ثقافة وفن

فتنة بفستان محتشم.. ما تفعله مدربة رقص شرقي في الصعيد

أظن أنني رأيتها بحاسة سادسة أو ربما سابعة، حاسة تجعلك أكثر شعوراً بالأشياء لتمتصها وتستشعرها بحواسك الخمسة في نفس اللحظة، كانت تتمايل داخل فستانها البسيط في أحد جوانب قاعة الفرح على مقربة من المسرح الذي يعلوه كوشة العروس.

“لي لي” تلتهم الألحان

بينما كان الجميع يلتهمون قطع “الجاتوه” المقدمة لضيوف الزفاف آخر تلك الليلة، كانت هي تلتهم لحن رقيق لم أتخيل أنه يصلح للرقص، خصوصاً في القاعة التي كانت تضج طوال الليل بصوت المغنيين الشعبيّين، وأغاني الاحتفالات، والرقصات العُصابية التي قدمها بعض الحضور، المتمثلة في حركات عشوائية تحاول التعبير عما يقذفنا به المؤدي من كلمات عشوائية تتداعى على طبقات متفاوتة من الأنغام.

لم أكن أدري أنه يمكن للمرء أحياناً أن تتسلل إليه الأشياء لتحتل قلبه دون مجهود قبل ذلك اليوم، لأوقن أن القلب حاسة سادسة يمكن أن ندرك به فقط الجمال الأخّاذ، فرأيتها بقلبي، أو ربما رأيتها مثلما هي جعلتني وجعلت الجميع يراها، حين بدأ لحن “زي الهوى” لعبد الحليم حافظ يتهادى في القاعة كعلامة على أن الجميع أخذوا فاصلاً ليستريحوا قليلاً من مراسم احتفالهم الصاخب بصحبة “الجاتوه”.

الهدنة من الضجيج، على شكل أغنية كلاسيكية هادئة، كانت بداية الحفل الخاص للراقصة الرقيقة ذات الجسد الغض الطويل مثل عود ريحان متراقص بفعل نسمات الربيع الهادئة، تقف بعيداً عن العيون بجانب طاولتها، وكأن هذا اللحن أيقظ فيها شهوة الاحتفال والمشاركة في الفرح أخيراً.

قاعة أفراح
قاعة أفراح

أحاطت السيدة خصرها بإيشارب من الدانتيل الأبيض الشفاف، وكانت يداها مفتوحة وأصابعها تأخذ وضع التأهب آخر ذارعيها المنتصبين بخفة، وخصرها الرفيع يتحرك دائرياً حول ذاتها في هدوء وانسجام، وكأنك ترى حلم من سلامها النفسي البادي على ملامحها، وانفصالها عن نظرات الإعجاب أو المقت التي استطاعت في حركتين أن تثيرهما حولها.

تتسع بعدها خطواتها في حركة دائرية، ثم تعود بعدها بخطوتين إلى الأمام، وخطوتين إلى الخلف بخفة وانسجام رائعين، لتقفز على مقدمة ذاكرتي بطلة قصة “أكان لابد أن تضيء النور يا  لي لي” ليوسف إدريس، التي أخذتُ أقرأها ليلتين متتاليتين لدقة تفاصيلها، وتناقض المشاعر الناتجة عنها.

لي لي” التي فتنت القراء وهي سارحة على سطور الحكاية بغرور، وبسيطرة خفية مختبئة خلف ادعائها بأنها لا تهتم، ها هي تتجسد أمامي في تلك الحسناء، وجدتُها فجأة فسِرتُ وراءها مسلوبة الإرادة بعيداً، حتى ارتطمت بالشجن الذي أثارته فيما يقطع “حليم” الكوبليه الموسيقي الطويل أخيراً التي تتمايل عليه “لي لي” بصوته العذب معلناً هو الآخر احتفاله بـ”زي الهوى يا حبيبي زي الهوى“، ليقف جسدها معلناً استقامته بشكل مفاجئ.

يرتعش الخصر برقة تصل بالتدريج إلى صدرها ثم كل أطرافها، حتى يأتي الدور على شعرها الذي أخذت تحركه بحركة رأسها المتأثرة بنعومة اللحن في شكل شكوى واعتراض على ما يحدث للقلب تحت تأثير جملة “وآه من الهوى يا حبيبي آه من الهوى”، وعيناها مغمضتان تائهتان فيما يفعله الهوى.

تنزل أرضاً بالتدريج، تريح جسدها للأسفل مع ثني ساقيها وخصرها الرقيق حين تدري بأن “في عز الكلام سكت الكلام“، لتعود لتقف بشموخ، ثم تضربها الجملة بقسوة مرة أخرى، فيسقط جسدها حتى تأتيها اليقظة من إلهام داخلي، فتفتح عينيها وتبدأ يداها تمثل في حركة تعبيرية معبرة بمعنى ما عن الاعتراض والرفض.

تؤدي الحركة بصحبة باقي جسدها، وهي تبتسم بحزن على نكبة حليم حين أقر بحسرة “وأتاريني ماسك الهوى بأديا ماسك الهوى“، لتختم بؤسها الشهيّ بلف خصرها بشكل دائري يأخذ وضع الميل مع رعشة هادئة حزينة إلى الخلف حين يصل لأذنيها “وآآآه من الهوى يا حبيبي آآآه من الهوى“.

ترددتْ بين خلجاتي مع شهيقي الطويل جملة قرأتها في قصة “لي لي” حين قال البطل في رجاءٍ: أغثني يا إلهي! أدركني! ساعدني ..أنا في الهاوية .. من ينتشلني سواك” ولا أعلم لماذا حضرت هذه الجملة بهذا الإلحاح حين عدت إلى وعيي وتأملت نفسي والحضور.

إقرأ أيضا: يا بمبة كشّر.. يا لوز مقشّر.. سيرة الفراشات.. وراقصات آخر زمن!

بفستانٍ ليس عاري الصدر

ماذا فعلت بي “لي لي“؟ وكيف عاشت داخلي أعوام؟ هذا ما سألت عنه نفسي بعدما شاهدت بعين مراهقة صغيرة شيئاً من الحياة ومتعتها في رقصة مكدسة بإحساس مرهف يصل عبر الفراغ ليملئ كل فراغ، وبفستان ليس عاري الصدر، أو ضيق الخصر، أو مكشوف الساق، أخذت الفتنة طريقها إليِّ فتعرفت عليها وسكنتني.

الفتنة؟ وبحضرة فستان محتشم؟ وتمايل ناعم لجسد أنثى بسيط التفاصيل، هذا وصف مستحيل بمقاييس اليوم، خصوصاً وأنت تشاهد رقصاً شرقياً.

لم تكن تلك الفتنة وذلك الانبهار بما فعلته فيّ لي لي أثناء تأديتها لتلك الرقصة الصغيرة أمر يمكن تجاوزه. لقد لمست شيئاً داخلي نتشاركه معاً: الغرق في غرام الرقص الشرقي حتى الثمالة.

لأيام طوال أخذت أطفئ أضواء غرفتي وأغلق بابها، وأنا أقف بجسدٍ لم تكتمل ملامحه بعد، أمام شاشة التلفاز التي تعرض في المساء رقصات من الزمن القديم على اللحان كلاسيكية، لتستفز نعيمة عاكف، ذات الابتسامة الأروع والوجه المذهل، بداخلي رغبة اكتشاف متعة خاصة مُنكَّهة بكل ما هو مبهر في الحياة بنفسي.

أمام نعيمة أقف معصوبة الخصر، مغمضة العينين، في ظلام غرفتي لا أنظر إلى جسدي الضئيل، ولا إلى مرآة تفتنني، أفتح يدي بعرض الغرفة، وأترك خصري يميل على إثر ما أسمعه، وما تختزنه ذاكرتي من حركات نعيمة، وهي تطير برفق في ثياب الغجر، وصوت فايزة أحمد ينبعث من شاشة التلفاز بأنغام الـتمر حنة، فاذهب بعيداً جداً حيث كانت تحلق لي لي لأجد متعة لا تُوصف.

ماذا جرى لـ “لي لي”؟

بعد لي لي، وبقليلٍ من الاجتهاد الذاتي، اكتشفتُ مرة بعد مرة أنني قادرة على التحكّم في جسدي، ثم أخذ هذا التحكم شكلاً آخر وهو التعايش مع الموسيقى وتكوين حالة مرئية، يمكن التحدث والحكي والشكوى والفرح والعتاب أن يحدث من خلالها وداخلها، وأن يصل للآخرين مثلما أشعر به وأكثر.

جاءت رغبتي في التطور مع بداية تغير ملامح جسدي، وشعوري بعدها بأنني أستطيع أن أمارس الرقص مع إضافة لمسة أنوثة يانعة، فكنت في البداية لا أستطيع استخدام العصا أو الرقص على اللحان هادئة لوقت طويل، ألحان تحتاج إلى شعور الجسد بها بشكل أعمق مع تحكُّم صعب بأصغر العضلات وأدقها.

ذهبت في رحلة تعلم ذاتية، أمارس تمارين يومية من خلال الاستماع للحن الواحد مرات عديدة، وإطلاق العنان لأفكاري حول كيف يمكن أن أحُرِّك على هذه المقطوعة هذا الجزء من جسدي بأشكال مختلفة، والتمرّن على هذا، أنجح مرة وأفشل أخرى.

تركتُ نفسي لشغفي بمتابعة أي راقصة تؤدي أو تتحدث عن الرقص الشرقي عبر شاشة التلفاز. كانت تلك نافذتي الوحيدة على العالم، وكانت هذه الطريقة تضيف إليّ الكثير، فانجذب لأي عرض شرقي حتى وإن كان يقدمه رجل، فكل ما يستحوذ على عقلي هو الأداء، والتعايش مع النغم، وإحساس من يقدمه به، هذا الإحساس يصلني فـانتشي.

عام 2007 عُرض لأول مرة برنامج كانت تقدمه الفضائية اللبنانية “الـ بي سي” بعنوان “هزي يا نواعم”، كنت في الـ 14 من عمري، وكان هذا البرنامج عبارة عن مسابقة للرقص الشرقي يقوم على التحكيم فيها 3 من عمالقة وصناع الرقص الشرقي في الشرق، هم نجوى فؤاد ونادرة عساف ومدرب الرقص المصري ظاظا حسن، ومن إخراج وإشراف اللبناني سيمون أسمر، وتقديم يوسف الخال.

عُرض “هزي يا نواعم” على مدار موسمين، قدم من خلاله عدد كبير من مؤديات الرقص الشرقي من شتى دول العالم، عروضاً بحرفية كبيرة وبشكل متناغم متكامل تجتمع على طاولته كل تفاصيل الرقص الشرقي.

تابعت الموسمين بشغف وتركيز، كنت أشعر أنني متسابقة معهم؛ أقلد حركاتهم أثناء التدريبات والعروض، أتنبأ بمن كانت الأفضل لليوم ومن التي سيتم استبعادها، استمع لنصائح الحكام وتعليقاتهم.

رغم صغر سني، ودسامة المادة المقدمة من تدريبات قاسية، وتنوع كبير في تقديم الرقص والتابلوهات، واعتراض أهلي على متابعتي لبرنامج مثل هذا (اعتُبر آنذاك انحلال ممنهج موجه لهدم قيم المجتمع العربي) إلا أن البرنامج كان ربط بيني وبين الرقص الشرقي بشكل لا محيد عنه.

بعد 6 سنوات حين بدأت أجيد الرقص الشرقي أخذ شغفي يحركني نحو نقل تلك الإجادة للآخرين، فكانت البداية حين قدمت أساسيات الرقص الشرقي في عدة مدارس للرقص والرياضة خارج مصر ثم داخلها في القاهرة.

بلاي دانس في أسيوط

بلاي دانس
بلاي دانس

كان الأمر فاتناً وجميلا، رغم أخذه للشكل التجاري لاقتصاره على اكتساب المتدرِبة لليونة والحركة، ومحاولة دمج جسدها على أنغام شرقية، وكنت دائماً أحاول حقن المتدربات بجرعات مكثفة من الشغف بما يفعلن.

بعد استقراري في محافظة أسيوط بصعيد مصر لظروف الدراسة والعمل، اقترحت علي صديقة تعمل كسكرتيرة في نادٍ أتردد عليه لممارسة الرياضة، فتح صف لتقديم الرقص الشرقي.

بعد شد وجذب جاءت الموافقة، مع تحفظات كبيرة: استخدام كلمة “بلاي دانس” بدلاً من رقص شرقي، الالتزام بملابس محتشمة أثناء التدريب، واعتماد نظام الترفيه في تقديمه، أي أني أقوم بتأدية رقصة على إحدى الأغنيات التي تصلح للرقص وخلفي مجموعة من الفتيات يحاولن القيام بنفس الحركات.

مديرات النادي وضعن هذه التحفظات حتى يحتفظن بسمعتهن والابتعاد عن الشبهات واحترام تقاليد المجتمع المحافظ، واستمر الوضع إلى وقت لا بأس به، فمنذ اليوم الأول لقي الصف اهتمام بالغ من الفتيات والسيدات، وأصبح لي حصة بمعدل مرتين في الأسبوع بدلاً من مرة.

كنت أعاني وقتها من أمرين: العدد الكبير في الصف الواحد، والثاني هو تفاوت مهارات الفتيات في الصف الواحد، فليس جميع منْ في الصف يستطيع إكمال الرقصة بحرفية أو حتى القيام بما أقوم به.

فاقترحت على الإدارة تقسيم الفتيات إلى مستويات وجاء بعدها الرفض مباشرة مع ملاحظة أنه يجب عليّ أن التزم بثياب رياضة مريحة وليس “ثياب الرقص الفاضحة”.

بالتدريج ازداد الطلب على تعلم الرقص الشرقي بشكل مبالغ فيه وملحوظ جداً في مجتمع محلي صغير محافظ مثل أسيوط، وتزامن هذا التغير مع بداية ظهور “صافيناز” عقب الاستعانة بها في مشهد قصير، لتؤدي رقصة على أغنية الراحل وديع الصافي على رمش عيونها، بأحد الأفلام التجارية.

لاقت “صافيناز” وقتها إعجاباً هائلاً في العالم العربي، لتظهر بعدها العديد من الراقصات الأجنبيات يؤدين الرقص الشرقي بمرونته وحركاته على إيقاع شرقي بأجساد مذهلة، ولكن للأسف بغياب تام للإحساس بما يفعلن.

ازداد الطلب على الرقص الشرقي من قبل الفتيات في مصر في ظل تعلق الرجال بالراقصات الأجنبيات. لقد عاد الرقص الشرقي إلى الملعب، حتى وإن كانت عودته هذه بثوب جديد يخلو تماماً من أهم عناصر الرقص الشرقي وهي خلق حالة حيّة وبديعة.

تلك الحالة التي كنا نلمسها في رقصات الأفلام من بداية الثلاثينيات حتى ثمانينيات القرن الماضي، والتي تلاشت تقريباً في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لاقتصار فقرة الرقص في معظم الأفلام على راقصة واحدة تظهر وتؤدي بنفس الطريقة في كل مرة، أو من خلال صناعة عمل سينمائي يخلو من وجود راقصة من الأساس.

وبموازاة ذلك، بدأت حفلات الزواج تخلو من العوالم والراقصات، وأصبحت هذه العادة مقتصرة على بعض الفنادق الكبيرة، فيما حلَّ الرقص الشعبي بديلاً للشرقي في أفراح الأحياء الشعبية، وظهرت مؤخراً صوراً ومقاطع مصورة لفتيات يرقصن بالأسلحة البيضاء فيما يؤدين حركات تعبيرية عشوائية.

استمر هذا مع جيلٍ بأكمله حتى عادت الرغبة في أداء الرقص الشرقي مجدداً، ولكن هذه المرة كانت الرغبة متعلقة بإتقان الفتيات لحركات بالغة الإثارة ليصبحن على نفس مستوى الراقصات الأجنبيات التي ملئن الشاشات اليوم، بغض النظر عن خضوع هذا الأداء لقواعد الرقص الشرقي. فمن بين كل 20 فتاة درّبتُها، اثنتان فقط يمكن اكتشاف مشروع راقصة شرقية فيهما.

فصل سري لتعليم الرقص الشرقي

الرقص الشرقي
الرقص الشرقي

قُدمت طلبات بعد ذلك من قِبل زبائن صالة الرياضة إلى الإدارة، لإنشاء فصول تعليم الرقص “خطوة بخطوة”، وليس لتقديم ساعة ترفيه يرقص فيها الجميع سواء أكانوا قادرين على إتمام الحركات أم لا. كانت الطلبات مقدمة بالتحديد من قِبل فتيات مقبلات على الزواج.

بعد نقاش مرهق طويل وافقت الإدارة على فتح فصل “سري” لثلاث فتيات مقبلات على الزواج. كانت المفاجأة أن كل فتاة دفعت مبلغاً كبيراً مقابل الحصول على الخدمة وهو أمر لم يحدث من قبل، ومع المفاجأة كان هناك مأزق، هو أن أمامي شهر ونصف لأنهي مهمة تحويل 3 فتيات لا يستطيعن تحريك أي عضلة في جسدهن إلى رقصات أو على الأقل مؤديات بشكل جيد.

كانت هذه بداية اتخاذي لمنهج التعليم في أسيوط عوضاً عن تقديم عروض فحسب، فوضعت منهجاً لكل فتاة على حدة بعد اختبار صغير لأستطيع تقييم إلى أي مدى تصل في الرقص.

وكان الاختبارات الثلاثة محبطة، فجميعهم يمكن تقييمهم بالرقم صفر، فتم تقسيم “الكورس” إلى 3 مستويات: الأول يتم العمل فيه على عضلات الجسم ومرونته، ومدته 12 ساعة، ساعتين كل مرة أي 6 مرات في المجمل، والثاني 8 ساعات أي 4 مرات ليتم دمج ما تم تعليمه أثناء المستوى الأول مع الموسيقى في المستوى الثاني، أما المستوى الثالث فلم أحتج إلى استخدامه لكونه احترافياً نقوم فيه بخلق حالات من الرقص تُرى وتعاش وهذا غير مطلوب في سوق تجاري بحت.

تدريب الفتيات الثلاث كان بداية تعرفي على ضغوط المهنة، فكنت مطالبة بالسرية التامة من قِبل الإدارة حتى تحتفظ بسمعتها، ومن قبل الفتيات لأسباب تخص المجتمع وتخصهم، بالإضافة إلى قصر الوقت الذي من المفترض أن أنجز مهمتي فيه، في ظل ظروف معاكسة تعيشها الفتيات مثل عدم تفرغهم للقيام بالتدريبات المنزلية الواجبة بسبب ضيق وقتهن فهم على وشك الزفاف.

إحداهن سقطت ضحية حالة من التوتر لأن خطيبها مقتنع تماماً أنها راقصة محترفة بناء على ما قالته له في السابق، وبالتالي كان عليّ أن أجعلها “محترفة” بأي شكل وتحت أي ظروف، تذكيري بهذا يومياً كان يضع المزيد من الضغوط علي، فضلاً عن ضغوط الإدارة التي تسلمت مبالغ كبيرة لتعليم الفتيات، ومن ثم كانت تتابع جميع التطورات معي.

تمت المهمة أخيراً بعد وقت قصير، وبنتائج مُرضية جداً لهم ولِي، شعرت وقتها أني أؤدي مهامي كما أتمنى. استطعت تحويل أفكاري إلى واقع مرئي، ولكن شيئاً ما داخلي كان يسبب لي ضيقاً في القلب يقول لي هذا ليس رقصاً شرقياً، هذا عمل تجاري بارد، وخالٍ من الابداع، وكنت أحاول إقناع نفسي بأن هذا بداية لتعلم طرق الإبداع وإن بلسان متلعثم.

لاحقاً انهالت عليّ العروض من قِبل صالات منافسة، وفي مجتمع صغير مثل أسيوط من السهل أن تحقق انتشاراً في وقت معقول، بالأخص إن كنت تقدم شيئاً كالرقص، ولكن مع هذا لم أعد الوحيدة، فظهرت الكثير من مؤديات الرقص في صالات الرياضة الخاصة بالسيدات، يقدمن الرقص كرياضة لمدة ساعة ضمن رياضات الصالة فقط، وليس كمنهج تعليمي قوامه الشعور والإحساس والقدرة على التنوع وتقديم كل ألوان الرقص والتحكم الشديد في تفاصيل الجسد.

أعطيت موافقتي على العمل في مكانين آخرين، إلى جانب استمراري في العمل بالصالة الأولى، وبشروط وضعتها بنفسي هذه المرة، ولكن سرعان ما باءت هذه المحاولات بالفشل لأسباب تعود لسوء الإدارة.

في عودة سريعة للقاهرة، قدمت ورشة صغيرة تستهدف إذابة الفرق بين أن تكون الفتاة مؤدية للرقص، وبين أن تكون راقصة تشعر وتعيش ما تقدمه، أي دمج الأداء وجمال القوام مع روح الرقص الشرقي فتكون الصورة النهائية مرضية حقاً.

كنت مدفوعة بالإثارة الناجمة عن مشهد رقص صغير جداً تؤديه الممثلة المصرية ياسمين رئيس بنهاية فيلم “فتاة المصنع”، ياسمين كانت ترقص بفستان خمري اللون بسيط ومحتشم، بشعرها القصير وجسدها الناعم وخصرها المعصوب بإيشارب وردي، ونظرات عيناها تشارك جسدها الانتشاء بالرقص في انسجام مثالي مع لحن “أنت عمري”.

المشهد أيقظ داخلي، وداخل كل متذوق للرقص الشرقي، شعوراً بالخفة المختلطة بالنشوة والرغبة في المزيد من هذا الأداء الجميل، فاستطعت تحويل 4 فتيات مؤديات للرقص بشكل جيد إلى “لوحات متحركة” تختلف كل واحدة منها عن الأخرى.

شعرت بشيء من الرضا وقتها، واستعدت من خلال هذا الشعور الكثير من شغفي والرضا عن ذاتي، ورغم أني أنهيتُ تلك الفترة بتمزق مضاعف في أربطة قدمي أثناء التمرين إلا أنني استطعت أن أحافظ على اتزاني النفسي.

“عشان يبطل يبص بره”

تدريب رقص شرقي
تدريب رقص شرقي

في عودة جديدة لأسيوط وبعد مرور عامين ونصف على افتتاح صف الرقص الشرقي، لاحظت تغييرات جوهرية، أهمها استبدال اسم صف “البلاي دانس” إلى “رقص شرقي”، وصارت هناك ورش في معظم صالات الرياضة بالمحافظة، وبشكل رسمي مرفق بإعلان على صفحاتهم على وسائل التواصل وجداول للمدربات.

بحكم الخبرة أمتلكت الشرعية لأقرر الطريقة التي أحب أن تجري بها الورشة بداية من شكل الثياب حتى أجر الساعة، فتقدمت للورش النساء من كافة الأعمار والمستويات الاجتماعية.

تزداد دهشتي، كل يوم عن سابقه، من الشكل والأهمية التي أصبح الرقص الشرقي يحتلها بدافع وجوده المُستعاد في السينما، فضلاً عن المتابعات الخيالية التي حققتها الراقصات الأجانب من خلال إطلالتهن على منصات التواصل الاجتماعي، أو العمل بالملاهي والفنادق في المناطق السياحية.

إلى ذلك يُضاف أنه يتم اعتبار أي فتاة تستطيع الرقص جذابة ومثيرة، حتى إن الفتيات المتقدمات لدروس تعلُّم الرقص أصبحن أكثر جرأة في عرض احتياجهن لأن يصبحن مثيرات.

ففي البداية كانت تبريرات السيدات لرغبتهن في تعلم الرقص أنهن بحاجة لاستعادة ليونة جسدهن وخفته، والحفاظ على صحتهن، وخسارة الوزن الزائد المصاحب للولادة والزواج والعمل الروتيني، كل تبدل اليوم بوضوح إلى “زوجي يحب الشرقي” و”الأجانب خربوا الدنيا” و”عشان يبطل يبص بره” و”عندي حنة صاحبتي وعايزة أخد العين” و“كل الرجالة بتحب الشرقي وعشان لما أتجوز” إلخ.

يحبون الرقص ويكرهون الراقصة

الرقص الشرقي
الرقص الشرقي

اختفت أيضاً تحديات أخرى كنت أشعر بضغوطها البالغة في البداية، فحين كنت أعلن من خلال صفحتي على “فيسبوك” عن مواعيد الساعات الخاصة بي في الصالة كنت أتعرض للكثير من الهجوم بحجة أن الرقص الشرقي عيب وحرام وقلة حياء ولا يجب الإعلان عنه بكل هذه الجرأة.

وعلى جهة أخرى تعرضت للتحرش من قِبَل رجال في قائمة الأصدقاء أو خارجها سواء من حسابات حقيقة أو زائفة، وبعضهم عبر عن فضوله لرؤيتي وأنا أرقص.

أما الفتيات فكنّ يأتين ليحضرن الصف الذي يُقدم بشكل ترفيهي بدافع الفضول أو الفرجة على الفتاة التي تدرب الرقص الشرقي في المساء، وفي الصباح تذهب معهن إلى الجامعة.

أما أصعب مشكلة مررتُ بها آنذاك فكانت حين رأى أحد أقاربي إعلان باسمي على صفحة الصالة التي أعمل بها، شاركته على صفحتي الشخصية فروَّج بين أفراد العائلة أنني أصبحت “رقاصة في مصر“، وانتهى الأمر بتدخل أمي بإيضاح حقيقة الأمر للعائلة.

أما أكثر التحديات صعوبة والتي كانت تؤثر تأثيراً بالغاً على نفسي يصل إلى تجمُّد أدائي وضعفه، فهي تكرار تأدية الرقص الشرقي كساعة رياضية ترفيهية، ورغم أني بدأت العمل وفقاً لهذا الإطار بالتحديد إلا أنني أصبحت أجد صعوبة كبيرة في الاستمرار بتقديم هذا النمط لوقت طويل: أغانٍ متواصلة متنوعة لمدة ساعة بإيقاعات سريعة ومشهورة بصلاحها للرقص، ومواكبة للتريند، مع تأدية حركات ثابتة جامدة بسيطة أحياناً حتى يستطيع كل الفصل الدراسي الاندماج والاستمتاع بهذه الساعة.

لازال هذا يُشعرني بأني غارقة في روتين ممل جداً، روتين يتعلق بمحاولة إرضاء الجميع، وهذا يستحيل أن يُجمع هو والمتعة، إلا تحت ظروف معينة متعلقة بقلة عدد المتدربات وتقارب مستواهن، وإعطائي الحرية الكاملة في اختيار الأغاني.

فصف الترفيه لا يتوازن مع منهجي في التدريب ونظرتي للرقص الشرقي، فتكون النتيجة غير مرضية ومملة وتقليدية، حتى إنني كنت أسمع بنفسي نقداً من قبل بعض الفتيات حول ما المبدع فيما أقدمه! إنهن يجدن الأمر عادياً، ومعهن الحق طبعاً.

لكن حين صادفتني إحداهن ذات مرة أرقص على “قارئة الفنجان” كتدريب خاص بي قبل بدء ساعة التدريب/الترفيه، علت الدهشة ملامح وجهها، وراحت تثرثر بما رأته لكل زميلة لها في الصف بشكل يكسوه الانبهار وبحماسة طفولية جداً.

خاتمة للجمال البحت 

سامية جمال
سامية جمال

لي لي ونعيمة وكاريوكا وسامية ونجوى وغيرهن من خالقات البهجة في حياتي، أخذن موقف من الحياة بالرقص، نعم هذه فلسفة شخصية تخلّقت داخلي منذ لجأتُ للرقص مئات المرات:

كلما هُزمت من الحياة أو انتصرت على طرف فيها أرقص، أدع جسدي يثور، أُغمض عيني، أنثر شعري حول عنقي الممتد بفخر كعلامة على إثبات الوجود وإصرار على الاستمرار، أداعب الهواء بيدي وخصري المنطلقين في فراغه. حيث تتخلق داخلي من جديد الرغبة والانتشاء لتظل تتضخم وتفتح لي نوافذ جديدة تجعلني أُطل من خلالها على أي حلم بعيد أريد أن أحياه، وأركض فيه كطفلة صغيرة، أو كامرأة بالغة فاتنة لعوب، أؤديه بقلبي فينبُت حباً في كل القلوب.

أُطلق عنان أطرافي في أرجاء المكان فتقفز بدلال بالغ تارة، وغضب بالغ تارة أخرى، وعنقي المغرور منثور حوله شعر مموج يؤدي دوره كما يجب في هذه المعزوفة المشاغبة.

تنطلق صرخات وضحكات وأنين تدقه عضلات بطني وصدري وظهري في انسياب بالغ الدقة، وكأني قطعة من بلاد العجائب التي خلقتُها في دقيقتين على لحن يقود كل من يراه كـأرنب عوليس الأبيض، حيث الأحلام المستحيلة، فأشعر بقيمته أكثر في حياتي وأهمية نقله لغيري ليحيا أكثر، أورثه للآخرين من خلال الدروس وكأنه مكتوب عليّ أن أصونه وأنقله بأصوله التي يتربع على قمة هرمها: الإحساس به أولاً، والعيش معه ثانياً، وجعله حالة تعاش في النهاية.

هدير جمال

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى