فصائل "محور المقاومة" ولعبة الكراسي في العراق

مدخل تأسيسي

شهِدَت الساحة السياسية والأمنية في العراق ولادة العديد من الفصائل المسلَّحة بمختلف تلوُّناتها وانتماءاتها، إلا أن الثابت هو أن هذه الفصائل لم تكُن وليدة لحظة عابرة في التاريخ السياسي العراقي؛ بل لعبت العديد من الظروف والتحولات التاريخية التي مرَّ بها العراق دورًا في نشأتها وظهورها وتطورها، فالتوجُّه نحو العمل المسلَّح ضمن الإطار الشيعي يرجع إلى فترات بعيدة في الحالة العراقية، نتيجة لأسباب تاريخية ومذهبية، دفعت كثيرًا من الأحزاب والتنظيمات الشيعية إلى تبني مفهوم العمل المسلَّح، بعد حظر أغلبها من العمل السياسي في العراق قبل عام 2003.

إن الفصائل المسلحة انتشرت بشكل واسع في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، مستغلَّة حالة الفراغ الأمنيّ الذي خلَّفه غياب السلطات الأمنية العراقية، فضلًا عن عمل أغلبها ضمن أحزاب نافذة في العملية السياسية العراقية، بل وصل الحد بها إلى ارتباطها المباشر بالحكومات العراقية المتعاقبة بعد هذا التاريخ، ما جعل منها رقمًا صعبًا في تشكيل الحكومات العراقية، وممارسة دور مؤثر في عملية اختيار رؤساء الحكومات والهيئات المستقلة والمراكز التنفيذية الأخرى في الدولة، في استعارة واضحة لنموذج “حزب الله” اللبناني، ودوره المؤثر في الحياة السياسية اللبنانية.

هادي العامري

إن الصعود السياسي للفصائل المسلحة في العراق؛ برز بشكل واضح بعد نهاية الحرب على تنظيم “داعش” عام 2017، إذ تحولت أغلب الفصائل المسلحة إلى أحزاب وحركات سياسية، تبلورت فيما بعد على شكل تحالفات سياسية شاركت في الانتخابات البرلمانية العامة عام 2018، وحصلت على العديد من المقاعد النيابية في مجلس النواب العراقي ضمن مسمى تحالف الفتح الذي يقوده “هادي العامري” رئيس منظمة بدر.

ولعل هناك الكثير من الأسباب الموضوعية والسياسية التي دفعت بهذه الفصائل للدخول إلى ميدان العمل السياسي في العراق، والتي تأتي جميعها في إطار الحفاظ على المكتسبات السياسية والأمنية والاجتماعية التي حققتها هذه الفصائل خلال حربها على تنظيم “داعش”، فضلًا عن طرح نفسها كممثل سياسي رئيس للحالة الشيعية في العراق، ومن ثم التحكم بالمفاصل الرئيسة للدولة العراقية سياسيًّا وأمنيًّا واقتصاديًّا.

اضغط.. على كل محور يمين الصفحة للقراءة
اضغط.. على كل محور لقراءة مضمونه

تعود اللبِنة الأساسية لنشأة الفصائل المسلحة في العراق إلى مرحلة ما قبل الحرب العراقية الإيرانية، فقد مرَّت دورة حياة هذه الفصائل بالعديد من المراحل التاريخية، حتى وصلت إلى الصورة التي هي عليها اليوم، والتي يمكن تناولها في ما يأتي: 

الجيل الأول: يمثِّله فيلق بدر بقيادة “هادي العامري”، الذي تَأَسس في ثمانينيات القرن الماضي بوصفه جناحًا عسكريًّا تابعًا للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، بقيادة المرجع “محمد باقر الحكيم” آنذاك، والذي شنَّ عددًا من الهجمات العسكرية ضدّ قوات الجيش العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، إلى جانب عدد من الفصائل الأخرى التابعة لحزب الدعوة وحزب المؤتمر الوطني العراقي.

الجيل الثاني: تمثِّله الفصائل المسلحة التي ظهرت في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ويأتي على رأسها: جيش المهدي، عصائب أهل الحقّ، سرايا اليوم الموعود، حركة النجباء، حزب الله تنظيم العراق، كتائب أبو الفضل العباس.. وغيرها التي يطلق عليها اسم “المقاومة الإسلامية في العراق”، علمًا بأن كثيرًا منها شهد انشقاقات وتشظيًا وانقساما إلى عدة فصائل، كما هو الحال مع جيش المهدي الذي انقسم إلى ثلاثة فصائل مسلَّحة (سرايا السلام بقيادة “مقتدى الصدر”، عصائب أهل الحقّ بقيادة “قيس الخزعلي”، حركة النجباء بقيادة “أكرم الكعبي”).

الجيل الثالث: ظهر خلال الحرب على تنظيم “داعش”، ويمثِّله أغلب الفصائل المنضوية تحت ما يعرف بالحشد الشعبي اليوم، ومنها: كتائب الإمام علي، سرايا عاشوراء، كتائب سيد الشهداء، كتائب الغضب.. وغيرها، ويصل عددها إلى أكثر من 63 فصيلًا مسلحًا.

الجيل الرابع: ظهر في مرحلة ما بعد الحرب على تنظيم “داعش”، وتُمثله ما يطلق عليها فصائل محور المقاومة. وهي على الرغم من ارتباطها تنظيميًّا بالحشد الشعبي؛ إلا أنها عمليًّا جزء من القيادة الإقليمية الإيرانية، بل بدأت تطرح نفسها في إطار يتجاوز حدود الدولة العراقية، ومنها فصائل معروفة سابقًا بدأت تتمايز عن باقي فصائل الحشد الشعبي، ومنها: عصائب أهل الحق، وحركة النجباء، وكتائب حزب الله، وكتائب سيد الشهداء، وكتائب الإمام علي. وبعضها فصائل جديدة مرتبطة تنظيميًّا بقوة القدس مباشرةً، ومنها: عصبة الصابرين، وأصحاب الكهف، وقبضة الهدى.

علي خامنئي

وتتلقى هذه الفصائل دعمًا عسكريًّا وماليًّا من الحكومة العراقية والنظام الإيراني[1]. وبجانب ما تقدم، فإنه عند الحديث عن الانتماءات السياسية والعقائدية لأغلب الفصائل المسلحة العاملة في العراق في الوقت الحاضر، تبرز هنا عدة تساؤلات حول ماهيتها وانتماءتها وتحديدًا في المجال العقائدي، لأن أغلب هذه الفصائل تدين بالولاية العامة للولي الفقيه في إيران “علي خامنئي”، بوصفه القائم بأمر المسلمين حتى ظهور الإمام المهدي، وبما أنه يمثل الإمام المهدي فإن أوامره لا تخضع للنقاش أو الاستفسار بوصفها أوامر إلهية، وهي واجبة التنفيذ. ولعل هذا ما أشار إليه “خامنئي” في كثير من المناسبات عندما كرَّر باستمرار أن مهمة هذه الفصائل لا تقتصر على العراق فقط، وإنما واجبها نصرة المظلومين على امتداد العالم.[2]

إن أغلب هذه الفصائل أخذ يرتبط بصورة أو بأخرى بالمؤسَّسة العسكرية العراقية (وزارة الدفاع والداخلية) التي ترتبط بدورها برئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلَّحة، خصوصًا بعد صدور قانون هيئة الحشد الشعبي والمؤسَّسات التابعة له في نوفمبر 2016، إذ أصبح لأغلب هذه الفصائل توصيف قانوني ينظِّم عملها؛ لكونها جميعًا تعمل الآن في الساحة العراقية تحت اسم “الحشد الشعبي” أو “فصائل محور المقاومة”. وعليه يظهر لنا أن الفصائل المسلحة بوضعها الحالي لها مرجعيتان أساسيتان:

أولًا- المرجعية السياسية: المتمثلة في ارتباطها برئيس الوزراء العراقي بوصفه قائدًا عامًّا للقوات المسلحة العراقية.
ثانيًا- المرجعية العقائدية: المتمثلة في ارتباطها بالولي الفقيه في إيران “علي خامنئي”.

مقتدى الصدر وعمار الحكيم وعلي السستاني

وتجدر الإشارة إلى أن هناك بعض الاستثناءات التي ترد على الارتباط العقَائدِيّ لهذه الفصائل، وارتباطها بإيران، وهي: سرايا السلام، وسرايا عاشوراء، والفصائل القتالية التابعة لمرجعية النجف، التي ترتبط بالمراجع الدينية في العراق؛ فالأولى ترتبط بالسيد “مقتدى الصدر”، والثانية بالسيد “عمار الحكيم”، والثالثة بمرجعية السيد “علي السستاني”.

ومن ثم فإن الدعم الإيراني للفصائل المسلحة في العراق، يأتي ضمن توجه إيراني عام، بأن الضرورات الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين؛ تقتضي إجراء تحول في نمط العمل الاستراتيجي الإقليمي، وتوظيف المزيد من هذه الكيانات والتنظيمات لسد الشواغر الاستراتيجية التي خلفها انهيار سيادة الدول، وتحديدًا في العراق خلال الحرب على تنظيم “داعش” على ترابه الوطني. ولعل الانتشار الواسع لعدد الفصائل المسلحة في العراق على سبيل المثال، والتي يصل عددها إلى أكثر من 63 فصيلًا مسلحًا خير مثال على ذلك، وتحظى كل هذه الفصائل بدعم شعبي واسع، لأنها تشكل غالبًا الجناح العسكري للحركات الاجتماعية التي خرجت منها.[3]

فقد سعت جهود الحرس الثوري الإيراني لتشكيل حركة شيعية عابرة للحدود، تتألف من جماعات متشددة ونشطاء في منطقة الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا، ثم جاءت الأحداث في سوريا والبحرين التي ترافقت مع صعود تنظيم “داعش” في العراق، والتدخل العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين في اليمن، ليساهم في الشحذ الجماعي للهوية في صفوف شيعة الشرق الأوسط.

وقد لاحظ “توبي ماثييسن” هذه الظاهرة المُنبثقة مما وصفه بـالمجال العام الشيعي، إذ انتشرت الرموز التي استُخدمت لإسباغ القداسة على الصراعات في سوريا والعراق على نطاق واسع عبر وسائط التواصل الاجتماعي والأقنية الفضائية الشيعية؛ ما عزز الهويات الطائفية العابرة للحدود الوطنية.[4]

إن ترسيخ نفوذ إيران في العراق عبر الدعم غير المحدود لأحزاب الإسلام السياسي الشيعي، وفق قربها وبعدها من نظام ولاية الفقيه،[5] فضلًا عن السعي إلى إنتاج أحزاب ومنظمات وقيادات سنية برعايتها وتمويلها، لتفرض حالة من الشرعية السياسية على دورها في العراق، وسعيها المتواصل لفرض الهيمنة السياسية على مجمل الحالة العراقية، بالشكل الذي يجعلها مستفردة بالملف العراقي؛ هذا المسعى المتصاعد ولّد الكثير من ردود الأفعال الإقليمية والدولية. 

إضافة إلى ذلك، ولأجل ضمان تأمين مصالحها بغض النظر عمن يكون الفائز؛ تقوم إيران بتأمين رهاناتها عن طريق دعم عدد من الفصائل المسلحة التي تدين بالولاء للنظام الإيراني. وانطلاقًا من إدراكها أن الانتخابات وسيلة تأثير ذات حدين: الأول يضمن وصول حلفائها إلى السلطة، والثاني إيصال رسالة إلى مختلف الأطراف السياسية في العراق بأنها تمتلك سلطة مؤثرة لمن يريد الوصول إلى سدة البرلمان؛[6] تسعى إلى التأثير في الانتخابات البرلمانية العراقية عن طريق الدفع بحلفائها ضمن قائمة واحدة، وعدم السماح بتشكيل تكتلات حزبية شيعية خارج مظلتها السياسية.

بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003، أدت إيران دورًا بارزًا -إلى حد كبير- في العراق من خلف الستار، وشمل دورها -آنذاك- تسليح مختلف الفصائل المسلحة، وتدريبها، وتمويلها، وإن تنوعت أشكال ذلك الدعم؛ غير أن الأمور شهدت تحولًا مع الانسحاب الأمريكي من العراق في عام 2011. ففي أعقاب سيطرة تنظيم “داعش” على مساحات واسعة من الأراضي العراقية، تشاركت كل من الولايات المتحدة وإيران الأهداف ذاتها، وهي هزيمة هذا التنظيم، وضمان وحدة أراضي العراق، والحفاظ على حلفائها الشيعة في الحكومة المركزية. وفي بدايات عام 2015، بات الدور الإيراني في العراق أكثر علانية وأكثر نشاطًا.[7]

لا تريد إيران لتنظيم “داعش” أو غيره من الجماعات السنية أن تسيطر على العراق، فهي تبدو قلقة بشكل خاص من أن يتم تغيير الحكومات الشيعية بحكومة أخرى معادية لها في العراق، كما كان الحال خلال حكم “صدام حسين”. وفي هذا الإطار، مثّلت الحرب العراقية الإيرانية عاملًا رئيسًا في تفكيرها الاستراتيجي، حتى إن عددًا من السياسيين والقادة العسكريين في النظام السياسي الإيراني الآن هم ممن ينتمون إلى ذلك الجيل الذي عايش تلك الحرب.

عناصر داعش

وبينما يشترك العراق مع إيران بحدود طويلة؛ فإن وحدة الأراضي العراقية هي أمر بالغ الأهمية بالنسبة لإيران. وفي الوقت الذي سيطر فيه تنظيم “داعش” على مساحات شاسعة في شمال العراق؛ فقد أكد الرئيس الإيراني “حسن روحاني” في أكثر من مناسبة، أن إيران تَعتبر أمن العراق واستقراره من أولويات الأمن الوطني الإيراني. وفي السياق ذاته، تبدي إيران قلقها إزاء حماية المقدسات الشيعية في العراق. وقد منح صعود تنظيم “داعش” الفرصة لها للظهور أمام العراقيين بمظهر القوة المهمة في منطقة الشرق الأوسط، التي يجب أن تُعامل على هذا النحو، وكما قال وزير الخارجية الإيراني “محمد جواد ظريف” في ديسمبر 2014: “لقد أدرك العالم حقيقة أن البلد الأول الذي يهرع لمساعدة الشعب العراقي في المعركة ضد التطرف والإرهاب كان جمهورية إيران الإسلامية”.[8]

ويتضح أن أبعاد الدور الإيراني في العراق تتلخص في سعيها المستمر للهيمنة على العملية السياسية العراقية بشخوصها ومؤسساتها وهياكلها، وعدم السماح لأي فاعل سياسي أو شعبي داخلي أو إقليمي أو دولي بتهديد مصالحها السياسية هناك، وهو ما برهن عليه الدور الإيراني حيال التعامل مع التظاهرات الاحتجاجية في العراق في أكتوبر 2019، والتي رفعت شعارات منددة بالأحزاب الشيعية والدور الإيراني في العراق، فهي تدرك جيدًا أن ضمان نفوذها السياسي في العراق هو بالمقابل ضمان لفاعلية استراتيجية الجيوبوليتيك الشيعي، فنجاح نموذجها السياسي في العراق سيعطيها زخمًا إقليميًّا لتحريك أدوات نفوذها الأخرى في إطار الجغرافيا الشيعية، باعتبارها المستهدف الأول من استراتيجية إيران الخارجية بعد العراق، والعكس صحيح أيضًا.

شكل البروز السياسي لتحالف الفتح (الوجه العسكري للحشد الشعبي) الانغماس الأكثر تمظهرًا للدور السياسي الإيراني في العراق، فهو ومن خلال الحشد الشعبي أصبح اليوم الحاضنة الأكثر ثباتًا وقوة في الوسط السياسي الشيعي، وهو ما سيشكل ضغطًا على القوى الشيعية الوطنية والعلمانية الليبرالية التي تحاول أن تثبت نفسها في الانتخابات القادمة على مستوى مجالس المحافظات أو الانتخابات البرلمانية، ويبدو أن هناك توجهًا حقيقيًّا نحو هذا الهدف، ويمكن القول إن هناك الكثير من الأسباب التي دفعت إيران إلى تقوية هذا التحالف على حساب التحالف الشيعي الحاكم، الذي دعمته وساندته منذ عام 2006، ومنها:

الأول: الظهور بمظهر الممثل الرسمي للحشد الشعبي أمام الوسط السياسي الشيعي، والطرف السياسي الأكثر تأييدًا للسياسات الإيرانية في العراق.

الثاني: سحب البساط من تحت أقدام القوى السياسية الشيعية الأخرى، مثل (عمار الحكيم، ومقتدى الصدر) اللذين يتبنيان خطابًا تصالحيًّا بعض الشيء مقارنة بالخطاب الذي يمثله “هادي العامري” و”قيس الخزعلي” وغيرهما من قادة التحالف.

ترامب وروحاني

الثالث: أن تحالف الفتح يطرح نفسه اليوم ضمن سياسة إقليمية تديرها إيران في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وهو أمر تجنبت العديد من القيادات الشيعية خارج إطار تحالف الفتح الحديث عنه. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن المرحلة المقبلة ستشهد تخليًا إيرانيًّا واضحًا عن كل الأطراف السياسية الشيعية التي تعمل خارج إطار هذا التحالف.

وتحالف الفتح هو تحالف سياسي أُنشئ من قبل رئيس منظمة بدر “هادي العامري” في عام 2018، وشارك في الانتخابات البرلمانية بالعام نفسه، وحصل على 48 مقعدًا في البرلمان العراقي من أصل 329 مقعدًا. ويتألف من الأجنحة السياسية للفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، ومن أبرزها: منظمة بدر، وحركة الصادقون، والمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، والتجمع الشعبي المستقل، وحركة الجهاد والبناء، وكتلة منتصرون، وحزب مهنيون للإعمار، وحزب الطليعة الاسلامي، وتجمع عراق المستقبل، وحركة الصدق والعطاء، فضلًا عن أحزاب وحركات أخرى.

وتدين أغلب الفصائل المسلحة المنضوية ضمن تحالف الفتح بالولاية العامة للولي الفقيه في إيران، ولهذا يُطلق عليها مجازًا فصائل المقاومة الإسلامية أو فصائل محور المقاومة، فهي تطرح نفسها عسكريًّا في إطار يتجاوز اسم الحشد الشعبي. وما يدلل على ذلك أن هناك تغيرات بنيوية كبيرة مرت بها هيكلية الحشد الشعبي اليوم، بعد قيام العديد من الفصائل المسلحة المرتبطة بمرجعيات دينية شيعية عراقية، بتحويل ارتباطات فصائلها العسكرية من هيئة الحشد الشعبي إلى وزارة الدفاع العراقية في 18 مارس 2020، وذلك بعد تمكن العديد من الفصائل الموالية لإيران (ومنها: كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وحركة النجباء) من تسخير القوة العسكرية للحشد الشعبي في إطار مواجهة عسكرية بالوكالة مع الولايات المتحدة في العراق.

والأكثر من ذلك؛ تبنى تحالف الفتح موقفًا سياسيًّا وعسكريًّا متشددًا من التظاهرات الاحتجاجية التي شهدتها الساحة العراقية منذ مطلع أكتوبر 2019، وذلك بعد رفعها شعارات سياسية منددة بالوجود الإيراني في العراق، بل ورفضت الانصياع لمطالب المتظاهرين بضرورة تشكيل حكومة عراقية خالية من التأثير الإيراني، وهو ما دفعه إلى تشكيل غرفة عمليات في بغداد، بالتنسيق مع قائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني آنذاك “قاسم سليماني” لإجهاض هذه التظاهرات، قبل أن تتأزم الأمور من جديد بعد اغتيال “سليماني” في مطلع العام الجاري.

وطرح تحالف الفتح دوره كمتغير مؤثر في مجريات السياسة الداخلية العراقية، إذ نجح في عرقلة تشكيل الحكومة العراقية بعد انتخابات عام 2018، ومن ثم عاد ليشكل تحالفًا سياسيًّا مع كتلة “سائرون” النيابية التي يقودها السيد “مقتدى الصدر”، لتشكل فيما بعد حكومة المستقيل “عادل عبدالمهدي”. كما نجح التحالف في عرقلة تمرير حكومة المكلف السيد “محمد توفيق علاوي” في مارس 2020، وليتكرر الشيء ذاته مع المكلف السيد “عدنان الزرفي” في 9 أبريل 2020، وكل ذلك يأتي من كون جميع هؤلاء المرشحين لا يلبون طموحات تحالف الفتح السياسية من جهة، وضرورات الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية من جهة أخرى.

مصطفى الكاظمي

وعلى الرغم من دعم تحالف الفتح لعملية تكليف رئيس جهاز المخابرات العراقي السيد “مصطفى الكاظمي” لتشكيل الحكومة العراقية الانتقالية، وهو الذي تم اتهامه من قبل قادة هذا التحالف في وقت سابق بأنه سهّل عملية اغتيال “سليماني” رفقة نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي “أبو مهدي المهندس”؛ إلا أن دعم التحالف يأتي في إطار خيار تكتيكي وليس استراتيجيًّا، هدفه التقليل من المخاوف الإيرانية من أن هناك سيناريو انقلابيًّا تديره الولايات المتحدة في العراق، على اعتبار أن المرشح الجديد مدعوم أمريكيًّا أيضًا. وعلى هذا الأساس نجح تحالف الفتح في تطبيق الرؤية الإيرانية في العراق، الهادفة لتهدئة الأوضاع في العراق، بعيدًا عن أي تغيير في قواعد اللعبة السياسية بين إيران والولايات المتحدة هناك. ويبدو أن رفض التحالف للمرشَّحَيْن السابقين جاء لمجرد رفضهم إيرانيًّا لا أكثر، وليس لضرورة تتعلق بالساحة السياسية العراقية. 

عدنان الزرفي

إن الدور السياسي الحالي لفصائل محور المقاومة المنضوية ضمن تحالف الفتح، هو إرسال رسالة واضحة للاعبين في الساحة الداخلية العراقية، بأنه الطرف السياسي الشيعي المتحكم بقواعد اللعبة السياسية في العراق. فعملية رفضه للمرشحين السابقين جاء ليؤكد أنه لا حكومة عراقية تأتي بخلاف رغبته ورغبة إيران في العراق، إلى جانب إرسال رسالة واضحة للولايات المتحدة بأنه الطرف الرئيس المتحكم بالسياسة العراقية، وهو ما برهنت عليه رسائل الدم التي بعثت بها العديد من الفصائل المسلحة بعد عملية تكليف السيد “عدنان الزرفي” بمهمة تشكيل الحكومة العراقية، والمتمثلة بعمليات قصف صاروخي على المنطقة الخضراء التي تتواجد فيها السفارة الأمريكية، إلى جانب العديد من المعسكرات التي تتواجد فيها القوات الأمريكية وقوات التحالف الدولي في العراق. 

مثّل الدور السياسي الذي تؤديه فصائل محور المقاومة في العراق حالةً سياسيةً جديدةً بدأت تغير الكثير من المفاهيم السياسية التي سادت العملية السياسية في العراق بعد عام 2003، وأهمها التحول من مفهوم الأغلبية السياسية إلى الأغلبية العسكرية، أو بمعنى آخر تشكيل حكومات مدنية خاضعة لتأثير أوليغارشية عسكرية مرتبطة بإيران. وبمعنى آخر أكثر دقة؛ بعد أن كانت إيران تتدخل بصورة مباشرة في عملية تشكيل الحكومات العراقية، أخذت هذه الفصائل على عاتقها تأدية الوظيفة الإيرانية بصيغة عراقية لا تثير حفيظة القوى الشعبية والسياسية المطالبة بإنهاء النفوذ الإيراني في العراق. 

عادل عبدالمهدي

وعلى الرغم من التدخلات الإيرانية الواضحة في رسم خارطة العمل السياسي في العراق، من حيث توزيع المناصب والمسئوليات بعد كل عملية انتخابية يشهدها العراق منذ عام 2006؛ إلا أنه ببروز فصائل محور المقاومة تغيرت هذه البدعة السياسية قليلًا، خصوصًا وأن هناك فصائل تدين بالولاية العامة للولي الفقيه في إيران، إذ نجحت هذه الفصائل في التأثير على عملية تشكيل الحكومة العراقية بعد انتخابات عام 2018، ووضعت على رأس الحكومة العراقية السيد “عادل عبدالمهدي”، الذي أظهر عجزًا واضحًا في احتواء أو السيطرة على الأدوار الإيرانية في العراق. بل ويمكن القول إن سيناريو إفشال عمليات التكليف التي حدثت مع السيد “محمد توفيق علاوي” والسيد “عدنان الزرفي”، الذي أداره تحالف الفتح؛ الهدف الرئيس منه إعادة تدوير السيد “عبدالمهدي” من جديد.

إن الرغبة السياسية لفصائل محور المقاومة المرتبطة بإيران، تتضح من أنه لا يمكن القبول بأي شخصية ترأس الحكومة العراقية معارضة أو مناوئة للنفوذ الإيراني في العراق، وعلى هذا الأساس أدت دورًا مؤثرًا ليس فقط في إيصال شخصيات مسيطر عليها في رئاسة الوزراء، ومكتب رئيس الوزراء، بل وتعيين العديد من الشخصيات القريبة منها في مفاصل مهمة من الدولة، سواءً في وزارتي الدفاع والداخلية، والأكثر من ذلك إبعاد أي شخصية عسكرية مقبولة شعبيًّا معارضة للنفوذ الإيراني أيضًا، كما حصل مع عملية إبعاد قائد قوات مكافحة الإرهاب الفريق “عبدالوهاب الساعدي” عن موقعه، إلى جانب صلتها بعمليات اغتيال طالت العديد من الضباط البعيدين عن التأثير الإيراني.

مشهد من اغتيال قاسم سليماني

إن الدور السياسي لهذه الفصائل مرشح للتصاعد في الفترة المقبلة، والهدف من ذلك كله تأمين الجبهة الأمامية لإيران، حيث أدت هذه الفصائل دورًا مهمًّا في إجبار مجلس النواب العراقي على إصدار قرار بإخراج القوات الأجنبية من العراق، على خلفية اغتيال “سليماني” و”المهندس”، وهي تشن اليوم حملات سياسية منظمة ضد أي شخصية عراقية مقربة من الولايات المتحدة، فالسيطرة على القرار السياسي وربط السياسة الخارجية العراقية بالسياسة الإيرانية، هي مهمات رئيسة تسعى هذه الفصائل إلى إنجازها بأي وسيلة، وتبدو البيئة العراقية مرشحة لهكذا أدوار، طالما ظلت العملية السياسية تدار عبر صراعات مزدوجة من قبل إيران والولايات المتحدة، فكلما تدخلت الولايات المتحدة في الشأن الداخلي العراقي، وجدت هذه الفصائل مدخلًا شرعيًّا لأدوارها في العراق، وبيئة مهيّأة لربط العراق بعجلة الاستراتيجية الإيرانية في الشرق الأوسط. 

Edit

[1] المليشيات المسلحة واستقرار العراق، مركز الروابط للدراسات والبحوث الاستراتيجية، في 8 أغسطس 2016 (تاريخ الدخول: 4 أكتوبر 2020). 
https://bit.ly/34rwmKK
[2] محمد العراقي، إيران ومستقبل المليشيات المسلحة في عراق ما بعد داعش، مجلة الدراسات الإيرانية، العدد (3)، (الرياض، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، 2017)، ص 120-121.
[3] فورين أفيرز، الصعود الجديد لمحور المقاومة.. كيف جعلته الفوضى أكثر قوة؟، في 27 يناير 2017. (تاريخ الدخول: 1 سبتمبر 2019).
https://bit.ly/2LnnTiB
[4] “Sardar Falaki, One of the Commanders of the Syrian Front, in an Interview with Mashregh News Site,” [Sardar Falaki, az farmandehan-e jebhe-ye suriyeh dar goftogu ba saiyt-e khabari Mashreq], Bultan News, Jul 2016, https://bit.ly/2NEYm7w. (Date of Entry: 1 Sep 2019).
[5] فارس كريم فارس، استراتيجية إيران إزاء العراق، موقع الحزب الشيوعي العراقي، في 8 أبريل 2017 (تاريخ الدخول: 25 يوليو 2019).
https://bit.ly/2MRvY1j
[6] معمر فيصل الخولي، التغلغل الإيراني في العراق.. الدوافع والأشكال وأدوات التأثير، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، في 11 يونيو 2016، ص 5. (تاريخ الدخول: 26 يوليو 2019).
https://bit.ly/32OC3AN
[7] طارق فرحات، مترجم: ما الذي تفعله إيران في العراق؟ 6 أسئلة تشرح لك، موقع ساسة بوست، في 17 مارس 2015، ص2. (تاريخ الدخول: 26 يوليو 2019).
https://bit.ly/2BMKocB
[8] المصدر نفسه، ص 3.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

تقرير

فراس إلياس

باحث عراقي

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم و جرافيك

Start typing and press Enter to search