فرنسا تُجرّم صكوك العُذرية

السيدة "رَجَوات" مُنهكة بين "ماكرون" والقابِلة!

في بناية مشيّدة على الطراز المغربي، بمدينة “بوردو” جنوب غرب فرنسا، قعدت السيدة “رَجَوات” شاردة تتابع حلقات نقاشية تدور حول مطالب إلغاء “شهادة العذرية” في فرنسا. لم تلتقط أذناها سوى القليل من حديث الضيوف، فالذاكرة منهكة في استرجاع يوم جاءت قابلة القرية (الداية)  لفحص عذريتها: “في هذه اللحظة فقط دعوت الله ألا أنجب فتاة، كي لا تُسكب بيضة بين فخذيها!”

ماذا؟ للوهلة الأولى يبدو حديثها غير منطقي، لكن صاحبة الـ40 عامًا ما زالت تتذكر تاريخًا كرهت فيه أنوثتها: “قبل زواجي خضعت لاختبار الشرف، أخبرتني القابلة أن الأمر بسيط، فقط عليّ أن أستلقي على ظهري، وستكسر هي بيضة بين ساقيّ.. إذا انزلق منها شيء للداخل فأنا لست عذراء، وهو تقليد مغربي كانت تمارسه أسر بدلاً من الذهاب إلى الأطباء”.

لم تُقبل دعوة “رجوات” وأنجبت ولدًا ثم فتاتين، وكان عثور الزوج على فرصة عمل بفرنسا طوق نجاة لها ولصغارها. يوم ظنت أن ابنتيها لن تمسسهنّ تلك الانتهاكات، تركت وراءها عادات بالية وجاءت إلى مجتمع أكثر انفتاحًا، وبلد يبدو أنه لا يخضع لقوانين القابلة، والمفاجأة، أن الأسر العربية حملت معها ثقافة شهادة العذرية إلى فرنسا، ما يعني أن ابنتيها ستخضعان لكشف مشابه، لكن الفحص سيكون هذه المرة بمعرفة طبيب/طبيبة نساء، وستحصلان على شهادة بذلك.

عقوبات مشددة
إيمانويل ماكرون

تلتفت “رجوات” مجددًا لتلفاز يتوسط الحائط، يُظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، متحدثًا عن عقاب بالسجن لمدة عام وغرامة قدرها 15000 يورو على الأطباء الذين يقدمون شهادات العذرية، معتبرًا أن هذه الخطوة تأتي من مشروع قانون يهدف إلى محاربة ما سمّاه بـ”الانفصالية الإسلامية”، وبعدها تعدلت التسمية إلى “مشروع القانون الداعم للعلمانية وأسس الجمهورية”، معلنًا أن الحكومة الفرنسية تدرس توسيع هذه العقوبات لتشمل كل من أجبر الفتاة على الحصول على هذه الشهادة، سواء أتعلّق الأمر بالأبوين/ الخطيب أم أطراف أخرى.

وتقول فيرجيني جورون في البرلمان الأوروبي عن مجموعة الهوية والديمقراطية، تعليقًا على قرار الرئيس الفرنسي: “شهادات العذرية تمثل انتهاكًا خطيرًا لكرامة المرأة وحريتها.. نحن في العام 2020 وفي أوروبا، وهذه الممارسات لا تتوافق مع قيم الديمقراطية والحريات لدينا، ومع ذلك فالمنع يمكن أن يجبر نساء على اللجوء إلى طرائق أخرى، أقل سلامة طبيًّا”.

لدى “رجوات” رؤية مماثلة لما صرّحت به “جورون”، فهي تتخوف من لجوء الفتيات إلى عمليات استصلاح العذرية أو ترميم البكارة، عند غير المتخصصين، ما يعرضهن لمخاطر جسيمة، وهذا ما يُقصد به “طرائق أقل سلامة طبيًا”، ونوهت بأن الدول العربية ينتشر بها هذا الأمر بمقابل مادي كبير، ومع ذلك تختار الشابات ترقيع بكارتهن خوفًا من الفضائح أو رد فعل الأهل، بيد أن الأطباء في أوروبا يمنحون شهادة العذرية أحيانًا دون توقيع كشف طبي، تعاطفًا مع الفتاة.

ثمّة مفارقات تعيشها “رجوات” ونسوة من جذور عربية، خاصة المنحدرات من أصول مغربية وجزائرية، اللاتي تابعن السجال الدائر عن منع هذه الشهادات في بلادهن الأصلية. فقد ألغت الجزائر النص الخاص بشهادة العذرية في دستورها منذ عام 2016، كما امتنع عدد كبير في أطباء النساء في المغرب عن إصدار الشهادات، وطالبوا غيرهم برفض توقيع الكشف الطبي على المقبلات على الزواج أو منحهن ما يثبت عذريتهن. ورغم ذلك يظل هذا التقليد معمولاً به في بلد مثل فرنسا التي تلقب بـ”أم العلمانية”.

المنع ليس حلاً!

“بعد الفحص السريري، تبيّن أن غشاء البكارة سليم وغير ممزق”.. ورقة مذيلة بتوقيع الدكتورة غادة حاتم، طبيب النساء والتوليد ذات الأصل اللبناني، والتي أنشأت مؤسسة “la Maison des femmes” المهتمة برعاية النساء المعنفات، وتعد هذه الورقة التي تمنحها الطبيبة طوق النجاة لكثير من القاصرات اللاتي يذهبن إليها بعد تهديد الأهل لهن.

غادة حاتم

عبر البريد الإليكتروني، تواصلت “ذات مصر” مع  المؤسسة التي تترأسها “حاتم”، وتتخذ من سان دوني في الضاحية الشمالية للعاصمة باريس مقرًّا لها، للوقوف على الخدمات التي يقدمها “بيت النساء” للفتيات، فأجابت: “وظيفتنا تتمثل في تقديم الدعم النفسي لهن.. نحن نعي تمامًا نتائج اكتشاف الأسر المحافظة لأمر فقد عذرية، فأحيانًا يصل العقاب إلى الحرق وقص الشعر أو قطع الأنف”.

وأوضحت أن العائلات المسلمة والغجريات (غجر الرّوما المقيمين في فرنسا) هم من يطرقون أبواب المؤسسة باستمرار، فتأتي من تطلب شهادة العذرية، أو ترغب في إجراء عمليات ترقيع البكارة، مشيرة إلى أنه بعد أنباء توقيع عقوبات على من يقدم هذه الشهادات من الأطباء، ازداد عدد المقبلات على العيادة الخاصة بها لأخذ الشهادة قبل حظرها.

وتضيف “حاتم” أنها لا تهتم بصدق الفتاة القادمة إليها، ومن الممكن ألا تفحصها أصلاً، لكنها تسعى للحفاظ على البنات اللاتي ينبذنهن الأهل أو يضربوهن ويقصون شعرهن، قائلة: “قديمًا، كانت العائلات الكاثوليكية هي التي تهتم بتلك الأمور، لكن بعد تغير الثقافات في أوروبا ومجيء المهاجرين العرب، حملوا معهم هذه التقاليد وباتوا يتوارثونها”.

“نحاول إنقاذ الفتيات وأن يخرجن من الأزمة بأقل أضرار. أحيانًا تتلقى السلطات بلاغات عن فتاة قاصر ستتزوج رغمًا عنها، أو تتعرض للعنف الأسري، والشرطة تتولى متابعتها والحفاظ على سلامتها”، على حد قول الطبيبة اللبنانية.

إحدى شهادات العذرية

وترفض “حاتم” إلغاء شهادات العذرية أو التضييق على الأطباء، معتبرة أن حظرها سيجعل الفتيات أكثر عرضة للعنف والانتهاك، موضحة أنه في حال اكتشفت الأسرة أو الزوج أن البنت غير عذراء فإنها قد تتعرض للقتل، وخاصة مع وجود فتيات من أصول عربية جئن إليها بعد أن طُلب تقديم شكوى ضد شخص ما بتهمة التعدي عليهن واغتصابهن، كطريقة للانتقام من الصديق أو الخاطب!

ووصفت الكشف السريري على النساء بأنه إجراء يحط من كرامة المرأة، وليس مهمًّا لصحتها، مبيّنة أن أكثر مَن يأتين إليها من جذور عراقية وتركية وإيرانية، وهي لا ترفض مساعدتهن على أي حال.

لكن يرفض عدد من أطباء النساء تضليل الأهل أو الزوج، ولا يصدرون الشهادة إلا بعد فحص سريري دقيق، يؤكد لهم إن كانت الفتاة عذراء أم لا، غير مهتمين برد فعل الأسرة أو مسألة تعنيف النساء.

ضد قوانين الجمهورية

خلاف دائر حول الفئات الأكثر تمسكًا بتلك العادة في فرنسا، وبحسب الباحث الأكاديمي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، سلام الكواكبي، المدير التنفيذي للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس، فالأمر مقصور على بعض العائلات المسلمة في فرنسا، ولأن الأمر يكون سريًّا في غالب الأوقات، فلا يمكن تأريخ هذه الثقافة في أوروبا.

ويضيف الكواكبي لـ”ذات مصر” أن الشهادات ليست موجودة بكثرة، والتطرق إليها في مشروع قانون الانفصالية جاء كمثال على بعض الممارسات التي ترفضها قوانين الجمهورية.

وبسؤاله عن دور مؤسسات المجتمع المدني في توعية المهاجرين بضرورة تجاوز تلك التقاليد البالية، يوضح “الكواكبي” أنه لا توجد مؤسسات ترعى المهاجرين على نحو خاص، إلا المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني المهتم بحقوق الإنسان عمومًا، وهو ولا يمارس التوعية في هذا الملف لأنه غير ذي أهمية قصوى، كما أن الشخصيات الدينية لا تنخرط في مثل هذه الأمور.

تقاليد سخيفة

في مجموعات افتراضية مغلقة “facebook groups”، لا تزال الفتيات من تونس والمغرب والجزائر والعراق يسألن عن أطباء يقدمون شهادات العذرية، على اعتبارها ضمن أوراق إتمام الزواج، ما يُحدث جدلاً دينيًّا في كل مرة تتناول هذه المنشورات الأمر.

إحدى مسلمات فرنسا

ووجهت “ذات مصر” سؤالاً إلى دار الثقافة الإسلامية بباريس، عن السند الشرعي لطالبي إثبات عذرية الفتاة قبل الزواج، فجاء الرد: “هذه الشهادات من بين الأمور المستنكرة وليس لها أصل في الكتاب أو السنة؛ فما كان ذلك في عهد رسول الله أو السلف الصالح أو المذاهب الأربعة، لكن البعض اخترع هذه التقاليد السخيفة التي تجعل المرأة كأنها بضاعة جنسية يُستمتع بها فقط، رغم أنها شقيقة الرجال في صناعة المجتمع.. عيب أن يظل المسلمون مقيدين بهذه الأفكار التي نسعى للتخلص منها”.

وانتقد أستاذ الفقه المقارن بالمعهد العالي للدراسات الإسلامية بباريس، طارق أبو النور، الربط بين شهادة العذرية والمسلمين، مشيرًا إلى أن المتمسكين بهذه الشهادة من المسلمين قليلون جدًّا، في حال مقارنته بمن يُقبلون عليها من اليهود الفرنسيين، خصوصًا أن مسألة البكارة عندهم تعني الكثير ولها قدسية، قائلاً: “اليهود المتدينون هم أكثر من يطلبون شهادة العذرية”.

وبسؤاله عن اعتبارها -كشوف العُذرية-  بندًا ضمن قانون الانفصالية الإسلامية، يجيب بأن مستشاري الرئيس “ماكرون” بشأن الدين الإسلامي، ينقلون إليه صورة خاطئة عن الإسلام، ويربطون هذه الممارسات بالدين، ما دفعه لتضمينها في مشروع القانون.

يُشار إلى أن هذه الشهادة ليست لها قيمة قانونية ولا صلاحية طبية مفتوحة، كما أن القانون ومواثيق الأخلاق الطبية لم تذكر شيئًا عنها، فهي فقط مجرد جواز سفر يعبر به العروسان حدود التقاليد إلى بر الأمان، إرضاءً للعائلة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

دعاء إمام

صحفية مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غُلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram