر على ملامحها البهاق.. تقول هدى لـ”ذات مصر”: “صنعت العرائس خصوصًا للأطفال من مرضى البهاق، لمساعدتهم على تقبل اختلافهم وفهم طبيعة جمالهم”، متابعة: “حين يمنح الله الشخص البهاق فهو يمنح معه الجمال.. قد لا نفهم منطق ذلك ولكننا نستشعره”.

ويستمد المروّجون لجمالية البهاق عربيًا منطقهم من فكرة عالمية وجدت طريقها للتصديق، ففي 2019 التقطت المصورة الهولندية إليزابيث فان ألديرين (33 عامًا) صورًا لأجساد سيدات مصابة بالبهاق لإبراز الشكل الجمالي الذي يتركه على أجسادهن، بحسب ما أعلنته وقتها.

عارضة الأزياء الكندية ويني هارلو

تجربة عارضة الأزياء الكندية ويني هارلو تُعد المصدر في الاعتقاد بجمالية البهاق، إذ تكاد تكون بقع جسدها مرسومة بدقة، الأمر الذي يعطي شكلاً جماليًّا استعانت به شركات الموضة والأزياء في الترويج لمنتجاتها والتدليل على إنسانيتها في الوقت ذاته.

وبفعل البقع، تحولت هارلو، التي يحظى حسابها الرسمي على “إنستجرام” بأكثر من مليون و600 ألف متابع وتنشر من خلاله صورًا تظهر جمال جلدها، لأيقونة مرضى البهاق والمعتزين بإنسانيتهم حول العالم.

جمال استثنائيvs مرض مزمن

من منظور واقعي بحت، ترفض لوريس مَتّى، المصابة بالبهاق منذ 13 عامًا، هذا المنطق في التعامل مع المرض المزمن: “سيبقى مرضًا يخبرنا بأننا لسنا على ما يرام”.

وتتابع أنها دائمًا ما تقابل من يخبرها بأن البهاق يضفي على هيئتها لمسة من الجمال، لكنها تدرك أن هذا الأمر لا يتعدّى كونه مجاملة وإلا كان الشخص المجامل قد تمناه لنفسه.

ترى مَتّى أن تقديم البهاق كجمال فكرة غير سوية لأنها تحمل شيئًا من المبالغة في الدعم لمرضى البهاق: “وهو أمر غير مؤكد استمراره، فضلاً عن أنه يحمل نوعًا من العنصرية المبطنة”، حسب قولها.

“المبالغة في تفادي التنمُّر هو تنمّر في حد ذاته”، حسب مَتّى، لهذا وصفت هذه الدعوات بالمسكّنات التي قد تضر نفسية مرضى البهاق على المدى البعيد بزوالها.

وتؤكد أن “البهاق ليس جمالاً ولا النمش ولا الشامة، جميعها أمراض جلدية تظهر للغير والحل في تقبلهم لها”.

احتاجت مَتّى إلى 9 سنوات تقريبًا حتى تكتسب الشجاعة للإعلان عن مرضها دون خوف من نظرة الناس، مشيرة إلى أنها توقفت عن تلقى العلاج منذ 4 سنوات.

وتستثني مَتّى وجهها من هذا التصالح، وقالت إنها تتحرك سريعًا حال ما وجدت بقع البهاق تتمدد عليه، مشيرة إلى أنه بخلاف الوجه فلم تعد تعبأ بأي بقع أخرى على جسدها.

السورية علا إبراهيم المصابة بالبهاق

على العكس، كانت السورية علا إبراهيم المصابة بالبهاق منذ 17 عامًا، والتي ترى رسومات البقع على جلدها كـ”خارطة للحياة تركها الله على جسدها حين بدأ الخلق”.

بدأت قصة علا (30 عامًا) من سن الثانية عشرة، عندما عرفت أول مرة بمرضها الجلدي، تقول لـ”ذات مصر”: “كأي مريض بالبهاق مررت بتجارب قاسية في المدرسة والشارع دفعتني للبحث عن علاج”.

7 سنوات أمضتها علا عبثًا في محاولات تبديد بقعها دون جدوى، إلى أن قررت التوقف عن المحاولة والمواجهة.

كف علا الذي تخيلت فيه رسومًا للحيوانات

وتوضح علا، المقيمة بتركيا منذ 3 سنوات لظروف الحرب في سوريا، أن لشريك حياتها دورًا في تعزيز ثقتها بنفسها، فضلاً عن مغادرتها المجتمعات العربية، التي ما زالت تجد صعوبة في احترام إنسانية الغير، حسب قولها.

تُقر علا بجمالية البهاق، معتبرة أنه لا يختلف عن العين أو أي عضو في جسد الإنسان، لهذا تعتقد أن الترويج لجمالية البهاق عربيًّا فكرة جيدة قد تشجع مرضى البهاق على التخلي عن خوفهم.

عيد محمد مصري مصاب بالبهاق

الخوف، ذلك هو ما تحدث عنه عيد محمد لـ”ذات مصر”، حين قال إنه اعتاد ارتداء ملابس بأكمام طويلة، وكف عن الظهور بسراويلات قصيرة كأبناء جيله، تجنبًا لإظهار بقع جسده للناس.

وتابع أن المسافة بينه وبين العيش في سلام تساوي المسافة بين قريته وإيمانها بحق الفرد في الاختلاف واحترام خصوصيته.

ولصعوبة واقعه القروي، يدعم عيد أي فكرة تؤدي في ظاهرها إلى تقبل مرضى البهاق، دون الخوض في ما وراءها: “الترويج للبهاق كجمال قد يكون مفيدًا له، وإن كان إقناع أبناء القرى بالأفكار الحديثة يحتاج إلى جهود غير عادية”.

محاولات بعض الهواة لإظهار جماليات البهاق
دعم مفيد vs تنمر المبطن

“البهاق جمالاً”.. الحملة التي وجدت طريقًا للقبول لدى البعض، رآها آخرون “تنمرًا مبطنًا” وتقف وراءها قناعات بأن أصحاب المرض سيئون للدرجة التي يحتاجون فيها إلى الدعم ولو عن طريق المبالغة.

هدير عبد ربه، خريجة كلية الفنون الجميلة، كانت ضمن رافضي الحملة.. تقول لـ”ذات مصر”: “المهم بالنسبة لأي إنسان أن يعيش في سلام بعيدًا عن أي نظرات متنمرة أو متعاطفة”، معتبرة أن” الأفضل لمرضى البهاق أن يجدوا معاملة سوية تتجاهل بقعهم كأنها لم تكن، حتى لا يعيشوا دائمًا تحت وطأة آثارها”.

الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، يقول لـ”ذات مصر” إن دعوات التعامل مع البهاق كجمال -على رقيّها– تعد انفعالية ولا تنبع من قناعات حقيقية، لافتًا إلى أن الدافع وراءها كان العمل الدرامي الذي عرض جزءًا من معاناة مرضى البهاق، وعرّى بشاعة المجتمع أمام نفسه في معاملتهم.

وتوقع فرويز أن تكون دعوات التسامح مع بقع البهاق حبيسة ما أسماه التريند، “بمجرد زوال أثر المسلسل ستظهر قضية جديدة تخطف المصريين بعيدًا عن البهاق”، ورغم ذلك يرحب بهذه الدعوات، معتبرا إياها خطوة في مسيرة طويلة يحتاج إليها المجتمع للتعرف على المرض وحجم الأذى النفسي الذي يعانيه أصحابه.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

سارة الحارث

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram