زوايامختارات

فقرات من حياة كائن “فري لانسر”: اللهم كافيه واستقلالاً وأجرًا عن بُعد!

“والدتي كانت تعتقد أن كلمة (ميمز) مصطلح علمي...

 

“والدتي كانت تعتقد أن كلمة (ميمز) مصطلح علمي.. تخيل صعوبة أن تشرح لأحدهم طبيعة عملك غير المتداولة! هل تخيّلت؟”.. هذا ما رواه معتصم البارودي، ٢٦ عامًا، خريج كلية العلوم، لـ”ذات مصر” وهو يرسم لنا زاوية فانتازية من حياة أولئك المستقلين في أعمالهم، أو من يُطلق عليهم “كائنات الفري لانس”.. “تقصد ذلك العواطلي الذي يحمل لاب توب ويجلس في كافيه ليعمل عبر الإنترنت ويتلقى أجر أفكاره عن بُعد؟”..

بدأ البارودي في التدوين على موقع “فيس بوك” عن موضوعات علمية مختلفة، ما لفت أنظار أحد المواقع المصرية، وطلبوا منه العمل معهم، ليقرر التوجه بعدها إلى عالم الصحافة، وبعد عمله فترة بدوام كامل، قرر أن يستقل مع مؤسسات مختلفة: “بدأت بناشيونال جيوجرافيك ومررت ببوبيولار ساينس، وخلال ٣ سنوات واجهت صعوبات كثيرة في عدم وجود فرص في مجال الصحافة العلمية، فالمواقع المهتمة بهذا النوع نادرة.. ربما لأننا مجتمعات لا تقدّر العلم كفاية.. ربما نحترم الترفيه أكثر”.

“تعاونت مع بوبيولار ساينس في عمل (ميمز) علمية لتبسيط العلوم للجمهور بطريقة سهلة وسريعة الانتشار”.. يتذكر البارودي أحد المواقف وهو يشرح للآخرين أن مقر عمله في غرفة نومه: “النظرة إلينا دائمًا هي أننا هواة يلعبون بالإنترنت”.

يأمل البارودي أن تكون هناك شبكة محلية لمساعدة الناس في الحصول على عمل مستقل، حيث يمكنهم عرض نماذج أعمالهم للجمهور وأصحاب العمل، وأيضًا يتمنى وضع لوائح لضمان حقوقهم.

في حياة الفري لانسر ترتيب لأولويات الحياة، ورغبة في إعادة التحكم بالوقت، إضافة إلى حرية كاملة منشودة في رفض واختيار مهام عمله.. هكذا تصور كثيرون قبل أن ينضموا إلى قطاع العاملين الأحرار من الوظيفة الـ”full time”.. إنه حلم يصعب نقله إلى الواقع المحاصر بقوانين أخرى غير الحرية، وهو في نفس الوقت مخاطرة بالاستقرار وأمان مبني على ميراث الراتب الثابت، فلا يزال مفهوم “الفري لانس” حديثًا، إذ انتشر بين الشباب، وزاد فيروس كورونا شعبيته منذ اجتاح العالم أوائل عام 2020، فأصبح العمل عن بعد وضعًا طبيعيًّا، وبدأ الكثيرون في البحث عن عمل جزئي أو مستقل بعد خسران الوظيفة الثابتة.

في استبيان أجرته شركة “بايونير”، المتخصصة في إدارة المدفوعات المالية عبر الإنترنت، على عينة من 7 آلاف شخص من أصحاب العمل الحر يعيشون في 150 دولة، تبين أن 69% من أصحاب العمل الحر يكرّسون وقتهم بالكامل لهذا النمط من العمل، بي حين يعتمد الباقون على وظيفة أخرى بجانب العمل الحر، ويفضّل 83% من أصحاب العمل الحر العمل من المنزل، و17% يفضلون العمل في أماكن أخرى مثل مساحات العمل المشتركة، أو المقاهي المجهزة بخدمة إنترنت قوية، أو مكتبات أو غيرها.

مؤخرًا بدأت ثقافة العمل الحر تغزو العالم العربي، ففي الخليج نجحت منصات مثل “أريد” و”ترجمة” في توفير فرص عمل للعديد من الشباب، وظهرت في مصر منصات متخصصة للعمل المستقل كـ”الحريفة” و”إنبولي”، فضلاً عن تجارب مستقلة كمجموعات “فيس بوك” المخصصة للمترجمين والكتاب المستقلين.

متاعب أولية في عالم الاستقلال

معتصم البارودي كاتب فري لانس

يعاني البارودي من أن الأولوية لحضور المؤتمرات العلمية خارج مصر تكون لصحفيين ينتمون إلى مؤسسات، لا أفراد مستقلين، بالإضافة إلى عدم وجود قواعد تحكم عمل “الفري لانس”، فهم يعملون بلا عقد أو تأمينات، لذا فإنهم مع التقدم في السنّ يرتدون إلى الفكرة التي عاشت عليها الأجيال، وهي التسكين في فرصة عمل دائمة وآمنة براتب آخر الشهر، ما يضمن للعامل معاشًا وتأمينًا صحيًّا إذا ما عرضته الحياة لمخاطرها المفاجئة، وهذه الميزة بالتأكيد لا ينعم بها أي “فري لانسر”.

لكن البارودي لا يستمر في صب القلق على عالم “الفري لانسر”، فيقول إن العمل مستقلاً يضمن له “دخلاً أكثر احترامًا من راتب الموظف الدائم، كما أنه حر في عرض الأفكار التي يريد تنفيذها، بعكس ذلك المجبر على مهام الدوام الكامل، والذي يعيش في روتين يومي لا يُرضيه في غالبية الأحيان”.

بين الاستقرار والاضطرار

أهم ما يميز العمل الحر، بحسب منة جلال، ٣٠ عامًا، منتجة ومخرجة أفلام وثائقية وبرامج، هو وجود مساحة واسعة من حرية التعبير: “أنت في العمل المستقل شخص حر تمامًا، مواعيد عملك حرة.. أفكارك وطرائق تنفيذها حرة، أنت غير مضطر إلى عمل شيء واحد فقط”.

ورغم وجود فرص لتحسين الدخل في عمل “الفري لانسر”، ترى منة أن الدخل غير ثابت وغير مضمون، وذلك لعدم الاستقرار وندرة الفرص المتاحة، إضافة إلى عدم وجود عقود تضمن الحقوق، فبإمكان صاحب العمل فسخ الاتفاق في أي وقت دون إرسال المستحقات المادية، بحسب ما قالت لـ”ذات مصر”.

منة جلال منتجة ومخرجة أفلام وثائقية وبرامج

واجهت منة صعوبة في البداية لإقناع أهلها بطبيعة عملها، لكن مع الوقت ورؤيتهم أن ابنتهم تتحصل على أجر ما تعمل وظهور شريحة كبيرة من الشباب مثلها يعملون بنفس الآلية، دخلت أنماطهم المستغرَبة مجتمعيًّا “عالم الممكن تخيله”.

“الطريق إلى النجاح في العمل المستقل لم يكن مفروشًا بالورد”.. يحكي جعفر مهنا، سوري، تجربته في العمل الحر بمجال التعليق الصوتي في الإعلانات والوثائقيات والكتب الصوتية: “منذ 5 سنوات بدأت البحث عن منصات مناسبة لتقديم خدماتي، ثم خضت التجربة معها للتأكد من كونها مناسبة لي، وكان الأمر أشبه بالتحدي، لكن من عيوب العمل المستقل هو أننا نضطر إلى إيجاد العمل بأنفسنا، بعكس العمل الثابت لدى شركة مثلاً، فضلاً عن أن الدخل لا يكون متوازنًا في المنتج، فنحن لا نستطيع معرفة الدخل الشهري الثابت لدينا، لكن مع الوقت والالتزام بالجدية والانضباط أتمكن من تحقيق دخل جيد”.

جعفر مهنا.. معلق صوتي

ميزة العمل المستقل عند مهنا تكمن في المرونة والبعد عن الروتين الوظيفي: “نستطيع إنجاز أعمالنا من المنزل، وخلال الأوقات التي تناسبنا، دون الاضطرار إلى العمل عدد ساعات كبير يوميًّا، بالإضافة إلى كسب المزيد من المال بالتعامل مع عدد أكبر من العملاء، وكلما زادت جديتك في العمل زاد عدد عملائك”، ولفت إلى أن العمل المستقل يشجع على البحث عن الأفكار الإبداعية لجذب العملاء وجعلهم دائمين، ما يوفر مساحة حرة من التفكير والبحث والتجربة، بحسب قوله.

“رغم أننا أصبحنا في عصر التكنولوجيا، فإن هناك أشخاصًا لا يزالون يرتابون في فكرة العمل عبر الإنترنت، سواء أعملوا بدوام ثابت عن بُعد أم كمستقلين، ودائمًا ما ينظرون إلى الأمر على أنه مخاطرة وله عواقب وخيمة، وفكرة إقناعهم بالأمر تكاد تكون مستحيلة”.. هكذا يرى مهنا وضع العمل الحر في عالمنا العربي، موجهًا نصيحة لمن يرغب في العمل الحر بأن يخوض التجربة.

“الحريفة”.. مجتمع متكامل للفريلانسرز

“الحريفة” منصة ومجتمع يضم أكثر من 30 ألف عضو متخصص في العمل المستقل والعمل عن بُعد، تأسست عام 2018 في مصر.

“بدأت العمل على الفكرة منذ أواخر 2017 بعد عملي 8 سنوات في التسويق الرقمي والعلاقات العامة في شركات مختلفة، وكان الانطلاق الفعلي لنا عام 2019”.. تحكي نرمين النمر، مؤسسة “الحريفة”: “لدينا عملاء من مصر والسعودية والإمارات والكويت، ومنهم شركات راية والبنك الكويتي وأوبر إيتس، ونقدم خدمات العمل الحر والعمل عن بُعد في مجالات مختلفة مثل البرمجة والتسويق والكتابة والترجمة والتصميم والإنتاج الإعلامي، والتدريب والاستشارات والإدارة وغيرها”.

أعضاء منصة الحريفة

تقدم منصة الحريفة لـ”الفري لانسرز” فرصة لعمل بروفايل مجاني بها، يستطيع من خلاله التقدم للوظائف، مع ضمان المحافظة على حقوقهم، كما أن العميل يدفع مقدمًا، وحين ينتهي الفريلانسر من العمل تحوّل له المنصة مقابله المادي.

لدى “الحريفة” شروط للالتحاق بها، ومنها الالتزام بالمواعيد والعقود، ووجود خصومات عند التأخير، و”رغم أن فكرة العمل الحر تعتمد على المرونة والحرية، لكن في النهاية أنت تتعامل مع عميل يهمه الوقت والمال، ويجب أن يكون العمل احترافيًّا، طبعًا ثقافة العمل الحر ما زالت جديدة ولا يعرف قواعدها وطبيعتها الجميع، فهي ما زالت قيد التكوّن، ودائمًا ما نواجه سؤال (كيف تعمل من البيت؟) فالناس اعتادوا نظام عمل معينًا، وهذا تحدٍّ كبير، بجانب تحدٍ آخر وهو تنظيم وقتك وسهولة تحويل الأموال”، بحسب النمر.

“يواجه الفري لانسر صورة نمطية أنه (عواطلي)”.. تقولها “النمر” ضاحكة: “إنه يجلس بالملابس المنزلية على راحته، وغير ملتزم، لذا لجأ إلى العمل حرًّا دون انضباط الوظيفة ذات المواعيد والبصمة، ونحاول هنا تغيير تلك المفاهيم المرتبكة عن أولئك الذين سعوا إلى عالم أكثر معاصرة في العمل والإنتاج”، وأضافت أن جائحة كورونا ساعدت على تغيير تلك النظرة إلى حد ما، إذ تساوى الجميع بالعمل من منازلهم، والتعلم عن بُعد، وبإدراك أهمية التكنولوجيا في تسهيل حياتنا يمكننا أن نعيد النظر في حياة هؤلاء الأحرار من الوظيفة والمنضبطين ذاتيًّا في آنٍ.

لانا أحمد

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى