“فنّ الاستسلام عند “نيتشه

سعيد ناشيد

كاتب وباحث مغربي

“نيتشه” الذي بات يُحكم قبضته علينا بنحو سبق له أن توقعه بحدس الأنبياء، ولا ندري كم سيستغرق الأمر قبل الإفلات من قبضته، عملًا بإحدى وصاياه وطالما لديه زوائد انطباعية قد لا تصمد طويلًا؛ هو في واقع الأمر مِثل الحقيقة التي لا نجدها إلا حيث لا نتوقع العثور عليها، وهو كذلك مثل الحقيقة حين نضطر إلى قلبها وإعادة قلبها مرارًا لكي نجعلها تثمر باستمرار، بل مثل تراب الحقل بالأحرى، بل مثل الأفكار، والنظريات، والأحلام، والحب، وإجمالًا مثل الحياة.

لذلك فإننا نتعلم من “نيتشه” أكثر حين يتعلق الأمر بالمسائل التي لا نتوقّع أن نتعلمها منه. وها نعود مرةً أخرى إلى عدم التعلّق بالتوقعات، وإلّا فمن كان يتوقع أن نتعلم من فيلسوف “إرادة القوة” شيئًا عن فن الاستسلام؟!

إلاّ أن “نيتشه” الذي ارتبط في الأذهان بمفاهيم القوة والإرادة والتحدي والحرب والتفوق يبقى رغم ذلك -بل بفضل ذلك- أكثر فيلسوف يمكننا أن نتعلم منه فن الاستسلام.

غير أن الاستسلام ليس دائمًا موقف جبن وفشل وإيثار للحياة على حساب الحرية والكرامة الإنسانية وفق منطق العبيد، بل قد يجسد أحياناً الموقف الأكثر مروءة وشهامة وحكمة.

كيف يعلمنا “نيتشه” فن الاستسلام، أو بالأحرى كيف نتعلم منه ذلك؟!

إن ما سنعرضه الآن ليس مجرد محاولة لاستنباط فكرة جديدة، بل إنه إعادة صياغة لبداهة منسية تخبرنا أن فيلسوف “إرادة القوة” هو أيضًا فيلسوف فن الاستسلام بامتياز.

كيف ذلك؟

تكفي شهادة “نيتشه” في حق نفسه كما أوردها في كتاب “هذا هو الإنسان”، والذي هو أشبه ما يكون بنصوص الاعترافات في تاريخ الثقافة الغربية، حيث كتب يقول: “ينطوي المرض على قدر كبير من الحقد، وليس للمريض في مواجهة هذه الحالة سوى وسيلة علاج واحدة أسميها بالاستسلام الروسي للقدر؛ ذلك الاستسلام الذي يجعل جنديًّا روسيًّا متبرمًا من شدّة الغزوة ينتهي بأن يستلقي في الجليد. إن الحكمة في هذا الاستسلام الذي ليس دومًا موقف شجاعة تجاه الموت بل ضربًا من الحفاظ على الحياة في ظروف تهدد بالهلاك؛ إنما تتمثل في تخفيض وتيرة تحويل الطاقات الغذائية بحيث يصبح هبوطها بمثابة كمون شتوي، طالما الإنسان سيستهلك نفسه بسرعة إذا حاول القيام بأي رد فعل، فلا يجب أن يفعل أي شيء؛ تلك هي الحكمة. ذلك الاستسلام الروسي مارسته من خلال تمسكي العنيف ولسنوات طويلة بكل الأوضاع والأمكنة والمسكن والعلاقات البشرية الممنوحة لي من قبل الصدفة، والتي كانت لا تُحتمل في أغلب الأحيان” (هذا هو الإنسان).

إذا كان “نيتشه” يؤكد بنفسه أن كل فلسفة هي بمثابة سيرة ذاتية لفيلسوف بعينه، فالأمر ينطبق عليه هو بالذات وبالتمام؛ إذ هناك ترابط بين قدرة “نيتشه” على الاستسلام في مستوى حياة فلسفية يختزلها في مفهوم “تقبل القدر” amor fati، وبين فلسفة حيوية يرمز إليها بوظيفة المطرقة.

لكن ما حاجة “نيتشه” إلى المطرقة طالما يتعلق الأمر بفن الاستسلام، وتقبل القدر؟

لا يعني فنّ الاستسلام أن يسلم المرء نفسه للضربات عنوة دون أن يحاول تجنبها أو دفعها ما أمكنه ذلك. ليس معنى حكمة “العيش قرب البركان”، كما أشار إليها “نيتشه” وفصل فيها “أونفراي”، أن يذهب المرء بملء إرادته إلى ملاقاة حمم البركان لكي يلقي بنفسه إلى التهلكة، بل المقصود هو القدرة على التحمل حين يكون على المرء أن يتحمل، وحين لا يكون أمامه من خيار آخر للحفاظ على كرامته الإنسانية غير التحمل. علمًا بأن القدرة على التحمل هي الهدف التربوي الأساسي في كتاب “جان جاك روسو” الشهير حول التربية (إميل).

يعبر فنّ الاستسلام عن وضعية في منتهى الدقة، يستسلم فيها المرء للضربات التي لا يمكنه مقاومتها أو اجتنابها، وأثناء ذلك ليس مطلوبًا منه سوى أن يكون قادرًا على تقدير الضربات التي لا يقدر على دفعها، أو لا يستطيع تفاديها.

في مشهد الكلب المربوط بحبل إلى عربة تتحرك، والذي يقدمه الرواقيون ضمن دروس القدرة على مجاراة القدر الذي لا راد له، يكون على الكلب أن يساير اتجاه العربة حتى لا يجد نفسه مجرورًا بنحو مؤلم ومهين. غير أن الأمر يتعلق أيضًا بحجم القدرة الغريزية التي يمتلكها الكلب في تقدير اللحظة التي يكون عليه فيها أن يجاري قدره عقب محاولات أولية للإفلات من ربطة الحبل.

إذا لم يكن المرء قادرًا على الإفلات، سواء بالتعويل على قوّته الذاتية أو بمساعدة الآخرين الذين يحقّ له أن يستنجد بهم، ما لم يكن الاستنجاد بهم مجرّد هدر مجاني للطاقة والكرامة؛ فيجب أن يمتلك في المقابل مرونة الاستسلام لضربات القدر في الوقت المناسب.

تندرج تلك المهارة أيضًا ضمن مهارات فنون القتال الآسيوية، وتسمّى بالقدرة على مسايرة اتجاه الضربات الأشدّ عنفًا، كما تندرج ضمن الخبرة العسكرية، وتسمّى بالقدرة على امتصاص الضربات الأولى.

لكن ما الذي يحدث حين يستسلم المرء للضربات التي لا يمكنه مقاومتها؟

لدينا أنواعٌ كثيرةٌ من الأمثلة المعبرة.

مثلًا، كثيرون ممن شهدوا جحيم التعذيب في السجون السرية لبعض النظم التسلطية أو الفاشية، أو ضمن سياق بعض الحروب الشرسة، يدركون بحكم التجربة أن لحظة الاستسلام النفسي والجسدي والروحي للألم أثناء حصص التعذيب، تمثل في الوقت نفسه بداية التخفف من شدة الألم. ذلك أن الإصرار على مقاومة عذاب لا يمكن دفعه من شأنه أن يفاقم حدة الشعور بالعذاب. إن الفخ الذي ينتظر جلادك أن تقع فيه هو أن تقاوم وتتشنج وتتمنع وتصرخ وتتخبط، وبالتالي تستنزف طاقتك، وتبهدل كرامتك، ولن يزيد ذلك من جلادك إلا حقدًا وشراسة. كذلك هي ضربات القدر التي لا يمكنك ردها، فإنك حين تصر على مقاومتها، تستنزف طاقتك، وتهدر كرامتك، ولن يزيدها ذلك إلا قسوة وشراسة.

مثال ثانٍ:

هناك مرحلة طبية تسمى بمرحلة ما قبل الاحتضار، تكمن صعوبتها في أن أحبة المريض وأهله لا يريدون الاستسلام خوفًا من عقدة الذنب، فيواصلون البحث عن حلول علاجية تُنهك ولا تجدي، هذا في الوقت الذي تؤدي فيه كثير من الإجراءات العلاجية العبثية في مرحلة ما قبل الاحتضار إلى استنزاف المريض بنحو مجاني، وتنتهي إلى تعقيد مرحلة الاحتضار وجعلها أكثر مشقة وعسرًا.

مثال ثالث:

هذا النّوع من الأمثلة قد لا يعجبنا للوهلة الأولى طالما يتعلق بلحظات احتضارنا التي تميل عقولنا بطبعها إلى اجتناب التأمل فيها، غير أن الاجتناب ليس حلًّا طالما هو نوع من الإنكار الذي يترك أثرًا سيئًا على أسلوب الحياة برمته. يمكننا تبسيط المسألة على النحو التالي: في لحظة الاحتضار يميل الجسد بطبعه إلى مقاومة الموت، وهو غير مدرك أنه يخوض حرب استنزاف خاسرة، يبدد فيها مشاعر الهدوء والسكينة التي يحتاج إليها في تلك اللحظات، بل قد يخسر كرامته أيضًا، وبذلك النحو غالبًا ما يترك للأحبة أسًى زائدًا يعذبهم أمدًا طويلًا.

مهما قسا القدر علينا، يرحمنا حين نستسلم له بسلاسة وسكينة.

هنا تكمن أهمية فن الاستسلام باعتباره فنًّا من فنون الحياة في الأوقات العصيبة، غير أن نجاعة الاستسلام تتعلق أيضًا بالتقدير السليم للتوقيت المناسب، والأسلوب المناسب. وكل هذا متاح في كل الأحوال ما دام العقل يشتغل.

لدينا دروس كثيرة من تاريخ العلاقات بين الدول. لنأخذ اليابان على سبيل المثال، التي ندرك أن عظمتها اليوم هي ثمرة قدرتها على الاستسلام حين تلقّت ضربات بالقنبلة الذرية، وكانت تلك الضربات هي الأعنف من نوعها في تاريخ الحروب. غير أن الأمر يتعلق قبل كل ذلك بمهارة من مهارات الحياة، لعلها حكمة الشعوب الآسيوية أيضًا.

حين تستسلم للضربات التي لا تستطيع أن تدفعها عنك، فأنت بذلك النحو تحافظ على طاقتك الحيوية وكرامتك الإنسانية حتى لا يتم استنزافهما في تشنج وتمنع وتذمر ينهكك بلا طائل، ويجعل الضربات أكثر وجعًا وإيلامًا.

لا يتعلق الأمر فقط بالضربات التي قد تنهال على الجسد وحدها، لكنه يتعلق أيضًا بالضربات التي قد تنهال على النفس والروح، وبالنظر إلى كل مجالات الحياة، بدءًا من الحياة الأسرية، مرورًا بالحياة المهنية، ووصولًا إلى الحياة السياسية.

لكن مرة أخرى، لا يعني فنّ الاستسلام الوقوف موقفًا سلبيًّا أمام الحياة، ولا الخضوع لكل الظروف بدون أي قدر من الممانعة والإرادة؛ بل يعني القدرة على الاستسلام في اللحظة التي تصبح فيها المقاومة مجرد عبء بلا طائل، وضياع للطاقة، وهدر للحياة، ما يعني القدرة على تخزين الطاقة الحيوية طالما الحياة ليست معركة واحدة على جبهة واحدة، بل معارك عديدة على عدة جبهات. وقد يكون الاستسلام في بعض الجبهات مجرد فرصة سانحة لتوفير الجهد أو توجيهه نحو جبهات جديدة، وذلك لكي يتحقق النمو في أبعاد جديدة أو متجددة، طالما الإنسان لا يمكن اختزاله في مجرد بعد واحد، كما كان يقول “هربرت ماركيوز” (الإنسان ذو البعد الواحد).

الاستسلام قدرة من جهة أولى، معرفة من جهة ثانية، وفن من جهة ثالثة.

  • لماذا هو قدرة؟

لأن العاجزين عن الحياة لا يملكون من مهارة أخرى غير السخط والتذمر والشماتة، إلى آخر الأهواء التعيسة وغرائز الانحطاط، وإلى آخر الانهيار.

  • لماذا هو معرفة؟

لأن الجاهلين لا يملكون المعرفة الضرورية لتقدير إمكانيات المواجهة وحدودها، وبالتالي تقدير اللحظة المناسبة والأسلوب المناسب لأجل اتخاذ قرار الاستسلام، حفظًا للطاقة الحيوية والكرامة الإنسانية.

  • لماذا هو فن؟

لأنّ القساة لا يملكون المهارة والمرونة والرشاقة لأجل امتصاص الضربات القوية التي لا يمكن صدها أو تفاديها، ولهذا نراهم يتحطمون بسرعة أمام العواصف القوية.

لكل ذلك نضيف ما يلي:

الاستسلام حكمة كذلك، بل حكمة بليغة في النهاية، طالما أن مهارة الاستسلام تضمن لنا المحافظة على النمو والكرامة في مواجهة ضربات القدر الأشد ضراوة، وكذلك تضمن لنا في ختام الأيام أن نغادر الحياة بقلبٍ راضٍ وعقلٍ مرتاح.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search