دراسات وتحليلات

فصل الدين عن الدولة.. علمانية جوهرية في الإسلام وتاريخية عند الكاثوليك

لمَ كل هذه القيود المفروضة من السلطات على الحريات الدينية في كثير من البلاد ذات الأغلبية المسلمة؟ بالأحرى، لمَ تتبنى السلطة تصورات/تفسيرات للدين، وتفرضها، في كثير من الدول الإسلامية؟

انطلاقًا من هذا السؤال، يجادل أحمد كورو، الأستاذ بجامعة سان دييجو في الولايات المتحدة الأمريكية، في ورقة بحثية نشرت في International Journal of Religion (IJOR)، بأن المشكلة ترجع إلى التحالف بين السلطتين الدينية والسياسية.

وينفي كورو أن يكون التحالف بين طبقة العلماء والدولة، سمة جوهرية في الإسلام، فهو ليس إلا تحالفًا تاريخيًا. ومن ثمّ يفإنه لا يقبل بالفكرة الشائعة بأن الإسلام يرفض بطبيعته الفصلَ بين الدين والدولة، في حين تتبناه المسيحية.

ويقدم كورو طرحًا بديلًا، يرى أن تحالف العلماء والدولة في العالم الإسلامي، تكوّن بعد منتصف القرن الـ11، وأن الفصل بين الكنيسة والدولة في أوروبا الغربية أسس تاريخيًا أيضًا خلال الفترة ذاتها.

وباستخدام مقاربة تاريخية مقارنة، تشرح الورقة الخلفيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لتلك التحولات التاريخية، مركزةً بشكل خاص على العلاقات بين الطبقات الدينية والسياسية والعلمية والاقتصادية. فيما يلي ترجمة بتصرف لمختصر ورقة أحمد كورو.

في أحد التقارير الصادرة مؤخرًا عن مركز بيو للأبحاث، والذي يوثق القيود المفروضة على الحريات الدينية حول العالم، تأتي البلاد ذات الغالبية المسلمة من بين أكثر الدول صاحبة القوانين والسياسات الأكثر تقييدًا للحريات الدينية. ومن بين 49 دولة ذات أغلبية مسلمة حول العالم، تعاقب ثلثا هذه الدول قانونا على حالات الردة أو إهانة الإسلام.

لا شك أن الحريات الدينية تتطلب مستوى معين من الفصل بين الدين والدولة. فإذا كانت الدولة تتبنى دينًا بعينه بشكل كامل، فإن هذا ينعكس بالضرورة على التمييز القانوني والمالي والخطابي، الواقع ضد غير المعتنقين لذلك الدين.

تنطوي أيضًا مثل هذه العلاقة على قيود تُفرَض ضد أولئك المؤمنين بذلك الدين نفسه، ويمارسون شعائره، لكن بطريقة مختلفة عن تلك التي تحددها الدولة.

وبحسب التصور الشائع، يرفض الإسلام بطبيعته الفصل بين الدين والدولة. وإذا كان هذا صحيحًا، فمن المستحيل الوصول إلى حالة الحرية الدينية بشكل كامل، خاصة لمن يمتلكون وجهات نظر مختلفة في العالم الإسلامي.

وفقًا لهذا التصور تحديدًا، تتبنى المسيحية بالأساس الفصل بين الدين والدولة، بينما يرفضه الإسلام. ويوظّف المروّجون لهذا التصور بعض الأدلة النصية، مقتبسين عبارة الكتاب المقدس: “أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله”، للتدليل على حالة الفصل بين الكنيسة والدولة في المسيحية.

كما أنهم ينسبون خطأً للنبي محمد، القول المأثور: “الملك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس، وما لا أصل له فمهدوم وما لا حارس له فضائع”، رغم أنه في الواقع تعود هذه المقولة للملك أردشير الأول، مؤسس الإمبراطورية الساسانية. وقد تُرجمت العديد من أقوال أردشير إلى اللغة العربية، واستُخدِم هذا القول تحديدًا لتبرير الشراكة بين العلماء والحكام في العالم الإسلامي، أو ما أسميه “تحالف العلماء والدولة”.

وحتى إذا ما قلنا بصحة هذا الحديث مرفوعًا إلى النبي محمد، فسيبقى بلا أهمية كبيرة، لأن العلاقات بين الدين والدولة في المسيحية والإسلام على السواء، معقدة للغاية بحيث لا يمكن تفسيرها ببساطة، بعبارة من الكتاب المقدس أو بحديث نبوي.

في الواقع، شهد الإسلام نوعًا من الفصل بين الدين والدولة بين القرنين الثامن ومنتصف القرن الـ11، إذ اعتبر علماء الإسلام عمومًا أن العلاقات الوثيقة مع السلطات السياسية أمرًا منبوذًا، وفضّل غالبيتهم الحصول على معاشهم عن طريق التجارة بشكل خاص، بدلًا من العمل موظفين في الدولة.

وخلال تلك الفترة، أخرج العالم الإسلامي علماء نابغين في العلوم الدينية وغير الدينية.

في المقابل، كانت أوروبا الغربية خاضعة لهيمنة رجال الدين الكاثوليك، والأرستقراطية العسكرية. وبخلاف العالم الإسلامي، كانت أوروبا الغربية تفتقر إلى طبقات النخب العلمية والتجارية المؤثرة.

ثم بحلول عام 1050 تقريبًا، ظهر نظام سياسي جديد في العالم الإسلامي بدلًا عن النظام القديم، الذي سمح بمستوى معين من مزاولة أعمال التجارة والتنوع الديني داخل الإسلام، ممثلًا بشكل أساسي في الإمبراطورية السلجوقية (1040-1194)، التي أضفت طابعًا مركزيًا على الاقتصاد والمؤسسات التعليمية الإسلامية.

وكانت السمة الرئيسية لهذا النظام الجديد، هو التحالف بين العلماء والنخبة العسكرية الحاكمة، فيما تمثلت القواعد المؤسسية لهذا التحالف، في شبكة جديدة من المدارس الفقهية والعقدية.

مرة أخرى، حوالي عام 1050، بدأت أوروبا الغربية تجربة في الاتجاه المعاكس تمامًا. بدءًا من منتصف القرن الـ11 إلى منتصف القرن الـ12، حاول كلٌ من الكنيسة الكاثوليكية والملوك المتعاقبين فرض السيطرة على بعضهما البعض. أدى فشل هذه المحاولات إلى مأسسة الفصل بين الكنيسة والدولة.

ساهم ذلك في زيادة حالة توازن القوى بين مختلف المؤسسات في أوروبا الغربية، ما أدى في النهاية إلى إثراء التنوع الفلسفي والديني.

وهكذا يمكن القول إن تحالف العلماء والدولة جزءًا أساسيًا من الإسلام، بل تشكل تاريخيًا منذ منتصف القرن الـ11 فصاعدًا. وبالمثل، كان الفصل بين الكنيسة والدولة في أوروبا الغربية نتيجة لعملية تاريخية بدأت من منتصف القرن الـ11 أيضًا.

هذه التحولات التاريخية، تركت أثرًا فاعلًا على مدار قرون لاحقة، ما كان له تداعيات كبيرة على الأنظمة الدينية والسياسية في كلا المنطقتين.

الفصل بين الدين والدولة في العالم الإسلامي

بين القرنين الثامن ومنتصف الـ11، حاول العلماء المسلمون بشكل كبير الحفاظ على استقلالهم المالي عن الدولة، نابذين العلاقات القريبة معها.

كان لموقفهم هذا خلفية تاريخية؛ فقد شهد منتصف القرن السابع حربًا أهلية بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان. وقد أدت هذه الحرب -وما تبعها من مآسٍ، بما في ذلك مقتل الآلاف على رأسهم علي وابنه الحسين-إلى نفور الشيعة وكثير من المسلمين السنة من العلاقة بين السلطتين السياسية والدينية.

أسس معاوية أول سلالة ملكية حاكمة في تاريخ الإسلام: الأمويين (661-750). وبخلاف الخصائص الكاريزمية والشخصية والدينية لسلطة النبي محمد وخلفاءه الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كانت سلطة معاوية مؤسسية وعلمانية إلى حد كبير.

كان معاوية أول من اتخذ العرش والحرس الشخصي في التاريخ الإسلامي. ويصف العديد من العلماء، معاوية بأنه أول من بنى  دولة حقيقية في التاريخ الإسلامي، وساهم معظم الحكام الأمويون في علمنة السلطة السياسية من خلال إعطاء الأولوية لتبرير وجود الدولة.

استبدل العباسيون (750-1258) الأمويين عن طريق ثورة دموية. ولم يختلفوا كثيرًا عن الأمويين من حيث افتقارهم إلى الشرعية الدينية اللازمة. أطلق كل من الأمويين والعباسيين على أنفسهم اسم “الخلفاء”، مدعين أنهم خلفاء للنبي. لكن العلماء الشيعة رفضوا إلى حد كبير شرعيتهم على الصعيدين الديني والسياسي، بينما اعتبرهم معظم العلماء السنة حكامًا سياسيين في المقام الأول، وأن “الخلفاء” الحقيقيِّين ذويّ الشرعية الدينية هم الخلفاء الأربعة الأوائل بعد النبي فحسب.

كان الشقاق بين السلطات السياسية والدينية في ذلك الوقت واضحًا، ليس فقط في حالة العلماء المحسوبين على الشيعة، لكن أيضًا في حالة العلماء السنَّة البارزين أمثال مؤسسي المذاهب الفقهية السنية الأربعة الأشهر: أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل، والذين رفضوا جميعهم العمل في خدمة الدولة.

وبسبب هذا الرفض المبدئي لمطالب الحكام السياسيين، مات جعفر الصادق مسمومًا، فيما توفي أبو حنيفة في السجن، وجُلِدَ مالك، وسُجن الشافعي، وتعرض ابن حنبل للضرب في السجن.

وتُبين سيرة أبي حنيفة إصرار العلماء الأوائل على استقلالهم عن السلطات السياسية حتى لو تعرضوا للعقوبات؛ فقد رفض أبو حنيفة تولي القضاء زمن الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور، حتى نَقِم عليه الخليفة فسجنه ومات مسمومًا.

كما رفض البخاري، أشهر علماء الحديث لدى السنة، طلب أحد حكام آسيا الوسطى، أن يعلم أبناءه في قصره، ما أدى إلى نفيه إلى إحدى القرى حيث توفي هناك.

كانت هذه هي السمة الرئيسية لعلاقات العلماء والدولة بين القرنين الثامن ومنتصف القرن الـ11، ومع ذلك كان هناك بعض الاستثناءات مثل تلميذي أبي حنيفة البارزين: أبي يوسف والشيباني، الذين تولوا منصب القضاء في الدولة.

حلل المؤرخون، مثل منير الدين أحمد وحاييم كوهين -الذي قدم دراسة مفصلة لسيرة 3900 عالمًا من القرنين الثامن إلى منتصف الـ11 من مصر إلى الشرق- الاستقلال المالي للعلماء وأنواع التجارة والصناعات والحرف التي عملوا بها في الرقعة الجغرافية الأوسع للدولة الإسلامية من مصر إلى الشام والعراق وإيران، ورفضهم للمساعدات المالية المقدمة من الخلفاء لرفض ممارسة الضغوط عليهم خلال هذه الفترة المبكرة.

ويشير مؤرخون آخرون، إلى أن العديد من العلماء البارزين في ذلك الوقت، مثل ابن حنبل وسفيان الثوري، حظروا على العلماء تلقي الأموال من الولاة.

كما ارتبطت استقلالية العلماء عن السياسيين بخصائص أخرى ميزت المجتمعات الإسلامية، مثل نشأة فئة مؤثرة من التجار، وطبقة مبدعة من الفلاسفة، ومستوى معين من الحرية الدينية للمسيحيين واليهود. ولم تكن هذه الخصائص موجودة في مجتمعات أوروبا الغربية في تلك الحقبة.

مسلمون مسيحيون ويهود.. والدولة

خلال الحكم الأموي والعباسي، أدى عدم وجود سلطة دينية هيراركية إلى نشأة الكثير من التفسيرات السنية والشيعية للإسلام، وقد عدد الشهرستاني في كتابه الشهير “الملل والنحل“، 73 فرقة داخل الإسلام.

في ذلك الوقت، كانت الطوائف غير المسلمة، خاصة المسيحيين واليهود، تشارك بنشاط في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. وفي عصر النهضة الإسلامية، زصل اندماج تلك الطوائف لحد العمل مع الدولة،  فخلال القرن الـ10، كان بعض المسيحيين واليهود يعملون بيروقراطيين بالدولة العباسية.

ووفقًا للمستشرق السويسري الألماني آدم ميتز، كان المسلمون في العاصمة الإسلامية بغداد، يشاركون المسيحيين في احتفالاتهم الدينية.

ورغم أن بعض الخلفاء المسلميين، خاصة في القرن التاسع، أمروا بإظهار وضع اجتماعي متدنٍ للمسيحيين واليهود، بتمييزهم في طريقة اللباس والركوب، كأن يركبوا البغال والحمير فقط دون الخيول؛ لكن في الواقع لم تنفذ هذه الأوامر بشكل فعال.

لم يقتصر هذا التنوع والتسامح النسبي على بغداد. فبحسب المؤرخ اليهودي المتخصص في التاريخ العربي شلومو دوف جويتين، تكشف الوثائق التي عثر عليها في معبد يهودي بالقاهرة القديمة، أنه في القاهرة ودمشق والقدس، غالبًا ما كانت المنازل اليهودية محاطة بمنازل المسلمين والمسيحيين. لم تكن هناك جيتوهات، بل على العكس، كانت هناك فرص كبيرة للتفاعل اليومي بين الجميع. كما لم تكن هناك جيتوهات مهنية.

شيلومو جويتين

لكن ذلك لا ينفي وجود اضطهاد ديني، مورس حتى على بعض المسلمين. على سبيل المثال، خلال فترة محنة خلق القرآن، أجبر ثلاثة خلفاء عباسيين متتالين، العلماءَ على القول بخلق القرآن. بعضهم رفض الانصياع، مثل أحمد بن حنبل، رغم تهديدات العقاب والقتل. وغالبًا ما كان يعاقب العلماء الذين رفضوا الانصياع للمقولة الدينية التي تبنتها الدولة على مدار أكثر من عشر سنوات (833 – 848).

بشكل عام، لكل فعل رد فعل، وهكذا أدت هذه المحن إلى نتائج عكسية، وجعلت العلماء النصوصيين والنقليين، لا سيما ابن حنبل، يتمتعون بشعبية كبيرة.

البرجوازية قادت التسامح في العالم الإسلامي 

بدءًا من القرن الثامن وحتى منتصف القرن الـ11، ارتبط الاستقلال الديني والتنوع والتسامح، بوجود طبقة برجوازية مؤثرة، ومثقفين منتجين في العالم الإسلامي.

وبحسب جويتين، كان للعالم الإسلامي اقتصادًا نقديًا فعالًا، ما وفر ظروفًا مشجعة للتجار المسلمين واليهود، في ما يمكن وصفه بـ”ثورة برجاوزية”. يقول جويتين: “كان للثورة البرجوازية خلال القرون الأولى للإسلام، تداعيات عديدة على تاريخ العالم. ولنذكر أحدها فقط: تحوَّل اليهود، الذين كانوا حتى ذلك الوقت يعملون بشكل رئيسي في الزراعة وغيرها من المهن اليدوية، إلى شعب يعمل بالتجارة في الغالب”.

وفي أوائل العصور الوسطى، موّل التجار المسلمون العديد من العلماء والفلاسفة. وقدم الفلاسفة المسلمون مساهمات كبيرة في مختلف المجالات، مثل الرياضيات والبصريات والطب.

كما حقق التجار المسلمون أيضًا ازدهارًا في المجالين التجاري والزراعي، وكان لهم وزن كبير في المشهد السياسي.

وفي منتصف القرن الـ11، بدأ التحول الكبير، حيث تراجع الفصل النسبي بين العلماء والدولة، وأصبحت النزعة النقلية السنية ذات تأثير متزايد، واستُبدِل الاقتصاد النقدي تدريجيًا بنظام إقطاعي جديد، تخصص فيه الدولة الأراضي. تسبب هذا التحول تدريجيًا في ركود فكري واقتصادي في العالم الإسلامي.

تحالف العلماء والدولة

كان لذلك التحول الذي شهده منتصف القرن الـ11 أبعادًا اقتصادية وسياسية ودينية. من الناحية الاقتصادية، أدى تراجع الإيرادات الزراعية في العراق إلى إضعاف النظام القديم بالفعل، وظهر النظام الاقتصادي الجديد مع الاستخدام المتزايد للإقطاع العسكري. أما سياسيًا، فاكتسبت الدولة طابعًا أكثر عسكرية.

وبدءًا من القرن الـ11، أصبح التركيز على الفتوحات العسكرية سمة مشتركة بين السلطنات الإسلامية. همّشت هذه الأنظمة الاقتصادية والسياسية الجديدة، طبقة التجار التي كانت ذات نفوذ كبير فيما سبق. واستند التحالف الناشئ بين السلطتين الدينية والسياسية إلى هذه التحولات الاقتصادية والسياسية.

ثمّة أيضًا بُعد ديني عميق انطوى عليه هذا التحول؛ في النصف الأول من القرن الـ11، حاول الخلفاء العباسيون في بغداد استعادة السلطة السياسية من الحكام الشيعة الذين سيطروا على شمال أفريقيا ومصر وسوريا وحتى العراق.

وسعيًا إلى تغيير هذا الوضع، دعا الخلفاء العباسيون إلى توحيد السلطنات والعلماء والجماهير السنية. وحددوا العقيدة “الأرثوذكسية السنية”، وأعلنوا أن أولئك الذين يعتنقون آراء مناقضة لهذه العقيدة، بمن فيهم الشيعة والفلاسفة وعلماء المعتزلة، مرتدين وواجهوا خطر الموت.

في النصف الثاني من القرن الـ11، تحالف الحكام السلاجقة مع الخلفاء العباسيين والعلماء لترسيخ العقيدة السنية والقضاء على الشيعة الإسماعيلية. كما استُهدف الفلاسفة المسلمين أيضًا بسبب أفكارهم غير الأرثوذكسية. لعب الغزالي، أحد كبار العلماء المسلمين، دورًا فكريًا رائدًا في الهجمات ضد الفلاسفة والشيعة الإسماعيلية. وفي العديد من كتبه التي انتشرت على نطاق واسع، وحتى اليوم، كفّر الغزالي اثنين من كبار الفلاسفة المسلمين: الفارابي وابن سينا.

اعتمد الأساس المؤسسي لتحالف العلماء والدولة على شبكة منتشرة من المدارس الدينية. رعى الوزير السلجوقي الأكبر، نظام الملك، مدرسة بغداد التي أصبحت في مقدمة تلك الشبكة. وسميت هذه المؤسسات لاحقًا باسمه: المدارس النظامية.

مُوّلت هذه المدارس عن طريق الأوقاف، لكن مع ذلك، لا يمكن اعتبارها مدارس مستقلة، لأن الحكام والمسؤولين السياسيين هم مؤسسو أوقاف تلك المدارس.

وقد روجت المدارس النظامية للأرثوذكسية السنية، وخرَّجت نماذج من العلماء الذين يقبلون العمل في خدمة الدولة.

بدأت الدولة السلجوقية في الجمع بين نظام الإقطاع والدولة العسكرية، وتحالف العلماء والدولة في آسيا الوسطى وإيران والعراق في النصف الثاني من القرن الـ11.

وبعد قرن من الزمان، انتشرت هذه الطريقة في سوريا ومصر تحت حكم الأيوبيين ثم المماليك. وفي وقت لاحق، أصبحت هذه الطريقة مهيمنة على نطاق جغرافي شاسع يمتد من البلقان إلى الهند تحت حكم العثمانيين والصفويين والمغول.

كانت هذه السلطنات قوية عسكريًا، ولكنها فشلت في إحياء الديناميكية الفكرية والاقتصادية للمسلمين الأوائل لأنها قضت على الفلاسفة وهمّشت التجار.

كانت الإمبراطورية العثمانية (1299-1922) هي الحالة التي شهدت ذروة التحالف المؤسسي بين العلماء والدولة. في الإمبراطورية العثمانية، امتلك العلماء صلاحيات دينية وتشريعية وقضائية وتعليمية. وفي بعض الحالات، تعاون العلماء مع الإنكشاريِّين العسكريّين لعزل السلاطين.

ومع ذلك، كان للسلاطين سلطات تنفيذية يمكنهم استخدامها ضد أعضاء معينين من طبقة العلماء. باختصار ، تكشف الحالة العثمانية أن العلاقة بين العلماء والدولة كانت تعني وجود شراكة متبادلة المنفعة، بدلا من هيمنة الدولة على العلماء، أو العكس.

الفصل بين الكنيسة والدولة في أوروبا الغربية

بين القرنين التاسع والـ12، كانت أوروبا الغربية ترزح تحت ظروف علمية واجتماعية واقتصادية متدنية مقارنة بالعالم الإسلامي.

فيما يتعلق بالمستوى العلمي، كان بالمكتبات الإسلامية في مدن مثل بغداد والقاهرة وقرطبة، مئات الآلاف من الكتب، في حين أن مكتبات أوروبا الغربية كانت تحوي أقل من 600 كتاب.

وقد بدأ المسلمون في إنتاج الورق منذ القرن الثامن، بينما استغرق الأمر خمسة قرون إضافية ليقوم الأوروبيون الغربيون بذلك.

أما من الناحية الاقتصادية، فبدأ المسلمون في سك العملة الذهبية في أوائل القرن التاسع، أي قبل أربعة قرون ونصف من قيام الأوروبيين الغربيين بنفس الأمر.

كان أحد الأسباب الرئيسية لهذا الاختلاف هو أن المفكرين والتجار تمتعوا بمكانة اجتماعية عالية نسبيًا في البلاد الإسلامية، في حين سيطر رجال الدين والنخب العسكرية على أوروبا الغربية.

وبحسب عالم الاجتماع نوربرت إلياس، فحتى منتصف القرن الـ11، كانت هناك فئتان فقط من الأشخاص الأحرار في أوروبا الغربية: رجال الدين والنبلاء المحاربين.

أخذ هذا الوضع في التغير من منتصف القرن الـ11، فقد أدت التنمية الزراعية بشكل خاص، والازدهار الاقتصادي بشكل عام، إلى تطور المدن وظهور طبقة تجارية حرة ومزدهرة.

المؤرخ الفرنسي مارك بلوك، يرى أيضًا أن عام 1050 كان نقطة تحول في أوروبا الغربية، موضحًا أنه حتى ذلك الوقت، كان سكان المدينة مهمشين لأنهم اعتمدوا على التجارة التي قوضتها الطبقات الكنسية والحربية، مشيرًا إلى سبب آخر، هو التحول في العلاقة بين الكنيسة الكاثوليكية والبلاط الملكي.

إصلاحات القرن الـ11 أو الثورة البابوية

في النصف الثاني من القرن الـ11، ادّعى العديد من رجال الكنيسة الكاثوليكية سموهم على الملوك، بينما حاول بعض الملوك الهيمنة على الكنيسة. لم يكن كلا الطرفين يستهدف فصل الكنيسة عن الدولة بشكل واضح.

ولم تتسبب الصراعات بين رجال الدين والسلطة الملكية في خوض نقاشات عقدية فحسب، بل أدت أيضًا إلى صراعات عسكرية. كان الكاردينال هامبرت، الذي لعب أيضًا دورًا رائدًا في الانقسام الكبير بين الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية عام 1054، مدافعًا بارزًا عن سيادة الكنيسة على السلطة الملكية، وجادل قائلًا: “مثلما تتفوق الروح على الجسد وتتولى أمره، كذلك الكرامة الكهنوتية تفوق الملكية”.

فرضت الكنيسة الكاثوليكية قواعد للحد من تدخل الملوك في شؤون الكنيسة، خاصة عملية التعيين والعزل.

وفي عام 1059، صدر مرسوم بابوي بشأن انتخاب البابا بواسطة الكرادلة. ومع ذلك، أصر هنري الرابع، ملك ألمانيا والإمبراطور الروماني المقدس فيما بعد، على الاحتفاظ بسلطة تعيين الأساقفة.

ردًا على ذلك، وفي عام 1075، أصدر البابا جريجوري السابع 27 أمرًا يؤكد فيها ليس فقط على الاستقلال المؤسسي للكنيسة، لكن أيضًا على وضعها المتفوق على الملكية. وبالتالي، عزل هنري جريجوري، في حين حرم جريجوري هنري كنسيًا.

استمرت الصراعات بين مختلف البابوات والملوك في أوائل القرن الـ12. وعلى الرغم من المقاومة الملكية، فإن أحكام الكنيسة الكاثوليكية خلال هذه الفترة الثورية أسست لاستقلاليتها، وكان لها آثارًا بعيدة المدى. ومن ثم، فقد أطلق عليها اسم “إصلاح القرن الـ11” أو “الإصلاح الجريجوري“.

كان هذا الإصلاح يعني الفصل بين “الروحي والزمني”، وهو ما سيُحتفى به لاحقًا بوصفه “أحد أعظم الابتكارات التي أدخلتها المسيحية”.

ويؤكد بلوك أن هدف قادة الكنيسة من “فصل السلطتين تمامًا”، كان “إخضاع حكام أجساد الرجال لحكام أرواحهم”.

وخلال صراعات القرن الـ11، حاول الملوك تأسيس “ثيوقراطية ملكية”، بينما حاول الباباوات تأسيس “ثيوقراطية بابوية”.

لم يكن أي من الطرفين مستعدًا لتقديم ما لقيصر لقيصر وما لله لله. ومع ذلك، فشل كلا الجانبين في إخضاع الآخر. وكنتيجة غير مقصودة لهذا الفشل المتبادل، أصبح الفصل بين الكنيسة والبلاط الملكية مُمأسسًا.

إجمالًا، أصبح مأسسة الفصل بين الكنيسة والدولة في القرن الـ11 نقطة تحول رئيسية في تاريخ أوروبا الغربية. وفي القرون اللاحقة، شهدت أوروبا الغربية إنشاء مؤسسات جديدة، خاصة الجامعات، التي عملت كأساس للطبقات الفكرية والبرجوازية الصاعدة.

مع هذه التحولات المؤسسية والطبقية، تجاوزت أوروبا الغربية في النهاية العالم الإسلامي من حيث التطورات العلمية والاقتصادي، وكذلك التنوع الديني والفلسفي.

مصطفى الفقي

مترجم مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى