سياسةمختارات

فقه الوجود السياسي والعادات أمهرة إثيوبيا: إنهم يشبهون المصريين

تتكون شعوب الأمهرة من مجموعة مكونات سامية قادمة من اليمن والكوشية في شمال ووسط إثيوبيا، وهي الفئات البشرية التي كونت هذا المكون العرقي الهام

تتكون شعوب الأمهرة من مجموعة مكونات سامية قادمة من اليمن والكوشية في شمال ووسط إثيوبيا، وهي الفئات البشرية التي كونت هذا المكون العرقي الهام، الذي يشغل حيزًا سياسيًّا واجتماعيًّا هو الأكبر في إثيوبيا..

بجوار هذه المكونات البشرية كانت هناك مجموعات بشرية أخرى استعصت على الذوبان داخل “الأمهرة”، أهمها مجموعتا “الأقو” و”الفلاشا”، غير أن هنالك مكونات أخرى مثل “القمانت” في ضواحي قندر، كانوا من مؤسسي ممالك الطراز، يسكنون إقليم “ولو” ناحية الشرق في إثيوبيا، وغالبيتهم مسلمون وعرب انصهروا تمامًا داخل مكون “الأمهرة”.

ويتميز شعب الأمهرة بأنَّه ودود، يعتد بنفسه، فضلاً عن سمات الدهاء والمكر والجَلَدْ، وثقافة الأمهرة ذكورية تبجّل سطوة الرجل الذي يُجسِّد صورة محارب يقهر الأعداء.. مجبولون على احترام الأفراد ذوي المكانة الاجتماعية الأعلى والضيوف الغرباء، لهم مقدرة عجيبة على صهر ثقافة الوافد، وبهم صفات مشتركة كثيرة مع المصريين.

الحركة السياسية، التي تعبر عن الوجود السياسي الفعلي لـ”الأمهرة” في إثيوبيا هي “حركة الأمهرة الديمقراطية”، والتي تأسست عام 1982، والحركة عضو مؤسس في الائتلاف الحاكم السابق “الجبهة الثورية الديمقراطية الشعبية الإثيوبية” مع حزب الازدهار، وقد صعدت نحو منصة السلطة في إثيوبيا بتؤدة بعد التحالف مع الأورومو، ويقود هذا التحالف دمقي مكنن، نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية.

لمحة تاريخية

بدأ الوجود الأمهري في إثيوبيا يترسخ حين استطاع “يكونو أملاك”، حاكم أمهرة، انتزاع السلطة في مطلع القرن الثالث عشر الميلادي بعد أن تحالف مع إمارات الطراز الإسلامي – وهي نظم حكم إسلامية كانت قائمة في المناطق الساحلية من شرق إفريقيا، وكانت تسيطر على غالبية سواحل المحيط الهندي قبل اكتشاف الأوروبيين لطريق رأس الرجاء-  فجيوش ممالك الطراز كانت تضم 100 ألف من الفرسان المسلمين، لتبدأ سيطرة الأمهرة على مقاليد السلطة في إثيوبيا، حيث أعلنوا حينها أنهم من سلالة النبي سليمان، لكن الأمهرة وجدت نفسها طوال 3 قرون مهددة من قبل غزوات ممالك الطراز الإسلامي.

وبعدما اعتلى سوسنيوس العرش في مطلع القرن السابع عشر أعلن تحول إثيوبيا للمذهب الكاثوليكي عام 1626 بإيعاز من ملكة البرتغال التي وعدته ببسط الحماية، ورفض القساوسة الانصياع له، وعمدوا إلى تأليب الشعب عليه فعزلوه ليخلفه ابنه فاسيلدِس الذي اتجه غربًا ليؤسس عاصمة جديدة، وهي غوندر، والتي تقع شمال بحيرة تانا، حيث طرد المبشرين الكاثوليك، وبنى قلعة حصينة لا تزال قائمة.

اللغة الأمهرية

اللغة الأمهرية، أحد فروع اللغة الجيئزية وفيها لا ينطقون حرفي العين والحاء، وهي متأثرة باللغات الكوشية، والأمهرية هي اللغة الرسمية للدولة الإثيوبية، وقد وضع أول كتاب لقواعد اللغة الأمهرية الأب جورجوريوس مع صديقه هيوب لودولف، والاثنان أيضًا توليا تأليف موسوعات لكل من اللغتين الأمهرية والجئيزية، كما وضعا القاموس الأمهري اللاتيني، وقد شهد عصر الملك سارسا دنجل في القرن الثالث عشر ترجمة الكثير من الكتب من قبل الكهنة الأقباط المصريين، ومن المعروف أن الكنيسة الأرثوذوكسية في إثيوبيا ارتبطت بالكنيسة الأرثوذكسية الأم في الإسكندرية منذ دخول المسيحية إلى عهد آخر إمبراطورية إثيوبيا، هيلا سلاسي، الذي فصلها بعد أن وهب للكنيسة ما يقارب ثلث أراضي الدولة.

الفولكلور الأمهري

تتمتع ثقافة الأمهرة بثروة من الفولكلور في شكل متنوع ضخم يحوي العديد من الأمثال والأساطير التي تقدم دروسًا أخلاقية للأطفال، التي تعلم السلوك المحافظ اجتماعيًّا، وتبني ثقافتهم الذكورية، والتي تُجسِّد صورة المحارب الذي لا يُقهر يُريق دماء الأعداء، وحسب فولكلور الأمهريين فقد لعن الله المرأة عبر سفك دمها شهريًّا ليؤكد إذلالها لتصير خادمة لأبيها وزوجها.

وتأثير رجال الدين بين الأمهرة استند إلى مفهوم نقاء الطقوس، والمعرفة العقائدية، والقدرة على أداء المعجزات، وتقديم التوجيه الأخلاقي، فالمعتقدات الدينية تتألف من 4 محاور منفصلة ومتشابكة.

أولاً: الإيمان المسيحي أحادي الطبيعة السائدة، والتي تشمل الله القدير والقديسين والملائكة في السماء.

ثانيًا: أرواح الأسلاف التي تحميهم بما يقدمونه لها من القرابين –في أثناء طقوس الزار- مقابل أن تهبهم الأمن الجسدي والعاطفي، وهم يؤمنون بأنهم قد يعاقَبون إذا لم يؤدوا الطقوس المناسبة في أوانها.

ثالثًا: البودا، وهم فئة من الأشخاص الذين يمتلكون العين الشريرة، ويمارسون قوة مميتة على أبناء الله المختارين.

الفئة الرابعة من المعتقدات تشمل الغيلان والشياطين التي تجوب الأرياف والأماكن المهجورة، وتسبب ضررًا جسيمًا للناس المطمئنين الذين يعترضون طريقها، ولا يتحصنون منها بالتعاويذ التي يصنعها الكهنة.

وحسب معتقدات الأمهرة أيضًا، فكل فرد لديه شفيع يؤدي له الطقوس في يوم القديس، ويتضمن الاحتفال بعض الطقوس مثل إقامة حفلة للأقارب والأصدقاء في المنزل، حيث تقدم القهوة والحلوى، وهناك أيضًا أعياد القديسين الكبرى: ماريام، ميكائيل، جبرييل، جيورجيس، وهم القديسون الذين يحتفل بهم الجميع عن طريق إعداد الولائم، كما يقدم فيها المضيف القهوة والخبز للزوار.

وتوجد سلوكيات محددة لدى الأمهرة خاصة باحترام الأفراد ذوي المكانة الاجتماعية الأعلى، كذلك من سماتهم حرية التعبير عن مشاعر الحب، وهم يقدرون الإنجاب وتكوين العائلات كثيرة العدد، ويسعون لإنجاب العديد من الأبناء، لأنهم يعتبرونهم مباركين من الله.

رقصة الإستكسا “Eskista”

تعد الموسيقى والرقص جزءًا حيويًّا من التعبير الثقافي والروحي للأمهرة، وتتميز الهضبة الوسطى في إثيوبيا- حيث الأغلبية الأمهرية- بتنوع المهرجانات الدينية والاحتفالات الشعبية، وتتسم رقصة الإستكسا بتدحرج الكتفين، مع صعود وهبوط الصدر وتحريك الأرجل بحركات سريعة متناغمة مع إيقاعات الدفوف، وهي رقصة متفردة تخلق الإثارة، وتُوَلِد النشوة، خصوصًا حال تأديتها داخل مجموعات ثنائية، كل مجموعة مكونة من رجل وامرأة، وعادةً ما تصاحب هذه الرقصة الموسيقى التقليدية، والتي ترجع إلى عهود قديمة، وتشكل جزءًا كبيرًا من التراث الإثيوبي.

مهرجان سولل شادي وأشندى

يُعَد من اﻻحتفاﻻت القديمة التراثية المستمرة، ويعود تاريخ احتفال به لمئات الأعوام، وهو خاص بالنساء للتعبير عن المحبة والسلام والحرية، ويقام فيه مهرجان لإحياء ذكرى مريم العذراء، ويبدأ يوم 16 من شهر نهاسي آخر شهور السنة الجئزية، من 22 إلى 24 أغسطس/ آب.

والإعداد لهذا المهرجان يبدأ قبل الاحتفال به بفترة طويلة، إذ تبدأ النساء تجهيز الفساتين التراثية وتصفيفات شعر خاصة، وفي يوم المهرجان ترقص الفتيات في مجموعات، ويعترضن سبيل المارة في الطرقات وهن يضربن الدفوف والطبول، ويغنين، ويصفقن، ومن ثم يزرن المنازل والمحال التجارية، ويجمعن الأموال كي يقدمنها قربانًا للكنائس.

الأنشطة الاقتصادية الاجتماعية:

يعتمد مجتمع الأمهرة على الزارعة، وصيد الأسماك في بحيرة تانا التي تعتبر ثاني أكبر بحيرة في إفريقيا، وغالبية الأمهرة تكسب عيشها من الزراعة، مثل معظم الحال في المرتفعات الإثيوبية، كما تربي الماشية والأغنام والنحل، والبعض يمارس نشاط الغزل والنسيج التقليدي من القطن والكتان الذي تشتهر به مدينة غندر.

ويتكون مطبخ الأمهرة من أطباق جانبية مختلفة من الخضار أو اللحوم والمقبلات، وعادة ما تكون يخنة سميكة، تُقدم فوق إينجيرا، وهو خبز مسطح كبير من العجين المخمر المصنوع من دقيق الذرة.

ويمثل الزواج طقسًا رئيسًا للمجتمع، حيث تُرتَّب الزيجات برغبة الأسر، والتي تختار للفتاة بعلها، وتحظى عذرية الإناث بتقدير كبير، والزواج بغير البكر يعتبر عارًا، وغالبًا ما تتزوج الفتيات في سن مبكرة كتقليد مجتمعي.

واحتفالات الزفاف تستمر عدة ليالٍ، وتتضمن الاحتفالات إقامة الولائم، التي يشارك في إعدادها أقارب العائلة.

والزواج عند الأمهرة 3 أنواع: عقد شرعي، مدني، اتفاقي، والعقد المدني الأكثر شيوعًا، ويُسمح بالطلاق فيه، وتتم زيجات العقد الشرعي في الكنيسة وتعتبر مقدسة لا يجوز حلها تحت أي ظرف من الظروف، وهو نوع أقل شيوعًا.

 

حسن إدريس الطويل

صحفي أريتري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى