وجهات نظر

فن إدارة الحبكة.. لماذا يتصرف الأبطال بغباء؟

أحمد الصادق

 

“لماذا لم تقتله أيها الغبي؟! سينهض مجددًا ليلحق بك!”

هكذا ينطق الواحد منا في كثير من الأحيان، وهو يشاهد مشهدًا في فيلم أو مسلسل، ويكون البطل قد أجهز على الخصم الشرير وطرحه أرضًا، لكنه لم يتخلص منه، لم يتأكد هل مات، أم ما زال حيًّا.. في تلك اللحظة تحديدًا تتلخص الدروس المستفادة من إدارة الحبكة في أي عمل درامي أو سينمائي أو أدبي، لأنه من المنطقي، بل من الضروري، في تلك اللحظة بالذات، أن يتخلص البطل من الخصم الشرير نهائيًّا، لأن ذلك كان هدفه من بداية الفيلم أو القصة، فلماذا تركه هكذا طريحًا، ما زال ينعم باستنشاق الهواء الدافئ، وينطلق الأكسجين داخل مخه، فتنتعش خلاياه.. لماذا لا يزال الشرير حيًّا؟!

في بعض الأحيان، تكون تلك اللقطة هي لفتة من المخرج أو الكاتب، كي يعيد تشغيل تروس الإثارة مرة أخرى، عندما ينهض الشرير، ويكاد يقضي على البطل، ولكن البطل في كل مرة -ويا للمصادفة- ينتبه إلى ذلك، فيفعل الأكشن الأخير الذي كان يؤخره للّقطة الأخيرة، فيقضي على الشرير تمامًا، وغالبًا ما يقضي عليه بصورة وحشية، كي يشبع رغبات المتلقين أو المتفرجين، ويلطف من نارهم المتأججة طوال العمل، لأنهم كانوا يتمنون في دخيلتهم القضاء تمامًا على ذلك الشرير المسكين.

لا تهمنا في هذا المقام تلك اللقطة السابقة، فهي لا تعدو كونها بعض البهارات يضعها المبدع في عمله، كي تزيده إثارة، وتنجح بنسبة كبيرة في الأعمال السينمائية أكثر من الروائية، وبخاصة أعمال الأكشن والرعب والإثارة، ولكن ما يهمنا في هذا المقام هي الحالة الثانية: ففي بعض الأحيان الأخرى، يترك البطل الشرير طريحًا، ويهرب بعيدًا، يمارس حياته بأريحية واطمئنان، لكن الشرير يعود لينهض بعد مرور وقت طويل، فتستمر القصة، كأن شيئًا لم يحدث! هنا تكمن المشكلة، ويحق لنا التساؤل: لماذا لم يقتله البطل في تلك اللحظة؟ نحن ما زلنا في منتصف القصة، أي كان بإمكاننا أن ننتهي من كل شيء أصلاً!

لماذا لم يفكر البطل في التخلص من الشرير؟ هل البطل يريد أن يمتعنا مثلاً بتكملة القصة ورصد المزيد من الصراعات؟ هل نحن بصدد عمل Metafiction أو كاسر للإيهام؟ لا معنى لاستكمال الصراع بعد أن ضيع البطل على نفسه فرصة عمره، وهي إنهاء حياة الشرير حين كان بين يديه أول مرة، لا حول له ولا قوة.. أم تُرى، هل هو غباء من البطل؟ نعم، البطل غبي، كي يترك الشرير على قيد الحياة، إذًا فهو غبي! ولكن، البطل كان يتصرف بمعقولية إلى حد ما في بقية القصة، فلماذا صار غبيًّا فجأة ها هنا؟ خاصة أن قتل الشرير/هدف البطل الأساسي هو من أولوياته، ومن البدهي أن يقتله إن سنحت له الفرصة، فلماذا لم يقتله إذًا؟! لماذا يا ناس؟! لحظة.. مَن الغبي ها هنا؟ البطل.. أم الكاتب؟ هذه هي المسألة.

الكتابة خلق مُنفرد

الكتابة عملية خلق بالأساس، يخلق الكاتب كل شيء بعمله، إنه إله عمله الوحيد، لا يملي عليه أحد ما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل، يخلق الشخصيات، الحدث، يصنع الحبكة، أو العقدة، ويجعلها متماسكة، مترابطة، تسير بمنطق معين، بحيث لا نجد نحن كمتلقين للعمل ثغرات منطقية قد تضرب الحبكة في مقتل، خاصة في لحظات التنوير المهدرة، كتلك التي يمتنع فيها البطل عن قتل الشرير عندما كانت الفرصة جلية أمامه، فلحظات التنوير هي التوقيت الذي تحدث فيه المعجزة، الحل المثالي للعقدة، فكها، فيخرج البطل سالمًا، أو تعقيدها أكثر فيخرج البطل مهزومًا، أو تعليقها، فتبقى النهاية مفتوحة، تصب في المجهول، لتستفز العقول لمزيد من التساؤلات والسيناريوهات المحتملة.

أيضًا الكتابة إرادة، تنبع من الكاتب، لذا ينبغي عليه أن يكون عليمًا بكل التفاصيل الممكنة في عمله، وألا يضع أمرًا ما عفويًّا لا يخدم الحبكة، فكل شيء في القصة ينبغي أن يخدم الحبكة، وكلما زادت التفاصيل التي تخدم الحبكة، زاد العمل إبهارًا.

خدمة الحبكة هنا لها أكثر من معنى: فإن كانت تفاصيل العمل تؤول بالحبكة إلى تعقيدها أكثر، فأكثر، كان ذلك خدمة للحبكة، فالقصة الجيدة، بحاجة إلى أن تكون حبكتها أكثر تعقيدًا، بحيث لا تأتي في خَلَد المتلقي الطريقة التي سيحل بها الكاتب الإشكالية بسهولة، فلا يتوقع النتائج المترتبة على ذلك، ولكن تعقيد الحبكة، يتطلب، في نفس الوقت، مقدرة غير عادية على خلق لحظة تنوير مثالية، تتماشى بانسجام وتناغم مع تفاصيل الحبكة، وتحلها بطريقة مقنعة، لا بطريقة هشة أو هزلية.

هناك العديد من الأمثلة على تلك الطرائق الهزلية، فكثير من الأعمال التي تصل بالحبكة إلى ذروتها، تتعقد من كل الجوانب، فلا يجد الكاتب بُدًّا من أن يجعل كل ما سبق مجرد كابوس عاشه البطل طوال القصة، وقد استيقظ منه أخيرا، تاتااااااا! يا لها من لحظة تنوير!

أما الطرائق الهشة، فهي دائما ما تكون على غرار “استخرج الإجابة من القطعة”، فالحل هنا يكون حاضرًا ومتاحًا طوال القصة، ولكن البطل لا يستعمله إلا في نهاية العمل! وهذا خطأ بيّن من الكاتب كذلك، فلماذا أظهر لنا الحل من الأصل؟ لمَ لمْ يجعله كامنًا في القصة وأرجأ استعماله حتى النهاية؟

قد يكون الحل متمثلاً في شيء مادي موجود وجودًا فيزيقيًّا، أو في شيء معنوي خالص، ويظل المتلقي يتساءل “لماذا لا يفعل البطل كذا وينتهي من الأمر؟”، وكمثال مشهور على هذه الحالة، جميع حلقات مسلسل الأنيميشن الياباني “مازنجر”، ففي كل مرة تقريبًا، يقضي مازنجر على الشرير بسلاح من اثنين: إما أشعة الصدر الحمراء، أو العاصفة، فلماذا تؤجل استعمال هذين السلاحين حتى النهاية في كل مرة يا مازنجر؟

هناك قناة لطيفة على موقع Youtube، تحمل اسم How it should have ended، أو HISHE، بها أفلام أنيميشن قصيرة تنتقد الأفلام الأمريكية، وينصب انتقادها دائمًا على إدارة الحبكة، وتتخيل بالتالي كيف كان من المفترض أن يتنهي الفيلم!

على سبيل المثال، في فيلم Superman إنتاج 1978، أخبر ليكس لوثر الشرير سوبرمان أنه أطلق صاروخين باتجاهين معاكسين ليدمرا مدينتي كاليفورنيا ونيوجيرسي، ثم قال بثقة: “حتى بسرعتك الخارقة لن تستطيع أن تلحق بهما معًا”.. في الفيلم، استطاع سوبرمان أن يلحق بأحد الصاروخين، لكنه أخفق في الآخر، فكان الحل أن دار حول كوكب الأرض باتجاه معاكس، كي يعكس دورانها، فيعود بالزمن إلى الوراء! وبصرف النظر عن ذلك الخطأ العلمي الفادح، فإنه في سلسلة HISHE قال لليكس لوثر: “لحظة واحدة…”، ثم طار وعاد حاملا صاروخين قائلاً: “تقصد هذين الصاروخين؟”.. في إشارة إلى أنه بطل خارق، بالتأكيد يستطيع أن يلحق بآلاف الصواريخ إن أراد.. مرة أخرى، كان الحل كامنًا في القصة، ولكن لم يُستعمل إلا في HISHE.

معنى آخر لخدمة الحبكة عن طريق تفاصيل العمل، هو أن تترابط التفاصيل كلها لتشكل نموذجًا هندسيًّا سيميتريًّا مثاليًّا، حيث تُسَد الفجوات وتُعالج الثغرات، كل شيء موضوع في مكانه الصحيح لخدمة دور معين، حتى الأشياء الصغيرة التي لم تخطر على البال. وخدمة الحبكة هنا ليست فقط بقصد تعقيدها أكثر، ولكن من الممكن أن يتوالد صراع على فك العقدة، فما تلبث أن تنفك حتى تتعقد من جديد، في صراع دائري يحوم حول نقطة محددة، لكنه لا يريح العقل فيحلها مباشرة، كالمقطوعة الكلاسيكية العظيمة عندما تبدأ، فلا تنفك ولا تهدأ، لا يريح المؤلف عقل المستمع بالذهاب مباشرة إلى القرار الذي يعطي شعورًا بانتهاء المقطوعة نهاية مرضية، بل يظل في صولات وجولات، شد وجذب، يحوم حول القرار، حتى يصل إليه في النهاية بطريقة مثالية، تليق بعظمة ما ألَّفَه.

غباء الأبطال وخيار المؤلف

لماذا إذًا يتصرف أبطال العمل بغباء؟ بالطبع لو أنهم قد رُسِمَت شخصياتهم بحيث تصفهم بالغباء، وبأن هذه هي طبيعتهم، لما كان عليهم في تلك الحالة حرج، تلك الحالة الخاصة التي يقرر الكاتب فيها أن يجعل أحد أبطاله غبيًّا، لا يفكر بطريقة سليمة، فيتصرف بحماقة، ولكن هذه الحالة الخاصة يجب أيضًا أن يكون لها دور وظيفي يخدم الحكاية والحبكة، ففي فيلم “الحرامي والعبيط” مثلاً، بطولة خالد صالح وخالد الصاوي، إنتاج 2013، للكاتب أحمد عبد الله والمخرج محمد مصطفى، كان لشخصية العبيط دور محوري أساسي يخدم الحبكة والقصة نفسها، فلو لم يكن عبيطًا، لما كان العمل قد خرج إلى النور أصلاً.

لكن ماذا لو تصرفت جميع شخصيات العمل بغباء؟ هل هذا ممكن؟ كل شيء جائز بما أن الكاتب هو الخالق، من حقه أن يجعل جميع أبطاله أغبياء، في عمل سيريالي فانتازي، يمكنه أن يحكي لنا قصة مدينة الأغبياء إن شاء، ولكن بشرط أن يكون الكاتب على وعي بما يفعله، وأن يخدم ذلك الفكرة نفسها، لكن ماذا لو كانت جميع شخصيات العمل تتصرف بغباء، رغم أنهم جميعًا من المفترض ألا يتصرفوا كذلك؟ أبطال عاديون، ليسوا خارقي الذكاء، وليسوا بأغبياء، هكذا رسمهم الكاتب، لكنهم لا ينفكون يتصرفون بغباء مستمر!

في فيلم الرعب والخيال العلمي الأمريكي A quiet place، إنتاج 2018، بطولة وإخراج جون كرازنسكي، احتلت العالم كائنات فضائية عمياء، لها آذان حساسة، تصطاد البشر عن طريق حاسة السمع، فأصبح الناس لا يصدرون أصواتًا، ويخاطب بعضهم بعضًا بالإشارات. لكن كان هناك شلال مائي صغير يصدر هديرًا عاليًا، يجعل بإمكان الأبطال أن يقعدوا بجواره، يتحدثون بأريحية، ويصرخون إن شاؤوا، لكنهم ما كانوا يفعلون سوى التنزه هناك، يتسامرون، ثم يعودون لمنزلهم يتربصون بالوحوش، وطوال الفيلم يتقافز في رأسي السؤال البدهي: “لماذا لا تعيشون بجوار النهر مدى الحياة أيها الأغبياء؟”

إنه غباء عامّ يتشارك فيه جميع الأبطال، ناهيك ببعض التصرفات الأخرى الغبية مثل: وضعت الابنة البطارية في لعبة أخيها فأصدرت صوتًا فاصطاده أحد الوحوش.. كانت الأم حاملاً، في آخر زمن قد يفكر فيه الإنسان في الحمل.. أحد العجائز قرر الموت انتحارًا عن طريق الصراخ كي يأتي أحد الوحوش ليأكله، ولكنه فعل ذلك بالقرب من العائلة الكريمة، دون أي مبرر.. وحتى الوحوش نفسها، لم تسلم من الغباء، ففي كل مرة تشتتها العائلة بأصوات الألعاب النارية، فتهرع الوحوش إلى مصدر الصوت، فلا تجد شيئًا.. ألا تتعلم هذه الوحوش الغبية من أخطائها أبدًا؟! وغير ذلك، العديد من التصرفات الغبية، التي تجعلنا نتساءل: لماذا يفعلون ذلك؟!

بالطبع تتلخص الإجابة في أنهم ليس لهم ذنب في غبائهم، فمن يحمل المسؤولية كاملة هو الكاتب نفسه.. الكاتب في هذه الحالة لم يضع نفسه مكان الأبطال، تلك العملية النفسية الذهنية المهمة التي يجب أن يمارسها الكاتب داخل عقله، قبل أن يكتب، يفكر: لو كنت مكان البطل، ومعي هذه المعطيات، ما التفكير الوجيه؟ ما الاحتمالات؟ أي احتمال سأختار ينسجم مع الشخصية التي رسمتها، ويسوق الحبكة في منطقة أكثر قوة وإثارة؟

على الكاتب أن يبحث عن المنطق في أثناء الكتابة، فإدارة الحبكة بحاجة إلى المنطق والتماسك، والإقناع، بحيث لا يدع الكاتب مجالاً للمتلقي كي يفكر في حلول أخرى بالنيابة عنه، فكلما كانت الحبكة محكمة، احتار في أمرها المتلقون، وعجزوا عن إيجاد مخرج غير ما ارتآه الكاتب في قصته من أحداث. إنها القصة في صورتها المثالية، إنها إدارة الحبكة.

 

 

أحمد الصادق

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى