دراسات وتحليلات

فرصة باريس: هل يُنهي ماكرون أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية؟

 

يواجه لبنان مشهدًا سياسيًا معقدًا، في ظل تأخر تشكيل الحكومة الجديدة، وتبادل الاتهامات بين القوى السياسية المختلفة بتعطيل العملية والسعي إلى الحصول على “الثُلث المُعطِّل” في الحكومة الجديدة.. يتزامن ذلك مع تصاعد حدة الإصابات بفيروس “كوفيد-19” مؤخرًا، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وعدم الحصول على الدعم الدولي، وهو المشروط بتشكيل الحكومة في المقام الأول.. كل ذلك يطرح تساؤلات حول طبيعة الدور الفرنسي في الأزمة، وحدود فعاليته، وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر في الفترة المقبلة.

مشهد معقد

يزداد المشهد السياسي اللبناني تأزمًا مع عدم ظهور بوادر انفراجة في أزمة تشكيل الحكومة الجديدة، بما يؤثر سلبيًا على الأوضاع الداخلية، ويزيد فرص القوى الدولية للتدخل في لبنان.. ويمكن الإشارة إلى أهم ملامح هذا المشهد المعقد من خلال النقاط التالية:

  1. تكوين جبهات داخلية تتبادل الاتهامات بالمسئولية عن تأخر تشكيل الحكومة اللبنانية:

فهناك الجبهة الحكومية التي تضم “الرئيس ميشال عون” و”التيار الوطني الحر” ويتم دعمها من “حزب الله” بما يحافظ على نفوذ قوى “8 آذار” في المشهد الداخلي، في المقابل بدأ تكوين جبهة معارضة رئيسية تضم “تيار المستقبل” و”الحزب التقدمي الاشتراكي”، مدعومة بحركة “أمل”، التي لم تعلن ذلك صراحة، لكن أوضحه قياداتها بطريقة ما، حيث ذكر زعيم الحركة نبيه بري في بيان صدر مطلع فبراير الجاري، بأنه “لا يجوز لأحد على الإطلاق الحصول على الثُلث المُعطِّل”، مؤكدًا أن “كتلة التنمية والتحرير التزمت بالاتفاق على حكومة اختصاصيين، فأقدمت على تسمية أسماء ليست لها وليست ضدها، وهذا المبدأ يسري على الجميع”، وذلك في إشارة إلى التيار العوني.

ماكرون

وتتبادل هذه التيارات المتعارضة الاتهامات المتبادلة بينها والتراشق بالألفاظ، خاصة بعد تسريب فيديو للرئيس ميشال عون في يناير 2021، وصف فيه “الحريري” بـ”الكذّاب”، واستهان بمساعيه لتأليف الحكومة، ما دفع مختلف التيارات السياسية للتعليق على هذا الأمر وتبادل الاتهامات فيما بينها، مما زاد من تأزم الوضع المُعقد أساسًا في لبنان.

  1. الجدل المُثار حول دعوات تدويل الملف اللبناني:

فقد طالب بطريرك الكنيسة المارونية بشارة الراعي، في عظة يوم الأحد 7 فبراير الجاري، بطرح القضية اللبنانية في مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة، وهي الدعوة الأولى من نوعها على لسان أعلى مرجعية مسيحية.

وقد أثارت هذه الدعوة جدلًا بين التيارات والقوى السياسية المختلفة، إذ أيّدها حزبا القوات والكتائب اللبنانية وتيار المستقبل برئاسة الحريري، باعتبار أن لبنان بلد مُدوَّل أساسًا منذ المبادرة الفرنسية في أغسطس 2020، في حين رفضتها كتلة “التنمية والتحرير” برئاسة نبيه بري، باعتبار أن الخلاف على تشكيل الحكومة هو أزمة داخلية، وأن الذهاب إلى التدويل تعتريه مخاطر كبيرة في مرحلة مصيرية يكتنفها تقاطع المصالح دوليًا.

  1. تزايد الاحتجاجات في المدن اللبنانية ضد الأوضاع الاقتصادية:

ففي أواخر يناير 2021 شهدت عدة مدن لبنانية (وهي بيروت وصيدا وطرابلس) احتجاجات ضد الحكومة، نظرًا لتدهور الأوضاع الاقتصادية بشكل غير مسبوق، إثر فرض الحكومة إغلاقًا ثانيًا منذ 14 يناير الماضي، بسبب تزايد معدلات الإصابة بفيروس كوفيد-19.

وقد تسبب الإغلاق الأول، وفق برنامج الأغذية العالمي، في انتقال نحو ثلث اللبنانيين إلى البطالة بين مارس ويونيو 2020.

ومنذ عام 2019 يشهد لبنان أسوأ أزماته الاقتصادية، لكونها أدت إلى خسارة العملة المحلية أكثر من 80% من قيمتها مقابل الدولار، كما فاقمت معدلات التضخم وتسبّبت في خسارة عشرات الآلاف لوظائفهم ومصادر دخلهم، وصار أكثر من نصف اللبنانيين يعيشون اليوم تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة، فيما ارتفعت نسبة من يعيشون فقرًا مدقعًا من 8 إلى 23% من السكان.

ماكرون والحريري

جدير بالذكر أن الاحتجاجات في مدينة طرابلس قد شهدت إضرامًا للنار في مبنى البلدية، ومدخل سراي مدينة طرابلس، حيث مقر الحكومة المحلية، كما تجمعت حشود المتظاهرين أمام بيوت كبار المسؤولين وأحرقت أكوام القمامة وحطمت كاميرات المراقبة حولها، وهو ما دفع سعد الحريري لتوجيه انتقادات للجيش لعدم تدخله وحماية المدينة.

ويعني هذا التطور الخطير أن الأوضاع الداخلية في لبنان لم تعد تحتمل الخلافات القائمة بين القوى السياسية، وأن تأخر تشكيل الحكومة الجديدة والسعي لإصلاح الأوضاع في أقرب وقت ممكن قد يضع لبنان، في ظل تردي الأوضاع الاقتصادية، على حافة الهاوية، وهو ما يدفع الأدوار الدولية إلى أن تكون أكثر “تدخلية”، بحكم الأمر الواقع.

الدور الفرنسي

نظرًا لنفوذها التاريخي، تلعب فرنسا دورًا محوريًا في لبنان، خاصةً منذ تفجيرات مرفأ بيروت في أغسطس 2020، حيث يقود ماكرون الجهود الدولية والتنسيق بين المانحين من ناحية، ويحاول استخدام نفوذ باريس التاريخي لإقناع السياسيين المتناحرين بتبني خارطة طريق وتشكيل حكومة جديدة لاجتثاث الفساد من ناحية أخرى، وهو شرط أساسي للمانحين الدوليين، ومنهم صندوق النقد الدولي، لإطلاق مساعدات بمليارات الدولارات.

ماكرون وعون

بيد أن جهود ماكرون حتى الآن باءت بالفشل، ولم يتم تنفيذ المبادرة الفرنسية، التي اقترحت تشكيل حكومة من الاختصاصيين دون تسمية حزبيين فيها، وهو ما أدى إلى تزايد الحديث عن حدود الدور الفرنسي في الأزمة اللبنانية، ومدى تأثيره على الفصائل السياسية الداخلية.

كانت فرنسا أول دولة استجابت للأحداث المروعة في مرفأ بيروت، إذ زار ماكرون منذ ذلك الوقت لبنان مرتين، والتقى بجموع المواطنين في مكان الانفجار في ظل غياب المسؤولين اللبنانيين الرسميين، بل ودعا جميع الفرقاء السياسيين على طاولة واحدة، وعنَّفهم -إن جاز التعبير- بهدف إيجاد حل جذري للأزمة اللبنانية والعمل على اجتثاث الفساد.

بالإضافة إلى ذلك، تولَّت فرنسا مسؤولية حشد المانحين الدوليين لتقديم مساعدات لإنقاذ لبنان، وهو ما انعكس في مؤتمر باريس لدعم لبنان الذي عُقد في 9 أغسطس 2020 بمبادرة من فرنسا والأمم المتحدة، وأسفر عن تعهد الدول والمنظمات المشاركة فيه بتقديم نحو 253 مليون يورو على المدى القصير لمساعدة الشعب اللبناني، ودعا المشاركون بالمؤتمر السلطات اللبنانية إلى البدء سريعًا بالإصلاحات، وتشكيل حكومة جديدة.

لكن عدم الاستجابة للمبادرة الفرنسية وتأخر تشكيل الحكومة اللبنانية حتى الآن، يُعد مؤشرًا على فقدان فرنسا للزخم الذي كان لديها في لبنان، بل إنه أظهر محدودية التأثير الفرنسي على التيارات السياسية الداخلية، وأن الدور الفرنسي في الأزمة لا يتعدى حتى الآن كونه دورًا مراقبًا للتطورات دون إمكانية واضحة لإحداث تغيير جذري بها.

خطأ ماكرون

يشير بعض المحللين إلى أن ماكرون وقع في خطأ استراتيجي واضح في تعاطيه مع الأزمة اللبنانية عقب انفجار مرفأ بيروت، إذ حاول ماكرون توظيف ردود الفعل الشعبية في أعقاب الأزمة للضغط على القوى السياسية التقليدية، دون اللجوء إلى أصحاب المصلحة الدوليين والإقليميين الرئيسيين لتأمين شبكة أمان سياسية من شأنها تعزيز مبادرته.

في إطار حثه للقوى السياسية اللبنانية على تشكيل الحكومة، واجه ماكرون عقبتين، أولاهما العقوبات الأمريكية التي استهدفت رئيس التيار الوطني الحر النائب “جبران باسيل” وبعض الوزراء السابقين، أما العقبة الثانية فتمثلت في عدم استجابة طهران لمبادرته، رغم أنه سعى من خلال فريق عمله لإقناعها لتسهيل تشكيل الحكومة، إذ أشارت بعض المصادر إلى أن إيران ليست مستعدة لمساعدة ماكرون في مهمته، لأنها فضّلت استخدام الملف اللبناني كورقة خلال مفاوضاتها مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

وقد كان خطأ ماكرون أن مقاربته لحل الأزمة اللبنانية افتقرت إلى أوراق الضغط الكافية من ناحية، ولإغراءات كفيلة بتحفيز الطبقة السياسية اللبنانية، وداعميها الإقليميين والدوليين، لتنفيذ المبادرة.

فعلى سبيل المثال أخطأ ماكرون في التفاوض مع “حزب الله” عبر مبعوثه إلى بيروت “باتريك دوريل”، الذي تلقى تطمينات من الحزب بشأن تسهيل تشكيل الحكومة لكن دون مطالبتهم بالضغط على عون وباسيل لهذا الغرض، خاصة أن باريس ما زالت تميِّز بين الجناحين السياسي والعسكري لـ”حزب الله” في ظل قيام العديد من الدول الأوروبية بحظر الحزب بجناحيه.

كذلك لم تستطع باريس التدخل بشكل مباشر في الخلافات بين القوى السياسية اللبنانية، واكتفت فقط بمراقبة ومواكبة الاتصالات الجارية، وتحديدًا بين عون ورئيس الوزراء المكلف، سعد الحريري، وربما أسهم ذلك في تأخير تشكيل الحكومة حتى الآن.

بالإضافة إلى ذلك، لم تتمكن فرنسا من إشراك الولايات المتحدة، خلال رئاسة ترامب، في الأزمة اللبنانية، حيث نأت الولايات المتحدة بنفسها عن الدخول في الأزمة، فيما واصلت سياسة الضغط القصوى لمحاصرة “حزب الله”، مما عرقل أي جهود فرنسية لحل الأزمة.

فرص باريس

من واقع تصاعد الخلاف بين القوى السياسية في لبنان، وتعقد مصالح الأطراف الإقليمية وربما تناقضها أحيانًا، يبدو أن أزمة تشكيل الحكومة اللبنانية الجديدة ستظل مستمرة لفترة أطول.

برغم ذلك فإن لدى باريس عدة فرص يمكن من خلالها ممارسة دور أكثر فعالية في الأزمة، بما قد يسهم في تسريع خطوة تشكيل الحكومة الجديدة والبدء بالإصلاحات الاقتصادية للحصول على الدعم الدولي. لعل أبرز هذه الفرص:

  1. الانفتاح الفرنسي على جميع القوى السياسية اللبنانية: إذ تتمتع فرنسا بعلاقة فريدة مع كل مجموعة من المجموعات الدينية الرئيسية الثلاث في البلاد، فضلًا عن قدرتها على جمع مختلف الأطراف السياسية في لبنان على طاولة مفاوضات واحدة، كما حدث بعد الانفجار مباشرة، مما يعني أن لباريس ميزة تنافسية مقارنةً بغالبية القوى الدولية والإقليمية في المشهد اللبناني.
  2. التنسيق المباشر مع الولايات المتحدة: إذ أسهم وصول الرئيس المنتخب جو بايدن إلى حكم الولايات المتحدة في زيادة التنسيق الفرنسي-الأمريكي للأزمة اللبنانية، وقد برز ذلك في البيان المشترك الذي صدر عن وزيري خارجية البلدين في 4 فبراير الجاري، والذي دعيا خلاله لبنان للمسارعة في تشكيل حكومة، وهو الشرط المسبق لتوفير “دعم هيكلي وطويل الأمد” من المجتمع الدولي لبيروت.
  3. الدعم الشعبي اللبناني لماكرون: إذ يرى اللبنانيون أن الرئيس الفرنسي يحاول إنقاذ لبنان على عكس نخبتهم التي يصفوها دومًا بـ”الفاسدة”، وفي هذا الإطار يوظِّف ماكرون خطابه لإثارة مشاعر اللبنانيين وحشدهم وراء تحركاته، ففي حديثه عن لبنان خلال لقائه مع الصحفيين في 30 يناير 2021، قال الرئيس الفرنسي ما نصه: “عاطفتي تذهب إلى الشعب اللبناني، أمّا قادته فلا يستحقون بلدهم.. شعب لبنان رائع وقدّم في الخارج نجاحات فكرية وثقافية غير مسبوقة”.
ماكرون يتفقد انفجار مرفأ بيروت

من هذا المنطلق، يُنتظَر من زيارة ماكرون الثالثة المقبلة للبنان أن تقدم طرحًا جديدًا أو تسهم في حلحلة أزمة تشكيل الحكومة، خاصة أن ماكرون استبقها بتصريحات هامة أشار خلالها إلى أنه سيزور لبنان “بعد التحقق من أمور أساسية”، مُضيفًا: “سنفعل كل شيء لتشكيل حكومة في لبنان حتى لو كانت غير مكتملة المواصفات”.

وتطرح هذه التصريحات السابقة للزيارة تساؤلات هامة قد تكشف عنها الأيام المقبلة، من قبيل: ما الأمور السياسية التي يسعى ماكرون للتحقق منها قبل الزيارة؟ وهل “تشكيل حكومة غير مكتملة الأوصاف” يعني التراجع عن شرط تشكيل حكومة من ذوي الاختصاص إلى حكومة “تكنو-سياسية” على سبيل المثال لإرضاء المعترضين؟ أم هناك تغيير سيحدث على مستوى مضمون المبادرة الفرنسية ذاتها؟

وفي جميع الأحوال، ليس من شك أن ماكرون لن يُقبِل على زيارة ثالثة لبيروت، ويُرهِن مصداقيته ومصداقية بلاده، دون أن يكون قد حصل على تطمينات أو وعود خارجية تضمن تسهيل مهمته، خاصة أن هذه التصريحات جاءت مباشرةً بعد الاتصال الهاتفي المُطوَّل بين ماكرون وبايدن، الذي دام ساعة كاملة، لكن يظل التخوف الحقيقي في كون ماكرون يغامر بهذه الخطوة دون سَنَد خارجي يضمن تحققها هذه المرة، لأنه ستكون لذلك تداعيات سياسية وخيمة على لبنان وفرنسا أيضًا.

باسم راشد

باحث متخصص في الشؤون الأوروبية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى