فن التلاوة ينتظر القانون

هيثم أبوزيد

ربما لا يعرف كثير من المهتمين بفن تلاوة القرآن أن مصر حتى يومنا هذا لا تملك معهدًا أو أكاديمية لتخريج قراء القرآن الكريم، وما زال هذا الفن متروكًا للعشوائية التعليمية الأهلية، التي قد تصادف وتنتج قارئًا جيدًا، أو أن يأخذ التدهور مجراه كما يحدث غالبًا.

فأكثر الناس يظن أن معاهد القراءات تُخرج قراء القرآن أو تؤهلهم لممارسة هذا الفن بأسلوب احترافي، وهذا منافٍ تمامًا للحقيقة وللواقع، بل وللهدف من إنشاء هذه المعاهد.. أما سبب هذا اللبس، فهو الخلط الدائم بين “عالم القراءات” وبين “القارئ”، فمعاهد القراءات تهدف إلى تخريج متخصص في القراءات والتجويد، عبر مراحل ثلاث: الأولى إجازة حفص، والثانية عالية القراءات، والثالثة تخصص القراءات.

وفي هذه السنوات يُفترض بالطالب أن يكون قد حصّل القراءات العشْر الصغرى والكبرى، وعلمَي العدد والرسم.. ليتخرج صالحًا أن يكون مدرسًا للتجويد في المعاهد الأزهرية، أو للقراءات في معاهدها.

وعالِم القراءات الكبير يمكن أن يُؤلف في ميدانه، ويمكن أن يكون عضوًا في لجنة مراجعة المصاحف، بل يمكن أن يكون شيخًا للمقارئ.. لكنه في الغالب لا يكون قارئًا محترفًا للقرآن، لسبب بَدَهي واضح صارخ، وهو أن شرط القارئ بعد أن حفظ القرآن وجوَّده أن يكون صاحب صوت حسن وأداء نغمي سليم.. وأقول، ومع الأسف الشديد، إن هذه البدَهية الساطعة كالشمس تغيب عن كثير من المهتمين بهذا الفن العظيم.

ولقد كان الضباع والقاضي وعثمان والسمنودي، علماء قراءات.. لكنهم لم يكونوا قراءً من أصحاب الأصوات والتسجيلات.. كانوا يُجيزون القراء، أو يختبرونهم للإذاعة، لكن لم يتقدم أحد منهم ليكون قارئًا إذاعيًّا، لسبب وحيد هو أنه لم يكن يملك الصوت الذي يؤهله لأن يكون قارئًا أو “صيّيتًا” كما نقول بالعامية العبقرية المُعبّرة.

وكما لا نملك حتى الآن جهة أكاديمية تُخرج القراء، فإننا أيضًا لا نملك جهة علمية قانونية تمنح رخصة التلاوة، وتراقب أداء القارئ وتحاسبه.. فمشيخة المقارئ مثلاً لا سلطان لها على القراء نهائيًّا، ورغم الفخامة الظاهرة للعنوان “شيخ عموم المقارئ المصرية”، فإن القانون لا يمنحه أي سلطة على قراء المحافل والسرادقات.

فالمقارئ، حلقات أسبوعية لختم القرآن، يحضرها أعضاء نجحوا في اختبار بسيط للحفظ والتجويد، ولا يُشترط فيها حسن الصوت نهائيًّا.. ولها دفاتر حضور وانصراف، وأيضًا لها مكافأة مادية بسيطة جدًّا.. ولكل مَقرأة شيخ، ثم يتسع الأمر، لنصل إلى “شيخ عموم المقارئ”، الذي يصدر قرار تعيينه من وزير الأوقاف، فهو في نهاية الأمر موظف في الوزارة، والوزارة ليس لها أي سلطة قانونية على القرّاء، إلا قراء مساجدها.

أما نقابة القراء، فهي –بصرف النظر عن أشخاص مجلسها- لا تملك أي سلطة تجاه القراء، ومن الأصل، فإن القانون لا يفرض على مُمارس مهنة القراءة أن يكون عضوًا بالنقابة، لذلك نجد النقيب وأعضاء المجلس متحيّرين في اجتماعاتهم “النادرة” وقليلي الحيلة إلى حد العجز الكامل تجاه المُسيئين، والأمر برُمته يحتاج إلى مبادرة تشريعية، وهي من اختصاص البرلمان.

حين تجد أمامك صفحات ومواقع تصف أصحاب الأصوات الصدِئة بـ”العباقرة”، وأصحاب النشاز بـ”ملوك النغم”، و”أساتذة المقامات”، فلا تتعجب، فكل هذا يقف وراءه أناسٌ أهوَنُهم شأنًا من يتلقى المال ليكتب هذه العناوين، فالأمر أعمق من هذا وأخطر.

دون أي مبالغة، فإن ميدان التلاوة تحوّل إلى ساحة تديرها شبكات مصالح، لا يهم أصحابها إلا جمع المال، ولو على حساب هذا الفن الشريف، وإتلاف ذائقة الجمهور.. ومنذ عقود، كان بعض أصحاب الفِراشات يمارس دور “سمسار مشايخ”، فيرجّح فلانًا، ويقدم علانًا.

ومع التطور التوكنولوجي، وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، انتقل هذا الدور رويدًا إلى مصوري الحفلات، فمنذ سنوات عدة، صار المصور جزءًا أساسيًّا من ترتيبات السرادق، سواء أَسْتقدَمَه أصحاب الليلة، أم جاء بتكليف من القارئ نفسه، كما يحدث غالبًا.

ومع مرور الوقت، أصبح لهؤلاء المصورين سطوة ونفوذ وشبكة علاقات معقدة، مع قراء، وأصحاب فِراشات، وأصحاب الأنوار والكهارب، والصوتيات، بل ومع “القهوجية” الذين يقدمون المشروبات لرواد السرادق.

إن الحل يكمن في تشريعات تنشئ جهتين: جهة مؤهِّلة تقبل أصحاب الأصوات المميزة من الحفَظَة المجوّدين، وتمرّنهم على أساليب الأداء النغمي الصحيحة، وتقاليد المدرسة المصرية العريقة، واستيعاب الموروث الضخم من تسجيلات أكابر القراء، وفهم جماليات تلاواتهم، وتمنحهم ترخيصًا لممارسة التلاوة، فلا يستطيع أحد أن يزعم عن نفسه أنه قارئ إلا بهذا الترخيص، وجهة أخرى للمراقبة والمحاسبة، تراقب مدى التزام القارئ بما تعلمه في جهة التأهيل، ويكون من سلطتها سحب ترخيص التلاوة منه، وتلقي بلاغات الجمهور، ومتابعة ما يُنشر على شبكة الإنترنت، واعتبار مَن يقرأ في السرادقات والمحافل منتحِلا صفة القارئ ما لم يحُز هذا الترخيص.

ولا بد من أن يشمل التشريع مسؤولية أصحاب الفراشات وقاعات المناسبات عن تمكين أدعياء القراءة من دكة التلاوة، فلو علم صاحب الفِراشة أنه سيُحاسَب وأن ترخيصه سيُسحب لكان أول من يسأل عن ترخيص القارئ.

لا يمكن أن تُترك هذه المهنة دون قانون ينظمها، ومؤسسات ترعاها.. واستمرار هذا الوضع السائل يعني مزيدًا من تدهور هذا الفن، وكلنا نعلم أن تكوين فرقة موسيقية أو غنائية، يستلزم إجراءات وتصاريح، وإلا ما استطاع أعضاؤها عرض منتجهم على أي مسرح، حكوميًّا كان أم أهليًّا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram