فلاديسلاف سوركوف

صانع بوتين!

طوال عقدين من الزمن، ظل خلالها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على رأس السلطة في روسيا كرئيس أو رئيس للوزراء،  نجح خلالهما في  ترسيخ صورته “كقائد ومؤسس روسيا الجديدة”. 

ساهم نجاح بوتين البالغ من العمر 67 عامًا، في ترسيخ مقاليد حُكمه، وتوسعة نفوذ بلاده خارجيًّا وإعادتها كخصم لأوروبا وأمريكا في الشرق الأوسط، لكن وراء الستار من يقف كمهندس لهذا التحول، هو “فلاديسلاف سوركوف” الذي أصبح في سنوات معدودة، ثاني أقوى رجل في روسيا، والآمر الناهي في الكرملين، الذي يحمل أسرار رئيس بلاده، ويرسم له خطوط سياسته في الداخل والخارج.

بوتين وسوركوف
ثاني أقوى رجل في روسيا

بدأ سوركوف، المولود لأم روسية وأب شيشاني (عام 1964) حياته المهنية كحارس لرجل الأعمال الروسي ميخائيل خودورفسكي، بعدما فشل في استكمال دراسة المسرح بموسكو، بسبب مشاجرة بينه وبين أحد الطلاب.

لم يمكث طويلًا في وظيفته الأولى كحارس أمن حتى اكتشف الثري الروسي            “خودورفسكي” مهارات تسويقية، ليدفع به إلى عالم العلاقات العامة والإعلان التي سطع اسمه فيها، ونالت تصاميمه للحملات الإعلانية وشعاراتها لكُبرى الشركات الروسية صيتًا واسعًا ورواجًا. 

ولفتت موهبته أنظار مسؤولين حكوميين إليه ليختاروه في منصب رئيس العلاقات العامة لقناة تلفزيونية تابعة للكرملين، تسلل منها لدوائر السلطة، بعدما أبهر وزراء الكرملين بمهاراته في تسويق إنجازتهم تحت مسميات روج لها للمرة الأولى في بلاده “كالديمقراطية التمثيلية”، وقدرته على إحكام سيطرته على كُل ما تبثه القناة. 

لم يتوقف طموح السياسي الشاب عند هذه المرحلة، فبدأ رحلة صعود نحو قمة هرم السلطة، تمثلت أولى محطاتها عندما شغل منصب نائب الرئيس لديوان الرئاسة الذي توطدت خلاله العلاقة مع بوتين، والذي منحه مكانة بارزة وسلطات واسعة جعلته يرتقي سريعًا فأصبح نائبًا لرئيس الوزراء حتى عام 2013، لكن الأهم كان عمله مساعدًا رئاسيًّا وكبيرًا لـ”المنظرين العقائديين” لبوتين.

فلاديسلاف سوركوف

مستخدمًا صلاحياته الواسعة، نجح سوركوف في السيطرة على الأحزاب السياسية في البرلمان الروسي، وكوّن مجموعات شبابية موالية لبوتين تهتف باسمه، وأدار الحملات الانتخابية التي حققت انتصارات لبوتين وحلفائه، حتى وصل نفوذه إلى الكنيسة الأرثوذكسية.

تأميم ملف الإعلام

أعاد سوروكوف هيكلة وتأميم وسائل الإعلام من جديد عبر لقاءات أسبوعية مع الصحفيين، لقنهم خلالها المهام المطلوبة ونوعية المفردات المختارة في كُل قضية، والآلية المستخدمة في الدفاع عن وجهة النظر الرسمية.

على سبيل المثال، دعا سوروكوف وسائل الإعلام الروسية لمخاطبة القوميين الأوروبين اليمينين برسائل إعلامية مناهضة للاتحاد الأوروبي، في حين يستميل أقصى اليسار بقصص عن محاربة الهيمنة الأمريكية، ويغري المحافظين المتدينين في الولايات المتحدة بحرب الكرملين ضد المثلية الجنسية. 

ولخص مهامه المتنوعة وسلطاته الواسعة بتصريح له خلال ندوة له في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، قائلاً “أنا المسؤول الأول عن الأيديولوجيا والإعلام والأحزاب السياسية والدين والتحديث والابتكار والعلاقات الخارجية”.

وبحسب زميل سابق للمساعد الرئاسي لبوتين، فإن الكثير من نجاحات الرئيس الروسي مرتبطة بسوركوف الذي يُدير كل القضايا الكُبرى، ويسيطر على الجهاز الرئيس للدولة، وهي بنية معقدة للغاية.

الرئيس بوتين وسوركوف
ظروف غامضة

إنه الرجل الوحيد الذي لا يعرف سواه المواقع  الصحيحة  للمعارضة، الأحزاب السياسية، النواب، منظمات المجتمع مدني، الكنيسة، في بنية الدولة، وفقًا لزميله.  

كان آخر أدوار هذا الرجل، قبل مغادرته الكرملين في ظروف غامضة، هو دوره في ضم جزيرة القرم، وتمهيد الطريق لصنع قيصر حديث في تمرير استفتاء على تعديل دستوري يسمح لبوتين بالبقاء في السلطة حتى عام 2036؛ ليظهر بقاء قيصر روسيا لدورتين جديدتين كمطلب جماهيري: “من دون بوتين، ليس ثمة روسيا”ً.

مهندس "البوتينية" الجديدة

كانت المهمة الأبرز للرجل داخل الكرملين هي التأسيس لما أسماه “البوتينية” كعقيدة لنظام حكم رئيس بلاده، والتي وظف فيها قدراته على التحول دومًا كالزئبق في استخدام لغة الحقوق والتمثيل لإقرار استبداد حكومته، وإعادة صياغة الرأسمالية الديمقراطية حتى تعني عكس هدفها الأصلي.

و”أيدلولجية المستقبل” لعقيد نظام بوتين هي “اختراق سياسي عالمي”، والطريقة الفعالة للحكم لإدارة شؤون البلاد، والتي شرعن فيها سوركوف استخدام الاستبداد في تحديث نظامه الداخلي. والقوة الدافعة “للبوتينية” هي توظيف المآثر العسكرية والسياسة الخارجية والمشاعر المعادية للغرب بين الشعب الروسي كمبررات لأي سياسية داخلية أو خارجية.

على سبيل، استخدم المساعد الرئاسي لبوتين شعار “علينا أن نكون روسًا ونظل روسًا” في توزيع عدد من أهم الممتلكات الروسية وتحويل قطاع الطاقة الذي يسيطر عليه رأس المال الخاص إلى قطاع تهيمن عليه الدولة، وإطلاق برنامج لتعزيز سيطرة الدولة يدعى “الأبطال الوطنيون”. 

مصدر الشرعية لهذه الإدارة مثّلته سلسلة من القوانين، أبرزها قوانين “المظاهرات، والإنترنت، والخيانة” الذي ينظم معاملة كل هؤلاء الذين يعرفون بأنهم “عملاء أجانب”.

فلاديسلاف سوركوف في روسيا

وتحت ستار تحصين نظام الحُكم  بـ”المواطنين المخلصين”، أُضفِيَت على الدستور الروسي تعديلات تحصنه من أي تدخل أوروبي، فجعلت أي اتفاقية دولية يعقدها بوتين غير قابلة للطعن في جهات التحكيم الدولية، ما يعنى أن المعارضين لن يكونوا قادرين على اللجوء إلى هيئات دولية لتحقيق أجندات داخلية.  

كما صدر قانون يحصر منصب الرئيس على الأفراد الذين أقاموا فى روسيا لمدة لا تقل عن 25 عامًا، وحظر على حاملي الجنسية المزدوجة أو أصحاب الإقامة الأجنبية شغل المناصب الرسمية العليا، بمن في هؤلاء القضاة والوزراء والمحافظون وأعضاء البرلمان.

الخروج من الكرملين

بعد هذا الصعود السريع داخل أروقة الحُكم والمكانة شبه الأسطورية التي حظي بها، خرج سوركوف في فبراير/شباط الماضي من الكرملين بمرسوم رئاسي تضمن سطرين فقط أعلن بوتين خلالهما إقالة الرجل، واختيار دميتري كوزاك لتولي منصبه. 

وكوزاك من التكنوقراط، وأشرف على بعض أكثر المشاريع طموحًا في عهد بوتين، مثل دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في سوتشي 2014، وإدماج شبه جزيرة القرم بعد ضمها في عام 2014. 

سوروكوف يخرج من أروقة الحكم

وهذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها سوروكوف من أروقة الحُكم؛ فقد سبق أن قدم استقالته في عام 2013، قبل أن يعود بعد 4 أشهر في منصب آخر اختاره له بوتين.

ويُرجح أن يكون سبب هذه العودة هو ظهور تسريبات تدعم مقولة أنّ إجباره على الانسحاب جاء ضمن صفقة غير رسمية بين بوتين مع الحكومة الأوكرانية، في محاولة لتنشيط محادثات السلام.

ويقول كيندال تيلور، مدير برنامج الأمن عبر الأطلسي في مركز الأمن الأمريكي الجديد، إن “سوركوف قد لا يكون رحل إلى الأبد؛ لقد أُبعِد من قَبل. من المحتمل جدًّا أن يعود، وإذا احتاج إليه بوتين في أي وقت، فسيكون جاهزًا”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أكرم الصباغ

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram