زوايا

فخري عبد النور .. حكاية صاحب هتاف “يحيا الهلال مع الصليب”

من الأكيد أنه سيكون مفاجئا للبعض أن يعرفوا أن الرجل الذي سنتحدث عنه اليوم هو صاحب شعار: “يحيا الهلال مع الصليب”، الهتاف الذي تحوَّل سريعًا إلى أيقونة، وعنوانٍ لثورة 1919 في الداخل والخارج.

كان الشاب فخري عبد النور، الذي ينتمي إلى عائلة عريقة من مديرية “جرجا” مُتحقِّقًا اجتماعيًّا ووظيفيًّا وعلميًّا، قبل أن ينجرفَ في الطريق الثوري. فقد كان قنصلا شرفيًا لألمانيا في الصعيد، ويعمل وكيلاً للبنك المصري، ويشارك في إدارة أملاك العائلة.. لكن النداءَ الوطني كان أقوى وأنبل من كل ذلك.

هناك علامات مهمة في مسيرة الوحدة الوطنية التي تحقَّقت في تلك الفترة، والتي يعود إليها المؤرخون والكُتَّاب، ويكررونها عندما يسطرون لتلك المرحلة. من تلك العلامات: الشعارات، وانتماءات القادة، وتآخي الأزهر والكنيسة.

 

مسيرة فخري عبد النور الشابُ الوفديُّ الثوريُّ، العابرُ بحبِّه للوطن ولثورته فوق كل العقائد، تُشكِّل ملمحًا أكثر شمولاً من كل ذلك!

وكان “عبد النور” قد حرص على أن يكون هناك تمثيلٌ للأقباط في الوفد المصري الذي اعتزمت الأمة تشكيلَه للسفر إلى باريس؛ للمطالبة باستقلال البلاد أمام مؤتمر الصلح هناك. بل بادر هو واثنان من الشباب الوطني القبطي بالذهاب إلى “بيت الأمة”، لمقابلة سعد زغلول ليبلغوه بملاحظتهم، بأن أسماءَ الوفد التي انتشرت لدى العامة خَلت تمامًا من أسماءَ أي قبطي.

وقد رحب “سعد” بذلك على الفور. وتقدَّم الأقباط بقائمة منهم لينضموا إلى الوفد، وكان في مقدمتهم: واصف أفندي غالي؛ الذي كان موجودًا في ذلك التوقيت في باريس. وهو ابن بطرس باشا غالي (رئيس الوزراء الذي كان قد اغتُيل عام 1910م).

وقد عرض “سعد” عليه بالتلغراف عضوية الوفد؛ فقَبِل في الحال. ويومها ذهب سفير بريطانيا في باريس إلى واصف غالي، وقال له: “كيف تضع يدَك في يدِ مَنْ قتلوا أباك؟”. فأجابه واصف: “هذا خير من أضع يَدَيْ في يدِ مَنْ قتلوا وطني”!

وعند تأليف “الوفد”؛ سأل جورج خياط بك (أحد أعيان الصعيد): ما مصير الأقباط بعد انضمامهم إلى الوفد؟

فأجابه “سعد باشا”: “اطمئن إن للأقباط ما لنا من حقوق، وعليهم ما علينا من واجبات.. على قدِم المساواة”.

ومنذ ذلك اليوم؛ انضمت الأغلبية الساحقة من الأقباط إلى حزب “الوفد”، ولم يخرج منه إلا بضعة أفراد.

سعد زغلول مع مجموعة من مناصريه في حديقة بيت الأمة
سعد زغلول مع مجموعة من مناصريه في حديقة بيت الأمة

وعندما شكَّل سعد زغلول وزارته تقدَّم إلى الملك فؤاد بقائمة الوزراء؛ فأمسك الملك بقلمه وأحصى عدد الوزراءَ، ثم قال لـ “سعد”: هناك غلط في العدد! عدد الوزراءَ عشرة، والتقاليد أجمعت على أن يكون تسعة منهم مسلمون وقبطيٌّ واحد، وهؤلاءَ ثمانيةٌ مسلمون، ومرقص حنا بك وزيرًا للأشغال، وواصف غالي أفندي وزيرًا للخارجية!

فأجاب سعد زغلول الملك فؤاد: “هذه وزارة ثورة لا وزارة تقاليد. عندما نفى الإنجليز زعماءَ الثورة إلى جزيرة سيشل، نفوا أربعة مسلمين واثنين من الأقباط. وعندما حُكم على قادة الثورة بالإعدام، حكموا على أربعة أقباط وثلاثة مسلمين. وعندما كانوا يُطلقون علينا الرصاص في المظاهرات لم يراعو النسبة بين الأقباط والمسلمين.. ولهذا فنحن لن نراعي النسبة اليوم!!

فرضخ الملك فؤاد، واضطُر إلى أن يُوقِّع المرسوم الملكي بتشكيل الوزارة!

تعرَّف فخري عبد النور على سعد زغلول لأول مرة في حفل تأبين قاسم بك أمين؛ الذي أقيم في قُبَّة الغوري يوم 5 يونية عام 1908م، حيث سمع يومها – ولأول مرة – “سعدًا” وهو يخطب في رثاء صديقه وزميله ويَجهَش بالبكاءَ.

الملفت أن ذلك الحفل الذي أقيم لتأبين قاسم أمين – صاحب الدعوة إلى تحرير المرأة – أقيم تحت رياسة الأمير أحمد فؤاد – الملك فيما بعد – وفيه ناب سعد باشا عن أسرة الفقيد في شكر الخطباء والحاضرين.

لكن أول حوار مُطوَّل بين سعد زغلول والشاب فخري عبد النور؛ جرى في منزل العائلة بجرجا في ديسمبر عام 1910م. ومن فرط تقدير “عبد النور” لسعد باشا – الذي كان حينها يتولى وزارة الحقانية – أن دعاه للجلوس على الكرسي الذي جلس عليه من قبل صاحب السمو الخِدِيو عباس حلمي!

في نوفمبر 1918م، وعندما تحمَّس المصريون في كل مكان لجمع التوكيلات للوفد المصري؛ كان لفخري عبد النور وعائلته ومن يعملون معهم، باعٌ طويل في ذلك الأمر. لكنه بعد أسبوعين فقط اضطُر إلى المغادرة في سِرية إلى جرجا؛ لظروف وفاة شقيقه “لبيب عبد النور” بالحمى الإسبانية. وقد حالت ظروف المأتم هناك من عودته، بعد قطع الطرق والسكك الحديدية بفعل المظاهرات وقسوة الإنجليز في الرد. فبقيَ في بلدته لعدة شهور؛ غير قادر على العودة للقاهرة.

لكنه نظَّم في جرجا أول مظاهرة لمناصرة الثورة، والتنديد بممارسات الإنجليز. وقد خرجت المظاهرة من منزله يوم  19 مارس عام 1919م.

وبعد عودته للقاهرة، شارك في فعاليات لجنة الوفد المركزية، التي ترأسها محمود باشا سليمان. وعملت تلك اللجنة على نشر وتبليغ أنشطة الحزب للشعب. وكذلك إذكاء الروح الوطنية، وتنظيم الجهاد داخل البلاد ضد الاستعمار الإنجليزى.. في الوقت الذي كانت فيه قيادات “الوفد” تعمل على قضية مصر العادلة في فرنسا وفي أوربا بأكملها.

وقد برع أعضاء “لجنة الوفد المركزية” في عملهم، ودَعَّمهم في ذلك خطباء المساجد والقساوسة في الكنائس، ومعظم الصحف. كما استطاع رموز اللجنة وأغنياؤها، وكذلك أصحاب الأملاك والأطيان أن يجمعوا ثروة كبيرة للإنفاق على القضية المصرية؛ خاصة في الخارج.

إقرأ أيضا: حكاية عمر بك لطفي.. أبو التعاونيات ومؤسس النادي الأهلي

لكن سلطة الاحتلال والحكومة كانت لهم بالمرصاد؛ فبسبب ذلك النشاط الثوري الذي اختلط فيه جمع الأموال مع طبع وتوزيع المنشورات، وكذلك دعم العمليات ضد القوات الإنجليزية؛ تعرَّض فخري عبد النور للمضايقات، وجرى استدعاؤه للتحقيق، وسُجن في ثُكنة قصر النيل بسجن الأجانب، وبعدها بسجن الاستئناف، ثم في سجن “قرة ميدان”.

وكان وراءَ تلك الجولة في السجون، تقرير أمنيٌّ وشهادةُ أحد الشهود بأنه يَمُدُّ الثوار بالنقود والسلاح. كما اتُهم بعد ذلك بالتحريض على قتل شخص إنجليزي يعمل مع سلطة الاحتلال اسمه “مستر نايت”.

وفخري عبد النور هو مُنظم رحلة سعد زغلول الشهيرة إلى الصعيد عن طريق باخرة نيلية في أكتوبر 1921م؛ حيث نجح في إتمامها رغم مضايقات حكومة عدلي باشا ومِن فوقه سلطة الاحتلال، وتهديدهم للعُمد والمشايخ على امتداد مدن وقرى الصعيد من خطورة استقبال سعد زغلول أو الهتاف له، وبأنهم بذلك يُعرِّضون أنفسهم للعقاب.

وخضعت شركة “كوك” المالكة للعبَّارة النيلية التى كان مقرَّرًا أن تنقل سعد زغلول وباقى قادة الوفد في رحلتهم للضغوط؛ فقامت بفسخ التعاقد المبرم معهم.. فما كان من فخري عبد النور إلا اللجوء إلى مدير شركة “الأنجلو أمريكان”.. وكان زميله في مدرسة “الآباء اليسوعيين”، واتفق معه على أن يستأجر إحدى عبَّارات الشركة مقابل ثمائمائة جنيه، لاستكمال تلك الرحلة إلى “الأقصر”، أما إذا امتدت إلى “أسوان”؛ فإن أجرة الشركة ستَزيد مائتي جنيهٍ أخرى.

ونجَحت الرحلة – التى تكفَّل بمصاريفها – أعيان الصعيد الذين أرادوا أن يُقدِّموا درسًا في التحدي للاحتلال وللحكومة، وأنهم فوق الخلافات السياسية التى تشهدها العاصمة.

شارك “عبد النور” في تشكيل “الوفد” الثالث مع رفاقه من القيادات الوطنية، بعد نفي سعد زغلول وعدد من القادة إلى جزيرة سيشل. ودعا في تلك المرحلة إلى تنظيم المقاطعة الشعبية للبضائع الإنجليزية؛ ليقترن الكفاح السياسي والعسكري.. مع الضغوط الاقتصادية على دولة الاحتلال.

وبدأت السلطات في مطاردة تلك المنشورات المطالِبة بالمقاطعة، وكان بعضها موجود في “بيت الأمة”. وسارع عبد النور لنقلها إلى منزله بالعباسية، لكن وشاية سريعة قادت الشرطة إلى منزله، ولم يكن “فخرى عبد النور” موجودًا فيه حين وصلت الشرطة. لكن زوجته الوطنية الذكية “صِدِّيقة ناشد سوريال” أدركت خطورة الأمر؛ فسارعت إلى فرن لديها بالدور السفلي، وأشعلته وحرقت فيه تلك المنشورات جميعها!

الملفت أن ضابطًا مصريًّا شابًا، وصل إلى مكان المنشورات قبل أن يكتمل حرقها، فوقف صامتًا إلى أن انتهت الزوجة من مهمتها، وخرج في صمت ليكتب في تقريره أنه لم يعثر على أية منشورات!

وقد سجَّل فخري عبد النور مذكراته عن ثورة 19، وتوقَّف عند عام 1923م. وجاءت تلك المذكرات عميقة ودقيقة لم يُحاول صاحبها – كما هو الحال في كثير من المذكرات – أن يُسلِّط الضوء على دوره فقط، وأن يسحب الضوء عن الآخرين؛ في محاولة لتهميش ما قاموا به.

صورة لغلاف مذكرات فخري عبدالنور تحقيق د. يونان لبيب رزق
صورة لغلاف مذكرات فخري عبدالنور تحقيق د. يونان لبيب رزق

لكنَّ فخري كان موضوعيًّا ومحايدًا. فتعرَّض بإنصاف لدور الأمير عمر طوسون في طرح فكرة تشكيل “الوفد المصري” عقب نهاية الحرب العالمية الأولى، ومحاولة التوفيق بين سعد زغلول ورفاقه، وبين قيادات الحزب الوطني الذين انحاز لهم طوسون في تلك المرحلة.

كما شرح بموضوعية مراحل تآلف عنصري الأمة من المسلمين والأقباط، وذلك في عدة فصول من كتابه.

كما أنه مدح مصطفى النحاس باشا، رغم أن قيادات وفدية عديدة انتقدت تصعيده السريع من الخطوط الخلفية إلى الأمام؛ بقوله: “إن الصفات الممتازة التى أظهرها مصطفى النحاس خلال رحلة سعد زغلول للصعيد، وإخلاصه للحركة الوطنية أثناء اعتقاله في سيشل مع سعد زغلول؛ هي التي أهَّلته، لأن يكون أثيرًا في قلب سعد، ومُحبَّبًا من الجماهير. ولذلك فلم يكن مستغربًا – بعد انتقال سعد إلى الرفيق الأعلى  في  23 أغسطس 1927م – أن تتجه إليه الأبصار، مرشحة إياه للزعامة ولخلافة سعد”.

ولم تنته رحلة فخري عبد النور مع السياسة وحزب الوفد واستقلال القضاء إلا بوفاته عام 1942م. ومَضْبَطة مجلس النواب حافلة بموافقه التي دافع فيها عن استقلال مصر، رافضًا تدخل السلطة التنفيذية في الشأن القضائي.

وقد كان لفخري عبد النور اهتمامٌ خاص بالصعيد، وكان يُطالب دائمًا بتوفير الخِدْمات العامة له؛ خاصة الصحة والتعليم. وفي هذا الصدد فقَد ساهم في إنشاء المدارس في: جرجا وسوهاج، كما طالب بإنشاء جامعة أسيوط.

وأيضًا؛ فقد دافع عن مصالح الفلاحين من خلال سياسات زراعية هادفة. وقد تُوفِّي وهو يخطب في البرلمان، مطالبًا بتوفير رعاية صحية للفلاحين.

فخري عبدالنور
فخري عبدالنور

سجل عائلة عبد النور

“قلاديوس حنين”.. الجَدُّ الأكبر لعائلة عبد النور، والمولود في أسيوط عام 1804م؛ عمل مع محمد علي باشا سكرتيرًا عامًّا لمديرية جرجا. وهناك اشترى أرضًا زراعية واسعة. وأنشأ مدرسة تُدرِّس اللغة الفرنسية إلى جوار المناهج التعليمية التقليدية.

أنجب قلاديوس اثنين من الأبناء هما: عبد النور وميخائيل. كان الأول هو مرشد الإمبراطورة أوجيني في “جرجا”؛ أثناء رحلتها النيلية خلال زيارتها إلى المنطقة الأثرية في “أبيدوس”.

توسَّعتْ مِلْكية عبد النور وتجارته؛ فعمل في تجارة القطن، وربطته علاقات متينة بعائلات الصعيد القبطية والمسلمة. وعُيِّن قنصلا فخريًا بالصعيد لفرنسا والبرتغال وروسيا والولايات المتحدة. وانضم إلى المعسكر الوطني المؤيد لعرابي، وقدَّم تبرعات لدعم ثورته. وفي أعقاب هزيمته، آوى عبد الله النديم في أحد منازله شرق جرجا.

وقد تُوفي “عبد النور” عام 1890م، وكان ابنه فخري في التاسعة من عمره. وابتداءً من عام 1900م، بدأ  فخري في إدارة أملاك العائلة. وتدرج في الوظائف الرسمية والسياسية، وارتبط بعلاقات وثيقة بالشخصيات البارزة مثل: محمود سليمان، وبطرس غالي، والشيخ محمد عبده، وسعد زغلول، وطلعت حرب.

كما ساهم في مشروعات خيرية عديدة في الصعيد والقاهرة، وأنجب كلاً من: موريس فخري عبد النور (المحامي الشهير، عضو مجلس إدارة نادي الزمالك). وكمال فخري عبد النور (سكرتير عام حزب الوفد الأسبق). وأمين، وسعد فخري عبد النور.

وكان الأخير رجل أعمال ناجحًا جدًّا رغم الحراسة والتأميم اللذين فرضهما النظام الناصري على أملاك العائلة. واقترب سعد عبد النور من القضايا السياسية؛ خاصة من خلال حزب “الوفد”. كما لعب أدوارًا مهمة لإقامة جسور بين الكنيسة القبطية والكنيسة الكاثوليكية في روما.

وقد تُوفي في ديسمبر عام 2012م عن عمر ناهز المائة عام، وله ابنان هما: فخري عبد النور المولود  عام  1943م. ومنير فخري عبد النور (وزير التجارة والصناعة الأسبق، وزير السياحة الأسبق)، والذي أمدَّنا بالكثير من معلومات هذا الموضوع.

 

المصادر:
. مذكرات فخري عبد النور:  تحقيق د. يونان لبيب رزق.
. مذكرات سعد زغلول: تحقيق د. عبد العظيم رمضان .

.  حوارات ومعلومات من الأستاذ/ منير فخري عبد النور.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى