فاترينة للعرض والمراقبة

هل تُعيد وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل حياتنا؟

تسعى هذه الدراسة إلى تناول تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على حياتنا الاجتماعيّة، ويسوق الباحث إحصاءات حاسمة من الحالة المغربيّة كنموذج؛ لتوضيح ما وصفه بعض المتخصصين بظاهرة “الكائن المتصل”، دلالةً على نمط من الوجود الافتراضي، الذي يتسم بالابتعاد التدريجي عن الوجود الواقعي المعتاد.

وينتقل الباحث للتفكير في المجتمع الجديد الذي صنعته وسائل التواصل الاجتماعي في 6 نقاط: مجتمع الإيجابيّة، ومجتمع العرض، ومجتمع المراقبة، ومجتمع الشفافيّة، ومجتمع المشاهدة، ومجتمع سلطة الاتصال، وفي الأخير يسلط الباحث الضوء على أنّه لا ينبغي أنّ نعتقد أننا فقدنا مجتمعًا، ودخلنا إلى آخر على نحو كامل، بل يجب القبول بفكرة أنّ طرقنا في التفاعل الاجتماعي قد ازدادت بفضل التكنولوجيات الرقميّة، وهي لا تمثل تهديدًا للرابط الاجتماعي بل تُؤلف طرقًا متممةً له، فـ”الحياة عن بُعد” لن تكون بديلًا عن “الحياة عن قرب”، والواقع أنّ الناس لا يستعملون “التواصل عن بُعد” إلا من أجل “التواصل عن قرب”.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه
مقدمة: ماذا تقول سلسلة “YOU” على نتفليكس؟

يظهر البطل “جو”، في السلسلة الشهيرة “YOU” التي تعرض على “نتفليكس”، شابًا عارفًا باستعمالات وسائل التواصل الاجتماعي؛ يتتبع حبيبته “بِيك” على “فيسبوك”، و”الإنستجرام”، و”تِندر”، و”تويتر”، و”واتساب”، و”لينكدإن”، يعرف أصدقاءها، وأذواقها، وهواياتها، ويستطيع أنّ يؤقلم سلوكه لينال إعجابها، إلى درجة قدرته على توجيه أفكارها وتوقع تصرفاتها.

وعلى الرغم من حرصه على إظهار أنّه لا يهتم بهذه الوسائل بوصفه شابًا من الطراز القديم، ولا يملك حسابًا فيها فإنّ هذه الوسائل في واقع الأمر تُعدُّ المصدر الرئيسي لعلاقته بالآخرين، ومعرفة أكبر قدر ممكن من المعلومات عنهم، حتى الذين لا يملكون حسابات، يفسر ذلك أنّهم حريصون على إخفاء أنفسهم عن الآخرين.

الإعلان الدعائي لمسلسلYou

بالنسبة لـ”جو” يصبح الذي يملك حسابًا علامةً على شيء ما، والذي لا يملكه علامة على شيء آخر، والذي يملكه ويتوقف عن التدوين علامة على شيء ثالث، وحجب التعرف عن الأصدقاء من طرف الزوار علامة على شيء رابع، وتعليقات الأصدقاء على التدوينات علامة على شيء خامس، ووضع الصور بالسِلفي علامة على شيء سادس، ووضعها بكثافة علامة على وضع سابع…إلخ.

بل إنّ استيلاء “جو” على حساباتِ أشخاص قَتَلَهم، وتدوينه فيها بدلًا عنهم كان كافيًّا؛ ليوهم أصدقاء المقتولين بأنّهم على قيد الحياة في مكان ما من العالم، وكلما تعرّف “جو” على شخص جديد في الحياة الاجتماعيّة اليوميّة يهرع إلى فيسبوك؛ ليعرف معلومات أكثر عنه: السن، والدراسة، والمهنة، والأصدقاء المشتركين، والاهتمامات…إلخ، ثم يُعدّ سيناريوهات التعامل معه، كان الأمر أشبه بلمسة سحرية على شاشة الهاتف الذكي الموصول بالإنترنت، وتطبيقات التواصل الاجتماعي؛ ليعرف المعلومات الضرورية كلها عن الأفراد الذين يحتاج التعامل معهم.

قد يكون سيناريو المسلسل مبالغًا فيه إلى حدٍ ما، وربما حتمت متطلبات البناء الدرامي تضخيم بعض المشاهد والأحداث، ولكن على الرغم من ذلك، فإنّ المسلسل لم يُقدم إلا صورةً مصغرةً متخيّلةً عما يمكن أنّ تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي من تأثيرات واسعة، وأدوار جديدة في حياتنا الاجتماعية.

ظاهرة الاتصال الدائم: إحصاءات حاسمة

تُشير تقارير صادرة عن جهات رسمية وغير رسمية بالمغرب إلى أن أغلبية الشعب المغربي يستخدمون شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي بصورة يومية.

وحسب تقرير “استعمال تكنولوجيا المعلومات والتواصل” [1]للوكالة الوطنيّة لتقنين المواصلات بـ”المغرب”، والصادر سنة 2018، فإن 98.4 % من المستخدمين من سن 15 إلى 24 يشاركون في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الفئة ما بين 25 و39، تبلغ نسبة مشاركتهم في مواقع التواصل 95.3 %، و40- 59 سنة يشارك منهم 90 %، و60- 74 يشارك منهم 88.1 %.

وفي السياق نفسه، أظهر تقرير مؤسسة “هوتسويت” (Hootsuite) عن الحالة الرقمية في “المغرب” عام 2019،[2] أنّ جمهور “فيسبوك” الذين يستعملونه شهريًّا هو 17 مليون (36 % نساء، و64 % رجال)، و”الإنستجرام” 4.40 مليون (44 % نساء، و56 % رجال)، و”السناب شات” 2.96 مليون (66 % نساء، و31 % رجال).

كما سجلّ التقرير أنّ مستخدمي السوشيال ميديا من 18 إلى 24 (الإناث 14 %، والذكور 20 %)، ومن 25 إلى 34 (13 % إناث، و25 % ذكور)، ومن 35 إلى 44 (3.3 % إناث، و7 % ذكور).

وتدل هذه الإحصاءات بشكلٍ قاطع على ما سمته “شيري توركل” في إحدى محاضراتها[3] بـ”ظاهرة الاتصال الدائم”؛ للدلالة على هذا النمط من الوجود الافتراضي، الذي يتطور بالابتعاد التدريجي عن الوجود الواقعي المعتاد، ويخلق ظواهر نفسيّةً جديدةً بل أكثر من ذلك، تجعلنا الشبكات الاجتماعيّة أمام تعريف جديد للإنسان بوصفه كائنًا متصلًا (Homo Connecticus) كما تسميه “إلزاغودار”[4]، بمنظور جديد مختلف عن الاتصال التقليدي المعتاد.

شيري توركل
وسائل التواصل الاجتماعي: مجتمع جديد

يكاد يتفق مختلف المُنظرين لعصر الثورة الرقميّة، ووسائل التواصل الاجتماعي على أننا أصبحنا أمام مجتمع جديد تغيرت فيه أنماط الحياة الإنسانيّة، وتأثرت على إثره كل المؤسسات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة، بل إنّ الشبكات الاجتماعيّة لم تكتفِ بنسخ ضروب العمليات الاجتماعيّة التي يمكن ملاحظتها ما إنّ نُطفئ الحاسوب، بل شجعت على طرق جديدة للعيش في المجتمع.[5]

أضحى الفرد أمام سيلان شبكي لا محدود قلَبَ تصور مفاهيم الجغرافيا والخطاب والإنسان، بل إنّ هذا التدفق التواصلي دمّر أنظمة السلطة الموجودة، كما يقول “بيونغ شال هان”[6].

أولًا- مجتمع الإيجابيّة

يصف “بيونغ شول هان” مجتمع الشبكات الاجتماعية بأنّه مجتمع الإيجابيّة[7]، فهو مجتمع لا يُعير اهتمامًا للجدل والنقد السالب، وهذا واضح بشكل تبَيَّن في عدم توفر “فيسبوك” أو “الإنستجرام” على زر “لا يعجبني”.

يقول “بيونغ شول هان”: “إنّ السلبيّة تجعل التواصل في مأزق؛ حيث يتم قياس قيمة التواصل فحسب من حيث كمية المعلومات وسرعة التبادل، كما يضاعف مقدار التواصل من القيمة الاقتصاديّة لعملية التواصل”، ويضيف: “أنّ الأحكام السلبيّة تُضعف عملية التواصل، لكن التواصل يتضاعف بصورة أكبر بعد الضغط على زر “أعجبني”، أما الرفض أو اللا إعجاب فلا يمكن استغلالها اقتصاديًّا”[8].

بيونغ شال هان

هنا يُحيلنا “شان هول” على أنّ الشبكات الاجتماعيّة في قلب منطق الاقتصاد الرأسمالي، ولا تنفصل عن غاية تكثير الرأسمال بأكبر قدر ممكن، وفي هذا السياق لا تهم الحقيقة، لأنّ الحقيقة قوة سلبيّة بقدر ما تثبت نفسها وصدقها، تنفي صحة الأشياء الأخرى التي تتعارض معها، ولأنّ تراكم المعلومات أكثر بدون توفر اتجاه صوب المعنى يجعل الإيجابيّة تتضاعف وتنتشر.

ثانيًا- مجتمع العرض

يقول “بيونغ شول هان”: “العرض وحده يُولِّد القيمة” حسب الاقتصاد الرأسمالي، ويضيف: “الأمر يتعلق بقوة الأشياء، فالإفراط في العرض يُحول كل شيء إلى سلعة” فالعرض في جوهره استغلال، استغلال للذات أمام العالم، وكشف متواصل للفرد أمام الآخرين.

فيما تقول “شيري توركل”: “أنّ تكون، معناه أنّ تُرى”[9]، ولكي تُرى يجب أنّ تعرض نفسك بأقصى قدر ممكن، بعبارة أخرى طلب على الاعتراف بالوجود، فبقدر ما تعرض النفس بقدر إحساسها بوجودها.

“كيم كردشيان وكتاب (Selfish)

وتقول “سوزان غرينفيلد”: “إنّ نسيان الناس لوجودي هو ما يؤثر فيّ حقًا، إذا ذهبت إلى حفلة أو عطلة ولم أوثقها، فهل حدث ذلك حقًا؟”، ولعل أبرز ملامح العرض هو السِلفي، أي البورتريه الذاتي الذي يهدف إلى التسويق الذاتي، وأشهر مثال على استعماله العالمي يعود إلى “كيم كردشيان” التي أصدرت كتابًا سنة 2015 بعنوان (Selfish)؛ لذلك نعتتها “إلزاغودار” بـ “إلهة السِلفي دون منازع”.

أصبح الجميع يستعملون ‘السِلفي’ من الملكة “إليزابيث” إلى “أوباما”، ومختلف مشاهير الفن، والسياسة، والرياضة، ويتجلى العرض أيضًا بشكل بارز في “الإنستجرام”، الذي يتشاطر فيه الأفراد الصور أساسًا، يلبسون أفضل الملابس كل يوم، يتجولون في الحدائق والشوارع، يمارسون الرياضة، يتناولون الطعام، يزورون الطبيب، يوقعون الأصدقاء في المقالب، يعرضون مقتنياتهم الجديدة، يخبرون بإنجازاتهم في العمل، لا يكاد نشاط من أنشطتهم المعتادة، أو الموسميّة لا يعرضونه لمتابعيهم، إلى درجة القول إنّ كثير من الأنشطة لا تُمارس من أجل ذاتها كسلوك اعتيادي، بقدر ما تُمارس لأجل وضعها على “الإنستجرام”.

يصبح العرض هو الغاية من الممارسة، وشغف العرض هو الدافع إلى الممارسة، بل أهمّ منها.

ثالثًا- مجتمع المراقبة

عكس ما قد يتصوره الكثيرون بأنّ وسائل التواصل الاجتماعي فضاء رحب للحرية متاح أمام الأفراد، فإنّ “بيونغ شول هان” يرى أنّ هذه الوسائل جعلت الناس يستسلمون طواعيةً لنظرة المراقبة، ويتعاونون عن قصد داخل هذا النظام الرقمي للمراقبة، عبر تعرية أنفسهم وعرضها، في واقع الأمر إنّ الحرية في هذا السياق شكل من أشكال السيطرة.[10]

كتاب في السراب

من هنا يقول “شول هان” في كتابه “في السراب”: “ليس هناك فرق بين أنّ تُرى أو تُراقب، كل واحد منا سجين وسجّان في الوقت نفسه”[11]، لم تعد الدولة اليوم في حاجة إلى مراقبة المجتمع “المجتمع يراقب اليوم نفسه بنفسه”، لقد رأينا ذلك في كثير من حالات التعبير عن الكراهية والتطرف، التي عبّر عنها مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي، فتدخلت السلطات الأمنيّة للقبض على الأفراد المعنيين في حال ظهرت ميولهم للتطرف المخالفة للقانون.

أيضًا أظهرت واقعة “كامبريدج أناليتيكا” الشهيرة (وهي شركة للاستشارات السياسيّة، حصلت بطريقة غير مشروعة على معلومات شخصيّة لما يقدر بنحو 87 مليونًا من مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي) في 2016، إنّ المعطيات الشخصيّة لمستعملي الشبكات الاجتماعية، يُمكن أنّ تُوظف لتوجيه الجمهور، والتأثير في العملية الديمقراطية برمتها، ومعها التأثير في مصير الشعوب.

“كامبريدج أناليتيكا”

ويتم ذلك عبر تحليل المعطيات الضخمة (Big Data)، التي تسمح بتوقع التوجهات الشخصيّة تقنيًّا أكثر مما يمكن أنّ تفعله المهارات المعرفيّة البشريّة.[12] 

رابعًا- مجتمع الشفافيّة

لقد أعاد استخدام شبكات التواصل الاجتماعي تعريف الحميميّة، والحدود بين الخاص والعام، تقول “شيري توركل”: “إذا كانت الحميميّة لدى الأجيال السابقة على ظهور عصر الثقافة الرقميّة لا يمكن أنّ تتطور دون حياة خاصة، فإنّ الحميميّة اليوم دون حياة خاصة تُعيد تحديد المعنى الذي نُعطيه للحميميّة ذاتها، وهذا ما أدى إلى انمحاء الحدود بين الحياة الخاصة، والحياة العامة، وأضحت الحياة الخاصة عامةً مشاعةً”.

رأينا محو المسافات في ظاهرة لافتة عرفها المجتمع المغربي، فيما سُميّ “روتيني اليومي”؛ حيث تكاثرت قنوات على “يوتيوب” لأفراد من النساء والرجال يعرضون تفاصيل حياتهم اليوميّة، خارج المنزل وداخله، ويتناولون مواضيعَ مختلفةً في الطبخ، والملابس، وديكور المنزل، وحتى النزاعات المنزليّة الشخصيّة.

لقد تم إخراج كل الموضوعات التي اعتدنا اعتبارها جزءًا من الحياة الخاصة إلى الحياة العامة المُشاعة، هذه المشاركة هي ما عبَّرَ عنه “شول هان”، أنّ وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت في حد ذاتها عالمًا حميميًّا أو منطقةً مريحةً.

إنّه القرب المطلق الذي محا كل المسافات، أو أنّ تدخل رياح الاتصالات الرقميّة في كل شيء لتجعله مرئيًّا[13]، هو ما يجعل الشفافيّة أيديولوجيا مثل باقي الأيديولوجيات، إذا ما تم تعميمها تشكل خطرًا وتفضي إلى الإرهاب.[14]

خامسًا- مجتمع المشاهدة

أخبرني صديق عن حادثة سير تعرض لها قبل أسابيع كادت تودي بحياته، وهو مدرج بدمائه لمح لحظتها شابًا يُطل من نافذة مكسورة يُصور فيديو للتوثيق، غافلًاعن جريح يحتاج إلى النجدة.

ورأيت في الفترة نفسها فيديوهات عديدة لأشخاص يصورون السيول في “تارودانت” (مدينة وسط المغرب)، تجرف بناية عليها بضعة أفراد دون المبادرة إلى المساعدة، وقبلهما شاهدنا بألم وحسرة طفلة تحترق في شرفة شقتها في سيدي “بوقنادل” بالقرب من الرباط، وعشرات الأشخاص يصورون النيران تلتهم أطرافه، دائمًا الجميع يلتقطون الصور والفيديوهات، وقليلون من يهبوا للمساعدة.

يختصر “شول هان” في كتابه “في السراب” المجتمع الحالي بأنّه “مجتمع الإصبع”[15]، قبل ذلك كانت اليد تفعل كل شيء، الآن حلّ محلها الإصبع، هذا هو الإنسان الرقمي اليوم، الجميع يتعرف على العالم بإصبع موضوعة على الهاتف الذكي.

ليس من طبيعة الإنسان الرقمي “الإنسان الإصبع”، أنّ يكون إنسان الفعل، الإصبع لا يمكنه أنّ يفعل أكثر من الضغط، لذلك، كان متعذرًا على الذين يمسكون هواتفهم أنّ يهبوا للنجدة بأيديهم، كان من الصعب التخلي عن الإصبع من أجل اليد، المجتمع الرقمي، مجتمع انتقل من اليد إلى الإصبع، يقول “شول هان” لا يهرع الإنسان الرقمي للنجدة، والفعل بقدر ما يهرع للمشاهدة والتصوير.

تهافت الشراء خلال جائحة كورونا

وفي مظهر آخر لمجتمع المشاهدة ما عرفته بلدان عدة حول العالم، من تهافت لشراء البضائع وتخزينها عقب انتشار جائحة “كوفيد-19″، فلا يمكن أنّ نفسر هذا التهافت بالهلع الجماعي من الندرة فحسب، بل أيضًا إلى التدفق الواسع للصور، ومقاطع الفيديو التي تُشاهد بالملايين في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل يومي؛ ما أدى إلى تضخم الإحساس بالتهديد والخطر.

سادسًا- مجتمع سلطة الاتصال

وصف “مانويل كاستلز” في كتابه “شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت”[16] (2015)، نماذج عالميّة في استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، من بينها الثورة التونسيّة والمصريّة، وبيّن كيف أنّ امتلاك سلطة الاتصال[17](Communicationn Power)، منحت للشباب الفرصة في تحدي السلطة المتضمنة في مؤسسات المجتمع؛ للمطالبة بتمثيل قيمهم ومصالحهم، أي تشكيل سلطة مضادة، وإنشاء دلالة جديدة في العقول، من خلال عملية اتصال أفقي مستقلة عن سيطرة أولئك الذين يتحكمون في الإعلام الجماهيري التقليدي.

وفي غمار بناء هذه السلطة المضادة يتحرك الشباب بعاطفتين: الأولى سلبيّة، وهي الغضب، أي الشعور بالإهانة والاستغلال والظلم، الذي سرعان ما يتم اقتسامه بينهم عبر عملية تواصل، يتداولون فيها ذلك الشعور؛ ما ينجم عنه فعل جماعي، وعلى إثره تأتي العاطفة الثانيّة، وهي الأمل، أي الشعور بالحماس والرغبة في تحقيق هدف نبيل، والسعي إلى بناء مشروع مستقبلي.

“شبكات الغضب والأمل: الحركات الاجتماعية في عصر الإنترنت”

لقد رصد “كاستلز” هذا التأثير في أنحاء مختلفة من العالم، ويجد المتتبع للشأن الاجتماعي في “المغرب” على سبيل المثال تجليات سلطة الاتصال في كثير من الأحداث، التي عرفها “المغرب”، فقد لاحظنا مثلًا إطلاق سراح نشطاء حقوقيين، بعد حملات تضامن في وسائل التواصل الاجتماعي، وتحرك السلطات الأمنيّة لاعتقال مجرمين بعد حملات المطالبة في وسائل التواصل الاجتماعي.

ويتجلى هذا التأثير كذلك على مستوى الميكروسوسيولوجي، ففي بحث سابق عن الشباب واللا مساواة الاجتماعيّة والشبكات الاجتماعيّة[18]، توصلتُ إلى إقرار الشباب باستعمالهم لوسائل التواصل الاجتماعي، وفعاليتها في دفع السلطات للتدخل في قضايا يوميّة، مثل الأمن، وتراكم القمامة، ووسائل النقل، وقد كان الشباب يشعرون أنّها سُلطة في متناول أيديهم يلجؤون إليها لتغيير واقعهم المَعِيش، وإنّ كانت دون رهانات سياسيّة مؤطرة.

خاتمة: هل نودعُ عالمًا ونستقبل آخرَ؟

لا ينبغي أنّ يدفعنا هذا التوصيف لتأثير شبكات التواصل الاجتماعي في عالمنا المعاصر إلى الاعتقاد بأننا فقدنا عالمًا، ودخلنا إلى آخر على نحو كامل بما يمثل قطيعةً مع السابق؛ إذ يجب القبول بكل بساطة بفكرة أنّ طرقنا في التفاعل الاجتماعي قد ازدادت، بفضل التكنولوجيات الرقميّة، بإمكانات عمليّة جديدة من دون أنّ يُعوّض ذلك الطرق السابقة أو يلغيها.

ستيفان فيال

في هذا السياق ينقل “ستيفان فيال” عن “أنطونيو كاسيلي” قائلًا: “لا تحلّ العلاقات الاجتماعيّة عبر الإنترنت بالنسبة إلى مستخدميه محلَّ علاقات العمل، والأسرة، والصداقة، بل تُضاف إليها، لا تمثل التكنولوجيات الرقميّة إذن تهديدًا للرابطة الاجتماعية، بل تؤلف طرقًا متممةً لها”[19].

مهما انتقلنا للعيش بين منصات التواصل الاجتماعي، فنحن في حاجة إلى اختبار كل تلك العلاقات، والعواطف، والتفاعلات في الواقع الفعلي المادي، لقد بيّن الحجر الصحي الذي عاشته بلدان كثيرة في الأشهر الأخيرة تحت تأثير الخوف من فيروس “كورونا”، أنّ الناس مهما تواصلوا في وسائل التواصل الاجتماعي فهم متطلعون إلى عيش الواقع المباشر “الحقيقي”، مُصرين على اللقاء في المقهى، والتجول في الشارع، والغذاء في المطعم، والعمل في المكتب، والاقتناء من المتجر، والتعلم في المدرسة، والحب في الجسد، والغناء في المسرح، والتطبيب في المستشفى، والسفر في الجغرافيا، والاستجمام في الشاطئ.

لن تكون “الحياة عن بُعد” بديلًا عن “الحياة عن قرب”، لا نستعمل “التواصل عن بُعد”، إلا ليوصلنا إلى “التواصل عن قرب”، صحيح أنّ وسائل التواصل الاجتماعي تساعدنا على إنتاج أشكال جديدة للحياة، لكنها لا تنفصل عن الأشكال الأوليّة للحياة، إذا جاز أنّ نستعمل عبارة “دوركهايم” المتجذرة في أنثروبولوجيا الأفعال والانتظام البشريين.

“مارك زوكربرك”

لقد دعا “مارك زوكربرك”[20] في مقال له في “واشنطن بوست” بعنوان “كيف تساعدنا البيانات الضخمة لمكافحة كوفيد-19؟” إلى توظيف “البيانات الضخمة” التي تتوفر عليها منصات التواصل الاجتماعي، بشرط ضمان حماية البيانات الشخصيّة، كشكل جديد من استعمال التكنولوجيا الرقميّة في مواجهة الأوبئة، لكن الهدف إذا أمعنا النظر بسيط للغاية، وهي أنّ تتعافى المجتمعات، ويعود الناس إلى حياتهم العاديّة، أنّ يعودوا إلى المجال العام؛ إلى اللقاء، والتصافح، والتجوال، والعمل، وأنّ يتخلصوا من قلق غريب رافقهم في الأيام الأخيرة، بعد أنّ اعتبروا بعضهم البعض “مجرد ناقلين للعدوى”[21] كما لاحظ الفيلسوف الإيطالي “جورجيوأجامبين”.

Edit

(1)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

(2)

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

 

(3)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

(4)

 https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

 

(5)

 https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

 

 

(6)

https://www.insideover.com/terrorism/treasure-troves-of-terror-jihadists-seizing-gold-mines-in-west-africa.html

 

(7)

https://www.insideover.com/terrorism/treasure-troves-of-terror-jihadists-seizing-gold-mines-in-west-africa.html

(8)

https://www.insideover.com/terrorism/treasure-troves-of-terror-jihadists-seizing-gold-mines-in-west-africa.html

(9)

https://www.insideover.com/terrorism/treasure-troves-of-terror-jihadists-seizing-gold-mines-in-west-africa.html

 

 

 

(10)

                   https://www.newsweek.com/isis-africa-al-qaeda-africa-boko-haram-621443

 

(11)

علي عبدالعال

خارطة الجهاديين في إفريقيا تتسع بتعدد الجماعات

http://islamion.com/news/%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AA%D8%B3%D8%B9-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA/

 (12)

https://www.newsweek.com/isis-africa-al-qaeda-africa-boko-haram-621443

(13)

علي عبدالعال

خارطة الجهاديين في إفريقيا تتسع بتعدد الجماعات

http://islamion.com/news/%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AA%D8%B3%D8%B9-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA/

(14)

https://www.newsweek.com/isis-africa-al-qaeda-africa-boko-haram-621443

 (15)

                   https://www.newsweek.com/isis-africa-al-qaeda-africa-boko-haram-621443

 

(16)(17)

علي عبدالعال

خارطة الجهاديين في إفريقيا تتسع بتعدد الجماعات

http://islamion.com/news/%D8%AE%D8%A7%D8%B1%D8%B7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%87%D8%A7%D8%AF%D9%8A%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D8%AA%D8%B3%D8%B9-%D8%A8%D8%AA%D8%B9%D8%AF%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA/

 

(18)

محمد محمود أبو المعالي، التنافس بين “الدولة الإسلامية والقاعدة يشعل الصحراء الكبرى”، الدوحة: مركز الجزيرة للدراسات 01/07/2015، ص7.

 

(19)

ثلاث شخصيات تهيمن على المشهد الجهادي في الساحل عقب مقتل زعيم تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، فرانس 24، 08/06/2020

https://bit.ly/3dYfiPD

 

(20)(21)

                   https://www.newsweek.com/isis-africa-al-qaeda-africa-boko-haram-621443

(22)

https://mneguidelines.oecd.org/Assessment-of-the-supply-chains-of-gold-produced-in-Burkina-Faso-Mali-Niger.pdf

(23)

               https://www.theportal-center.com/2020/04/isis-on-the-african-coast-a-clash-of-influence-and-oil/

 

(24)

https://www.reuters.com/investigates/special-report/gold-africa-islamists/

 

(25)

https://www.iamgold.com/English/operations/operating-mines/essakane-gold-mine-burkina-faso/default.aspx

 

(26)

https://www.reuters.com/investigates/special-report/gold-africa-islamists/

 

(27)

https://www.reuters.com/investigates/special-report/gold-africa-islamists/

 

(28)

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

 

(29)

https://www.reuters.com/investigates/special-report/gold-africa-islamists/

 

(30)

https://www.insideover.com/terrorism/treasure-troves-of-terror-jihadists-seizing-gold-mines-in-west-africa.html

 

(31)

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

(32)

https://www.reuters.com/investigates/special-report/gold-africa-islamists/

 

(33)

https://www.insideover.com/terrorism/treasure-troves-of-terror-jihadists-seizing-gold-mines-in-west-africa.html

 

 (34)

https://www.reuters.com/investigates/special-report/gold-africa-islamists/

(35)(36)(37)

 

https://www.dw.com/en/burkina-faso-a-terrorist-gold-mine/a-51287073

 

(38)

 

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

(39)

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

 

(40)

https://www.iamgold.com/English/operations/operating-mines/essakane-gold-mine-burkina-faso/default.aspx

(41)

https://www.garda.com/crisis24/news-alerts/161646/burkina-faso-armed-attack-in-essakane-northeast-october-3

 

(42)

https://www.mining.com/isis-claims-kidnapping-killing-canadian-geologist-burkina-faso/

 

 

(43)

 

https://smallcaps.com.au/canadian-gold-mining-convoy-semafo-ambushed-terrorists-burkina-faso/

 

(44)

https://investingnews.com/daily/resource-investing/precious-metals-investing/gold-investing/miners-burkina-faso-locking-down-operations/

(45)

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

(46)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

 

(47)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

(48)

https://jamestown.org/program/burkina-faso-jihadists-ethnic-strategy-and-the-koglweogo-problem/

 

(49)

 

https://www.nytimes.com/aponline/2020/05/09/world/africa/ap-af-burkina-faso-mines-militants.html

 

(50)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

(51)

https://apnews.com/972750896397e5cdc32cfb9d42929934

(52)(53)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

(54)

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/274-tchad-sortir-de-la-confrontation-miski

(55)

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/274-tchad-sortir-de-la-confrontation-miski

(56)

https://www.marefa.org/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A8%D9%88#.D8.A7.D9.84.D8.AA.D9.8A.D8.AF.D8.A7

 

(57)

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/274-tchad-sortir-de-la-confrontation-miski

 

(58)

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/274-tchad-sortir-de-la-confrontation-miski

 

(59)

https://www.crisisgroup.org/africa/central-africa/chad/274-tchad-sortir-de-la-confrontation-miski

(60)

https://ar.haberler.com/arabic-news-449732/

(61)

https://www.crisisgroup.org/africa/sahel/burkina-faso/282-reprendre-en-main-la-ruee-vers-lor-au-sahel-central

Edit

– Agences Nationale de Règlemetation des Télécommuications, Usages des TIC das les ménages et par les individus (Année 2017), Synthèse des résultas, September 2018.

– Byung-chul Han, In the Swarm: digital prospects, Translated by Eric Butler, Massachusetts Institute of Technology, 2017.

– DIGITAL 2019, Global Digital Yearbook. Hootsuite. January 2019.

– https://datareportal.com/reports/digital-2019-morocco

– Joanne Hinds and Adam Joinson, Human  and Computer PersonalityPredictionfrom Digital Footprints, Association for Psychological Science, 2019, Vol 28 (2), Issue 2, 204-211.

– Manuel Castells, Commuication power, Oxford UiversityPress, Oxford, 1st  edition, 2009.

– Manuel Castells, Networks of Outrage and Hope: Social Movementsi the Internet Age, PolityPress, 2ndedition,2015.

– Wu Youyou, Michal Kosinski, and David Stillwell, Computer-basedpersonalityjudgments are more accuratethanthose made by humans, PNAS, January 27, 2015 112 (4) 1036-1040.

– Mark Zuckerberg, How data canaid the fightagainst covid-19?, The Washington Post, 20 april 2020.

– https://www.washingtonpost.com/opinions/2020/04/20/how-data-can-aid-fight-against-covid-19/

– “إلزاغودار”، أنا أوسيلفي إذن أنا موجود: تحولات الأنا في العصر الافتراضي، ترجمة “سعيد بنكراد”، المركز الثقافي للكتاب، الطبعة الأولى، 2019.

– “بيونغ شول هان”، مجتمع الشفافيّة، ترجمة “بدر الدين مصطفى”، مراجعة “جواد رضواني”، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، الطبعة الأولى، بيروت، 2018.

– “ستيفان فيال”، الكينونة والشاشة: كيف يغير الرقمي الإدراك، ترجمة “إدريس كثير”، مراجعة “بدر الدين عرودكي”، هيئة البحرين للثقافة والآثار، الطبعة الأولى، المنامة، 2018.

–  “عبدالله المتوكل”، مخاطر التكنولوجيا الحديثة على العلاقات الاجتماعية، قراءة في كتاب وحيدون ونحن معا لـ”شيري توركل”، مجلة ألباب، العدد 14، شتاء 2019، محكمة تصدر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث.

– “يونس الوكيلي”، الشباب واللا مساواة الاجتماعية في مدينة الدار البيضاء: أشكال إدراك الهامش والتعبير عنه في الشبكات الاجتماعيّة، بحث أُنجز بمنحة من المجلس العربي للعلوم الاجتماعية ببيروت، 2019.

–  “جورجيوأجامبين”، كورونا: علينا أنّ نقلق أكثر ونفكر أكثر، ترجمة عن الإيطالية “سولارا شيحا”، موقع الحل، 13 أبريل 2020.

https://7al.net/?p=161048 –

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

دراسة

د. يونس الوكيلي

المعهد الجامعي للبحث العلمي جامعة محمد الخامس- الرباط

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search