"فرويد".. المفترى على مسلسله

“تخيلوا أنني منزل والظلمة تملأ داخلي، وعيي يضيء وحيدًا، كشمعة في مهب الريح، إنه يومض تارة هنا وتارة هناك، كل الأمور غارقة في الظلال، كل الأمور الأخرى في مجال “اللا وعي” لكنها موجودة، من منافذ ومداخل وسلالم وأبواب، في أي وقت، وأي شيء نحمله معنا ويجول في باطننا موجود فعلًا، له وظيفته ويعيش معنا، داخل المنزل الذي يتجسد بكياني، من غريزة وشهوة ومحرمات، وأفكار محظورة ورغبات ممنوعة، وذكريات لا يسلط عليها الضوء، ولم نرد لها أن تكون مكشوفة، فترقص حولنا في الظلمة تعذبنا وتكزنا، تطاردنا وتهمس لنا، تخيفنا، تصيبنا بالمرض..” 

غالبية من شاهد مسلسل فرويد (الذي بدأت شبكة “نت فليكس” عرضه أواخر مارس الماضي)، وكتب عنه، لم يلتقط هذا المفتاح، لذلك إذا تتبعت المكتوب عبر محرك البحث “جوجل” فلن تقع إلا على كتابات تميل إلى الهجوم والانتقاد.

الإحباط وخيبة الأمل من المسلسل قامت على افتراض أنه سيرة ذاتية لـ”فرويد”، في حين قدم صناع العمل الدرامي شخصية “فرويد”، بعيدة عن سيرته الحقيقية، فجاء أقرب إلى محقق “نفسي” شبيه بـ”شيرلوك هولمز”، يحاول حل لغز مجموعة من الجرائم الغامضة، مستخدمًا طرق التحليل النفسي، وذلك وسط أجواء -كما تصورها المنتقدون- من الخرافة والسحر الأسود، لا تليق بعالم مثل “فرويد”.

الغفلة عن المفتاح المقدم في الحلقة الأولى (واهتم صناع المسلسل بإبرازه ضمن الإعلان الترويجي تأكيدًا)؛ جعلت من المتعذر إدراك النص الدرامي مثلما وضعه مؤلفوه، بينما إذا امتدت يدك إلى ذلك المفتاح فأدرته في أحداث الدراما التلفزيونية ستدرك أن العمل الفني لم يَسْعَ لعرض حياة “فرويد” أو فصل منها؛ بل إلى تجسيد منهج “فرويد”، وبذلك كان مغرقًا في العلمية لا الخرافة.

المسلسل باختصار يدور حول منزل أسرة مجرية نبيلة وغريبة الأطوار تعيش في فيينا عاصمة الإمبراطورية النمساوية التي كانت المجر جزءًا منها في تلك الحقبة. يتعرف “فرويد” عبر زميله وشقيق خطيبته “شنيتزلر أرثر” إلى الأسرة، المكونة من الكونت والكونتيسة وفتاة جميلة متبناة تتمتع بقوى خارقة تدعى “فلور سالومي”.

تقع مجموعة من الجرائم الغريبة والوحشية، يرتكبها أناس لا تجمعهم أي علاقة، اللهم إلا ترددهم على بيت آل “ساباري”، ويحاول “فرويد” كشف غموض تلك الجرائم من خلال تقنيات التحليل النفسي، ومن بينها التنويم المغناطيسي، لتتوالى الأحداث.

استعمل كُتّاب النص المنهج الفرويدي في توظيف الحكاية أو الأسطورة (الخرافة) والرموز لإضفاء الدلالات. هذه المعرفة ستهبك طبقتين من المشاهدة، تبدأ مع الحلقة الأولى عندما يحل “فرويد” ضيفًا على منزل آل “ساباري” بعدما صحبه شقيق خطيبته، وفي إشارة خاطفة عبر حوار بين الكونت و”فرويد” و”أرثر” يتضح أن الأخير شاعر (في رمزية إلى الخيال)، أما بيت آل “ساباري” فيتبين مع تنامي الأحداث أنه هو المنزل الغارق في الظلال، الذي تمرح في أرجائه الشهوة والمحرمات والأفكار المحظورة والرغبات الممنوعة، وتدور أحداث الدراما التلفزيونية حوله، في رمزية لـ”اللا شعور” وقواه، بينما “فرويد” مجرد مرشد دوره قاصر على اصطحابنا في جولة مثيرة داخل هذا المنزل (رمز اللا وعي) مستودع الشهوات والرغبات الجامحة والغرائز الحيوانية التي لم يهذبها علم أو تمدينها حضارة.

جميع النزعات العدوانية والجرائم الشنيعة والرغبات المحرمة، مصدرها بيت آل “ساباري”، الضابط الذي قتل عشيقته طاعنًا فرجها بوحشية، والطبيب “فون شونفيلد” زميل فرويد الذي عذب أخته وبتر أصابع قدمها، والمغني الأوبرالي الذي افترس ضحاياه على طريقة مصاصي الدماء، وحتى “فرويد” استسلم لإغواء فتاة آل “ساباري” ومارس معها الجنس، مستشعرًا الذنب لخيانته خطيبته.

في بيت آل “ساباري” الرغبات والنزعات الحرون تتطلب الإشباع الفوري دون اعتبار لأي معايير أو أخلاقيات. كل هذا يجري في ظل أجواء ضبابية معتمة تدور داخلها أغلب أحداث المسلسل، كأنها تقع في جوف العقل الباطن لأحدهم.

لكن برغم كل الجرائم التي وقعت فإن آل “ساباري” ظلوا في مأمن، وإن شعر الكونت بالقلق بعد ظهور “فرويد”، وبانفعال بالغ يسأل الكونتيسة:
– ماذا لو عادت للمغني الذاكرة، وتذكر “فلور” و”التالتوز”؟
– هذا مستحيل، لا أحد يتذكر شيئًا.
– و”فرويد” غير العادي؟!

“فرويد” وحده كان قادرًا على اختراق بيت “آل ساباري”، رمز اللا وعي (نلاحظ أنه على مدار حلقات المسلسل لا تُذكر أسماء لآل “ساباري” في تأكيد على الرمزية)، فقبل “سيجموند” لم يكن لأحد قدرة على الوصول إلى هذه الطبقة العميقة في النفس الإنسانية.

بواسطة الفتاة “سالومي” يسيطر آل “ساباري” على جميع ضيوفهم، لكن “فلور” رغم قواها الخارقة تعاني بشدة، فنشاطات آل ساباري (قوى اللا شعور) تجبرها على استدعاء ذكريات طفولتها المروعة، عندما دمر الجنود النمساويون قريتها المجرية، وقتلوا كل من فيها، وفي بعض مشاهد المسلسل يتداخل لديها الماضي الأليم بالحاضر، بفعل أي شبه ولو كان عارضًا أو ضعيفًا، لتستجيب “سالومي” ذات الاستجابة القديمة بطفولتها. ففي اللا شعور -كما صوره “فرويد”- لا تُدرك الفواصل الزمنية، الماضي والحاضر شيء واحد.

يزخر المسلسل بالمشاهد غير المنطقية المرتبطة بمنزل آل “ساباري”، ويتفق ذلك مع رمزيته للا وعي، فمن خصائصه أنه لا يخضع للمنطق، ولا يتفق والواقعية.

من بين هذه المشاهد، مشهد ضمته الحلقة الخامسة، يستضيف فيه آل “ساباري” الأشخاص المرشحين للمشاركة في مؤامرة اغتيال الإمبراطور.

يدخل الجميع عراة إلى غرفة واسعة، ويقف عدد منهم مرتدين رؤوس حيوانات برية، ثم يتقدم الواحد منهم تلو الآخر ليُغرق جسمه بدم الحيوانات المقتولة، بينما انتصب الكونت ممسكًا عصا تشبه الرمح وبجواره الكونتيسة، ثم يقترب أحدهم ويمارس الجنس مع “سالومي” التي تخرج، خلال الطقس البدائي، من كيس يشبه كيس الجنين داخل رحم أمه، ويعترف الرجل الذي مارس الجنس مع “سالومي” بعدها بأنه يريد قتل أبيه، وباعترافه يصرخ: لقد تحررت أخيرًا.

تصور من هاجموا المسلسل أنه جاء ضمن ممارسات السحر الأسود، لكنه تأويل غير دقيق، خاصة أن المشهد لم يصحبه إلقاء أي تعاويذ سحرية.

المشهد يُحيلنا إلى مؤلَّف “فرويد” “الطوطم والتابو” الذي يتناول حكاية أول ثورة بالتاريخ على السلطة، سلطة الأب، واستعملها “فرويد” في تفسير النزعات اللا شعورية.

تُفيد الأسطورة الفرويدية بأن في البدء تجمع الناس في عشائر، كل عشيرة كان يحكمها أب قوي متسلط يفرض نظامًا يُحرم ممارسة الجنس مع فتيات القبيلة ليستأثر بهن. القمع والكبت الجنسي دفع أفراد إحدى العشائر في النهاية إلى قتل رئيس القبيلة، الأب.

في المشهد أيضًا إشارة جازمة تدلل على طبيعة “سالومي” التي لا تنتمي لآل “ساباري” (اللا وعي) بالكلية، فهي مجرد ابنة بالتبني، لهذا فالسيطرة عليها لم تكن مطلقة، وعلى مدار حلقات المسلسل تتخبط “فلور” بين الاستسلام لتسلط بيت “ساباري” وبين طبيعة أخرى (الوعي) تتنازعها.

يقدم صنّاع المسلسل “فلور” على أنها السلاح الأقوى لآل “ساباري”، هذا في الطبقة الأولى للمشاهدة، أما الطبقة الثانية فترمز “فلور” إلى الطاقة الحيوية الجنسية “الليبيدو” أو الغريزة الباحثة عن اللذة الجنسية. ففي المشهد السابق تمارس “سالومي” الجنس أثناء الطقس البدائي، وقبلها تغوي “فرويد” ليضاجعها أكثر من مرة، ويستدرجها ولي العهد فلا تبدي مقاومة ليغتصبها في عنف، وفي إشارة واضحة لتلك الطبيعة تخرج “سالومي” في المشهد السابق من كيس يشبه الكيس الأمينوسي للجنين. فالليبيدو -وفق التصور الفرويدي له- يحن من خلال ممارسته للجنس بصوره المختلفة إلى لذة الفردوس الضائع، لذة التكور في رحم الأم.

محور ثانٍ حملته المعالجة الثرية، وهو تقديم نماذج للمشكلات النفسية أو المفاهيم التي حملت إسهامًا مهمًّا لصاحب “التحليل النفسي”، لتسمى حلقات المسلسل بها، مثل: الهستيريا، والصدمة النفسية، والسير أثناء النوم، والتطهير، والطوطم، والنكوص، والرغبة، والكبت.

تختتم أحداث المسلسل بإفشال “فرويد” لمخطط آل “ساباري” في التدمير والتخريب (وهو ما طُبعت عليه قوى اللا شعور)، فيسأل “فرويد” “سالومي”: ما خطتك؟، لتجيب: أنا حرة، شكرًا لك.

في إشارة إلى تحريره الطاقة الحيوية “الليبيدو” من تسلط اللا وعي، وإن كان كما يقول “كارل يونج” لا توجد نظرية أو طريقة سحرية قادرة على إلغاء هذا التأثير بشكل نهائي.

لم يعرض المسلسل سيرة مؤسس علم النفس الحديث، بل منهجه في التوليف بين الحكاية أو الخرافة والواقع والرمز، ليثير داخل القارئ، كما المشاهد، مشاعر الإثارة والتشويق المعرفي، وهو منهج استطاع “فرويد” بواسطته، بحسب عالم النفس الأمريكي “دونكان مكدوجال”، أن يُضيف “إلى معرفتنا بالطبيعة البشرية أكثر مما فعله أي إنسان آخر منذ أرسطو”، لكن يبدو أنه كان سببًا في إساءة فهم العمل الدرامي المميز.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري

Start typing and press Enter to search