زوايا

فقه ثقافة الاختلاف: كيف تتخلص مجتمعاتنا من نزعة إقصاء الآخر؟

منذ شهور قليلة، صدر كتاب “فقه ثقافة الاختلاف” للباحث الدكتور خالد البوهي عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو بالأساس بحث فاز منذ عدة سنوات فى مسابقة المجلس الأعلى للثقافة.

الكتاب عمل على مناقشة قضية ثقافة الاختلاف والتسامح، وذلك من خلال استعراض الكثير من المفاهيم، وتناول العديد من الرؤى الفكرية التي سادت في مجموعة من الحضارات الإنسانية عبر التاريخ.

الفكرة الرئيسة لهذا البحث، هي تلك التي تنادي بضرورة التخلص من قيود الاستبداد التي تكبل حركة المجتمعات الإنسانية نحو التحرر والرقي، ومحاولة العمل على تفكيك الخطاب الموروث الذي تسبب في إقصاء الآخر والتعالي عليه عبر القرون.

التسامح والاستعلاء

في بداية الكتاب، يعمل المؤلف على وضع التعريف اللغوي والاصطلاحي للتسامح، فيستعرض رأي الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه الشهير المسلمون وأوروبا، عندما يذكر أن التسامح في اللغة يعنى أن تتغاضى عن خطأ ارتكبه آخر، أو التساهل فى حق، أو الصبر على إساءة ما؛ بيد أن المصطلح اتخذ أبعاداً غير الأبعاد اللغوية، وصار يعبر عن موقف ثقافي/اجتماعي.

وفكرة التسامح نفسها تبدو نابعة من ثقافة غير متسامحة فى جوهرها، كيف؟ تبدو المفارقة واضحة من حيث أن هذا المصطلح ينطوي بالضرورة على مفهوم يقول إن هناك خطأ أو خطيئة ينبغي التسامح إزاءها، وهو ما يشي بدوره إلى أن من ينادون بالتسامح ينطلقون من موقف منحاز، يرى أصحابه أنهم على حق والآخر على باطل، ولكن الضرورة تفرض عليهم التسامح إزاء هذا الآخر لسبب أو لآخر… إذ أن المصطلح ليس مجرد كلمة تحمل معنى ما، وإنما هو تعبير عن موقف ثقافي/اجتماعي، يرى الذات والآخر من منظور استعلائي ويتسامح إزاء اختلاف هذا الآخر وغيريته، وهو ما يشي بأصول ثقافية/ اجتماعية غير متسامحة أصلاً.

بعد ذلك يربط المؤلف بين قيمة التسامح والتنوع الخلاق من جهة ووحدة الصف والجماعة من جهة أخرى، فيقول إن البعض ممن يتشدقون بالوطنية، قد ظنوا أن قوة الوطن تستلزم اتفاق أفكار مواطنيه ورؤاهم، رغم أن الحضارة الإسلامية قد قامت على ثقافة الاختلاف، الذي يخلق نوعاً من الثراء والتعدد. من هنا يمكن فهم التنوع الخلاق الذي ميز الحضارة العربية الإسلامية، والذي نستطيع من خلاله أن نفهم كثرة المذاهب الفقهية وتعدد مشاربها، وكثرة اختلاف العلماء في تفسير القرآن والسنة.

ويحدد الدكتور خالد البوهي المسافة الفاصلة بين التسامح والتميع، فيقول إن ثقافة التسامح التي يقصدها ويدعو إليها، هي ثقافة الاختلاف، وهي ثقافة “تؤمن بقبول الآخر لا تغييره، تقبل التعددية لا التنازل، ليس من حقها أو شأنها أن تطلب الانصهار والذوبان الذي يلغى جوهر الآخر، ثقافة تؤمن بالحوار وهي ثقافة ترفض أحادية الرأي والمنهج والتفكير، هذه الأحاديث التى جعلتنا طغاة فى مجتمعات تقدس الطغيان”.

غلاف كتاب فقه ثقافة الاختلاف

الاستبداد والاختلاف: وجهان ليسا لعملة واحدة

في المحور الثاني من كتابه فقه ثقافة الاختلاف، يعمل الباحث الدكتور خالد البوهي على تأصيل مفهوم التسامح، ورده إلى جذوره الإسلامية الأصيلة. فيقول في هذا السياق:”واقتضت حكمته تعالى وحكمة الإنسانية التى جعلها فينا أن كرّه إلينا الاستبداد والطغيان، ونعلم ضرورةً أن الاستبداد يناقض الاختلاف، والطغيان يناقض قبول الآخر، وكلاهما لا يقبل ثقافة التسامح أو الحوار، كما قال الله تعالى على لسان فرعون (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) غافر:29، فالاستبداد والاختلاف متناقضان، والاختلاف يحتاج إلى حرية لا ترضى بالاستبداد”.

بعدها، يفرد المؤلف مساحة واسعة لمناقشة الاستبداد وصوره المختلفة، فيقول: “والاستبداد  قامع أصيل للاختلاف وقبول الآخر، سواء  أكان استبداداً سلطوياً من الحاكم كما رأينا من فرعون قديماً، ومن الفاشيين والديكتاتوريين حديثاً، أم كان استبداداً نخبوياً (تمثله النخب الدينية والمجتمعية والسياسية)، كما أن من الممكن أن يكون استبداداً جماعياً… أما الاستبداد السلطوي فكما شهدنا وسنشهد من ديكتاتوريات تسحق المخالفين وتستأصلهم، كأنظمة هتلر وموسيلينى وروبسبير الثائر الذى تحول إلى طاغية… وأما الاستبداد النخبوي فيتم بقيام تلك النخب بتجاهل العوام وازدرائهم، مشككة في قيمتهم الإنسانية…”.

بعدها يتطرق المؤلف لواحدة من أهم النقاط الإشكالية التي تثار في مجتمعاتنا العربية الإسلاميةعند الحديث عن ثقافة الاختلاف، من وقت إلى أخر، وأقصد بها الاستبداد المجتمعي، الذي تتم ممارسته تحت رايات العرف والتقاليد والتدين، ويأخذ الصفة المجتمعية، فيقول منبهاً على الخطر العظيم الناجم عن ذلك النوع من الطغيان المستتر “ومن الممكن كذلك أن يكون الاستبداد جماعياً، يشكله ما يسمى بالرأي العام، الذى نراه أكذوبة كبرى لا ينبني عليه شيء، لأنه  كما يحدثنا د. زكى مبارك عن ديكارت أن أهم ما تنبه له فى رحلاته الشك  في قيمة الرأي العام، والاستهانة بكثرة الأصوات، لأن إجماع الأمة على رأي لا يدل على أنه رأي الأمة، فقد يكون رأي فرد واحد خير من رأي حُملت عليه الأمة لسبب من الأسباب، ولأن كل الدعاة إلى الحقيقة -من أنبياء وحكماء ومصلحين – كانوا فى حقيقة أمرهم خارجين على الرأي العام”.

قضية الاستبداد باسم الرأي العام أو الاتفاق المجتمعي، ستشغل حيزاً كبيراً من الكتاب، إذ سيربط المؤلف بينها وبين قيّم الجماعة ووحدة الصف -والتي هي إحدى القيّم المركزية في الثقافة السياسية عند أهل السنة والجماعة- كما أن المؤلف سيربط أيضاً بين الاستبداد وقاعدة الاحتكام للإجماع، التي نظر لها أغلبية الفقهاء المسلمين على كونها قاعدة معيارية لاستنباط الأحكام الفقهية.

الحملات الصليبية كانت أحد مظاهر استباحة الآخر

التسامح في الحضارة الغربية

بعد أن عرض المؤلف للخطوط العامة لمفهوم التسامح، فإنه قد تطرق بعدها لمناقشة تفاعل التجربة الغربية مع هذا المفهوم عبر عشرات القرون المنصرمة.

يذكر الباحث  أن أوروبا القديمة قد شهدت حضارة يونانية عريقة، قدمت لنا “نماذج فكرية رائعة، وفلسفات راقية، ورؤى إنسانية ثاقبة، كما وضعت أسساً لعلوم ونشاطات بشرية متعددة؛ قبل أن تقوم على أنقاضها حضارة رومانية وثنية تميزت في القانون والعسكرية، هي تلك الحضارة التي شهدت مولد المسيح، فحاربت المسيحية حتى تنصرت بلادها شعوباً وقياصرة”.

بحسب ما يذكر المؤلف فأن الحضارتين قد عرفتا معاني الحرية والديمقراطية بشكل نسبي، لكنهما لم تعرفا أبداً نظرة شاملة للآخر، الذي ظلت قطاعات كثيرة منه مهمشة لا تعرف حقوق المشاركة والاختلاف، ولا سيما النساء والأرقاء، وهي تلك الطبقات التي لطالما عانت من التهميش والإقصاء.

وفي الوقت الذي يدافع فيه الكثير من الباحثين المتخصصين عن الحضارتين القديمتين، بدعوى أن التراتبية الاجتماعية، والهيمنة الذكورية، وشيوع الرق والعبودية، كانت كلها أموراً غير مستهجنة في تلك العصور، وأن البشر قد مارسوا هذا التمييز بشكل عفوي دون أن يدركوا ما فيه من أخطاء، فأن المؤلف يرفض تلك المبررات، ويقول صراحة: “لا يصح لنا أن نلتمس لهم -أي اليونانيون والرومان- المعاذير فيما يخص قضيتي النساء والأرقاء، بدعوى أنهما قضيتان لم تكونا لتخطرا على بال البشرية فى ظل سياقات زمنية ضاربة فى جذور التاريخ، لأن المشكلة فى حقيقة أمرها أعمق كثيراً من مجرد نظام اجتماعي قد لا يصعب تغييره؛ المشكلة كانت في إيمان الحضارتين بالعنصرية”.

في سبيل اثبات دعواه، ساق المؤلف عدداً من الأمثلة التي تثبت تحقق تلك العنصرية، وكان الفيلسوف اليوناني الشهير أرسطو أهم تلك الأمثلة على الإطلاق، إذ يقول المؤلف: “وقد مثل أرسطو هذه العنصرية التي تلفظ الآخر شر تمثيل”، واستشهد المؤلف هنا برأي الدكتور مصطفى النشار في الفيلسوف اليوناني الأشهر، عندا يقول: “إن نظريته العنصرية في التمييز بين المواطن اليوناني الحر وبين البرابرة -أي كل ما عدا اليوناني- التي أثبتت فشله في تطبيق منطقه في فلسفته السياسية، فالتعريف المنطقي للإنسان لديه أنه ذلك الحيوان العاقل المفكر، ونظريته العنصرية في الرق أوضحت أنه يؤمن بأن من الإنسان من لا يصلح إلا للرق والعبودية، وليس مؤهلاً إلا للأعمال اليدوية الحقيرة، وفى هذا تناقض مع تعريفه المنطقي للإنسان، وبذلك نستطيع أن نفهم مغزى قوله إن المثل القائل: لا تعط السكين للطفل يعني لا تعط القوة أو السلطة للسفلة والرعاع”.

بعد ذلك يقفز المؤلف ليصل إلى عصر المسيح، فيؤكد على تعاليم المسيحية السمحة التى بالغت بالاحتفاء بالآخر، ثم يشير إلى التغير الكبير الذي وقع في الثقافة المسيحية عقب ارتباطها بالإمبراطورية البيزنطية، ويشرح هذا التغير، فيقول: “…ثم تلقف المسيحية قياصرة وملوك متعاقبون، قاموا بسحق معارضيهم من رعاياهم الذين لم يدينوا بمذهب الدولة الرسمي، حدث ذلك باسم المسيحية -والمسيحية منهم براء- تارة، وباسم مصلحة الدولة تارة أخرى،  فرأينا محاكم التفتيش التى طاردت الأصوات المخالفة بجميع أنواع التنكيل من حبس وتعذيب، وقتل وحرق. وهي لم تكتف بمطاردة النخب، لكنها نكلت بالعامة والدهماء”.

في هذا السياق، أشار البوهي إلى أمرين في غاية الخطورة والأهمية، الأول، وهو الحملات الصليبية التي شنها الغرب الأوروبي على بلاد الشام والأناضول تحت راية الصليب المقدس، وذلك في الفترة الممتدة بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر الميلاديين، وثانيهما، هو حملات الاضطهاد المنظمة التي مارسها الغرب الكاثوليكي الإسباني ضد المسلمين واليهود في شبه الجزيرة الأيبيرية في القرن الخامس عشر الميلادي، وذلك بعد سقوط دولة بني الأحمر المسلمة في غرناطة، وفي ذلك يقول المؤلف: “…وكما رأينا من أوروبا استباحتها للآخر الأوروبي مسيحياً ويهودياً، فقد رأينا منها استباحتها للآخر المسلم بهجومها الحربي على المشرق باسم الصليب فى حقبة الحروب الصليبية، التى امتدت قرنين من الزمان، ذاقت الشعوب فيهما من ويلات الحروب ما تقشعر لها الأبدان، ورأينا منها ما فعلته فى حروب الاسترداد بالأندلس، بتنكيلهم بالعرب المنهزمين، وتحويل مساجدهم إلى كنائس، ثم بإجبارهم على التنصير”.

لكن التعصب الأوروبي لم يتوقف عند تلك الحدود، بل تطور ليتفاقم داخل القارة الأوروبية نفسها، فمع ظهور حركة الإصلاح الديني، نشب الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت، ودخلت الدول الأوروبية في الكثير من المعارك ضد بعضها البعض، كما أن التاريخ يحدثنا عن العديد من الجرائم البشعة التي نتجت عن التعصب المذهبي، وهي الجرائم التي راح عشرات الآلاف ضحية لها على مدار القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.

انتهاء الحروب المذهبية الطاحنة بين الكاثوليك والبروتستانت عقب توقيع صلح وستفاليا الشهير في 1648م، لم يضع حدا للصراع الأوروبي- الأوروبي، إذ ستُبعث شرارة الصراع مرة أخرى في القارة العجوز مع تصاعد الحس القومي الحديث، وفي ذلك يقول المؤلف “…بظهور فكرة الدولة القومية رأينا وجه أوروبا الإقصائي العنصري بادياً من تصرفات ساستهم المتناحرين داخل قارتهم العجوز وخارجها، من خلال الأفكار الإمبراطورية التوسعية لنابليون بونابرت وهتلر وموسيليني، ومن خلال إفنائهم شعوب الأمريكتين، وفى رغبات السيطرة الدائمة للبريطانيين الذين كانوا يتباهون بأنهم إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وفى رغبات الفرنسة التى مارسها الفرنسيون في البلدان التي احتلوها.  ورأيناه راسخاً فى عقول مفكريهم الذين قعّدوا لرفض الآخر وقمعه، في بربرية فلسفة نيتشه الاجتماعية، فهو يرفض الديمقراطية أو حكم الشعب لأنه يغلب على حد زعمه الرعاع المنحطين على السادة الممتازين، وفى عنصرية فاجنر الذي يعتقد بأن الأجناس تتفاوت مراتبها، ولهذا تحامل على بعضها، ورأى أن من الضروري تحكم الأجناس الراقية في الأجناس المنحطة. وفى غاية مكيافيللي التي تبرر وسيلته”.

رغم كل ما سبق، إلا أن المؤلف يعترف بأن الكثير من المفكرين الغربيين قد دعوا للأخذ بالتسامح وقبول الأخر، والإيمان بحق الاختلاف،  من هؤلاء فولتير وهو صاحب القول المشهور: إني أخالفك رأيك ولكنى أدافع  حتى الموت عن  حقك  في إبدائه، ومنهم كانط الذي كتب مشروعاً للسلام الأبدي، ومنهم جون لوك الذى أدرك نسبية الحق، ونسبية الصواب والخطأ، مشيراً إلى أهمية التمييز بين النسبي والمطلق، الثابت والمتغير،  ومنهم برتراند رسل بدعوته إلى المساواة، ورفضه العنصرية بقوله “الاعتراف بأن الناس ليسوا متساوين فى المواهب الطبيعية يصبح خطراً، حين توصف بعض الجماعات بأنها ممتازة أو منحطة”. ومنهم جورج برنارد شو الذي أكد على أن العلاقة المتبادلة بين الأغلبية والأقلية، ينبغي أن تُقام فى إطار يكفل التعايش المشترك. الأمر الذي ظهر في قوله “إن للأقليات حقوقاً تجب مراعاتها، وإلى جانب هذا تحفظ الأقليات التوازن بين الأغلبيات التى تعترف بحقوقها، والأغلبيات التى لا تعترف بهذه الحقوق… موجز القول إن الديمقراطية لا تُعطى للأغلبيات سلطة مطلقة، كما أنها لا تساعدها على إحالة الأقليات إلى أصفار”.

ثورة 1919 وحدت المصريين

ثقافة الاختلاف في الحضارة المصرية 

تميزت مصر بعبقرية مكانية حسب تعبير الدكتور جمال حمدان، تلك العبقرية التى منحتها خصوصية شديدة التفرد فى منطقتنا العربية، فجعلت لها حضارة استيعابية تجتذب الآخر ليصبح جزءاً من الأنا، ليظلا معا متجاذبين رغم تباينهما. وبنظرة فاحصة للتاريخ المصري نجد أن مصر كانت مصدر جذب دائم للآخرين بحسن استقبالهم وطيب معاشرتهم وسماحة أخلاقهم، فأصبحت ملاذاً لكل المضطهدين كآل بيت النبي الذين أحسن المصريون استقبالهم واستقبال غيرهم من العلماء والحكماء والعبَّاد والرحالة ومن الذين ضاق بهم العيش فى بلادهم، فكانت الهجرات تفد إلى مصر من كل البلاد شرقاً وغرباً.

اختار المؤلف الاستشهاد بالكثير من النماذج التي اختارها لتبيان قدرة الثقافة المصرية على التسامح وقبول الآخر في إطار ثقافة الاختلاف، من ذلك القبول المتبادل ما بين العرب والأقباط عقب فتح مصر في القرن السابع الميلادي، فبحسب ما يذكر الدكتور خالد البوهي، فأن أهل البلاد قد رحبوا بالقوات الغازية، في الوقت الذي تسامح فيه العرب مع الأقباط، فأحسنوا إليهم.

المؤلف يعود مستدركاً على نفسه، ليشير إلى أن هذا التسامح لم يكن كاملاً أو ملائكياً كما قد يبدو من السطور السابقة، فبمجرد أن حل القرن الثاني من الهجرة، فأن الاقباط قد انخرطوا في مجموعة من الثورات ضد العرب؛ وكان أشد تلك الثورات وآخرها تلك المعروفة بثورة البشموريين أيام الخليفة المأمون التي سحقها قائده الأفشين، ولم يُظهر المأمون تجاهها غير القتل والتنكيل.

ويشير المؤلف إلى مسؤولية السياسات المالية المتعسفة التي أخذ بها العرب في إشعال تلك الثورات. الأمر الذي لاحظه الدكتور حسين نصار في بعض كتبه، وعلق عليه بأن “أكثر هذه الثورات كان بسبب الخراج، لا بسبب الشعور الوطني أو الديني”.

بعدها يسلط المؤلف الضوء على تجربة الوحدة الوطنية التي تحققت إبان أحداث ثورة 1919م، فيؤكد على الدور المهم الذي لعبته تلك الثورة “فى توحيد صفوف المصريين، وفى بث الروح الوطنية التى مزجت بين الأنا والآخر، فصارا وجهين لعملة واحدة ضمت هلالاً وصليباً، وخلقت مصريين متسامحين، يجمعهم هم وطني واحد، وألم واحد، وأمل واحد، وجراح وطموحات واحدة، وفى كل ما ذكرنا دليل على تأصل وحدتنا الوطنية، وعلى قبول الأنا للآخر قبولاً يتكئ على رصيد طويل من ثقافة التسامح”.

شهدت الحضارة الإسلامية نماذج للتسامح

التسامح في الحضارة العربية الإسلامية

في المحور الأخير من كتابه، يفرد الدكتور خالد البوهي مساحة واسعة لمناقشة قضية التسامح في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، فيقول إن الباحث فى أدبيات الإسلام لا يستطيع غير أن يوقن بأن حضارته قد ارتكزت على الدعوة إلى التسامح، ومنع اللجج والخصومة، وحسن معاملة الآخر. يتضح هذا بتدبر نصوص القرآن، كما يتأكد بمراجعة ما صح عن الرسول “وقد تأكدت هذه الثقافة الاستيعابية فى مجال الممارسة العملية التطبيقية، بقبول النبي اختلاف صحابته حول أسرى معركة بدر، وفى شأن الخروج من المدينة فى أحد، وفى مسألة صلاة العصر فى بني قريظة بما هو موضح في كتب السيرة. كما تأكدت بمؤاخاته صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار، وبتصفيته خلافات الأوس والخزرج، وبمعاهدته الإنسانية الرائعة بيهود المدينة، وبتسامحه وحلمه مع قريش”.

ويستشهد المؤلف بأحد المواقف المهمة الواردة في سيرة الرسول، والذي يحكي أن وفداً من نصارى نجران قد وفدوا على الرسول في المدينة المنورة، “…فدخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر، فحانت صلاتهم، فقاموا يصلون في مسجده، فأراد الناس منعهم، فقال رسول الله دعوهم. فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم”.

الباحث استدل بتلك الرواية على إعلاء قيمة التسامح في الثقافة الإسلامية، وساق كلام ابن القيم الجوزية بأن موقف الرسول من الوفد، يُفهم منه “جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين”، “وتمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضاً”.

فات المؤلف هنا الإشارة إلى أن أغلب الفقهاء والمحدثين قد قالوا بأن الأثر الوارد في صلاة وفد نصارى نجران في مسجد النبي ضعيف لا يصح سنده، ولا يحتج به، وبالتالي فأن الدليل الذي ساقه المؤلف للتأكيد على شيوع حالة التسامح الديني في الثقافة العربية الإسلامية، دليل ضعيف ولم يتمكن من إحداث أي تغير حقيقي على أرض الواقع المتحجر المتكلس بفعل تراكم فائض الاستبداد السياسي والمذهبي والطائفي.

بعد ذلك يحدثنا المؤلف عن مجموعة من النماذج المثالية في الحضارة الإسلامية، فيقول: ووجدنا حضارة الإسلام بعد عهد نبيها تحاول أن تحتذى نموذجها المثالي، فرأينا نماذج عديدة لقبول الآخر ولحسن معاملته، بل وبإذابة الفروق وبالاستيعاب الكامل القائم على قبول التنوع؛ فحدثنا التاريخ عن أطباء أهل الكتاب وكتابهم وأصحاب المال منهم، وحدثنا عن شاعرهم الأخطل شاعر قصر الخلافة الذى لم يجد غضاضة فى مهاجاة شعراء المسلمين دون أن يخشى اضطهاداً، وحدثنا عن إجازة الإمام الماوردي – قاضى قضاة الخلافة – لتولي أهل الكتاب وزارة التنفيذ، وحدثنا عن موسى بن ميمون القرطبي الأندلسي. وحدثنا عن الفارابي وابن سينا وابن رشد وحنين بن إسحاق، وعن ترجمتهم وتلخيصهم لفلسفة اليونان، وحدثنا عن انفتاح الخليفة المأمون على الآخر، بإنشائه بيت الحكمة واهتمامه بالترجمة عن الآخر الذي هو فى حضارة العرب ليس شراً كله، ويشهد على تسامح المسلمين وقبولهم للآخر، ما نراه من بقاء دور العبادة من كنائس ومعابد تشهد على تسامح المسلمين، فى الوقت الذي تحولت فيه مساجدهم بالأندلس إلى كنائس شاهدة على قمعهم فى محاكم تفتيش قاسية، بل إن المسلمين لم يهدموا بيوت النار الخاصة بالمجوس رغم كونهم ليسوا من أهل الكتاب.

ورغم تلك الصورة المشرقة التي استنفذ المؤلف وسعه في عرضها، إلا أنه يعود مستدركاً على نفسه -كعادته- ليشير إلى العديد من النماذج القبيحة التي احتشدت في العشرات من كتب التاريخ الإسلامي، إذ يقول: رأينا فى تاريخنا نماذج عديدة، خرجت على منهج دينها، فلم تحفل بالآخر أو تتسامح مع غيرها، فرأينا التصفية الجسدية باسم الزندقة، الذي لن يجد الباحث له مستنداً شرعياً واحداً، فالزنادقة هم من يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام نكاية فيه. ورأينا شدة الخصومة بين مدارس المتكلمين، حتى إننا نقرأ عن بطش المعتزلة بالمحدثين مثلما نقرأ عن انتقام المحدثين من المعتزلة، بطش المعتزلة بالإمام أحمد وبغيره، ورأينا التعصب برفض قبول الآخر الذى يحمل رأيا فقهياً مخالفاً لما عليه الأئمة الأربعة كالظاهرية، وكأن الأئمة الأربعة رضوان عليهم هم من يمثلون الدين دون غيرهم، ثم رأيناه – فى عصور التقليد والجمود – بين أتباع الأئمة الأربعة حتى وصل الأمر ببعض متعصبي الشافعية عندما سئل عن حكم طعام وقعت فيه قطرة نبيذ، فقال يرمى لكلب أو حنفي،  وسئل حنفي متعصب هل يجوز للحنفي أن يتزوج شافعية، فرد لا يجوز لأنها تشك فى إيمانها، وقال آخر يجوز الزواج قياسا على الكتابية.

اقرأ أيضا: كيف تم إقصاء الآخر المذهبي في الفكر السُّني؟

محمد يسري أبوهدور

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى