سياسةمختارات

فوائد وتخوفات سوق العمل الجديدة.. “أبشر”.. لا كفيل بعد اليوم في السعودية

 

لم يكن مألوفًا في المملكة العربية السعودية، عند الدخول إلى متجر أو مركز تجاري، أو حتى خدمة عملاء لأي مؤسسة أو شركة، مصادفة موظف سعودي، بخلاف دول خليجية أخرى.. كانت العمالة الأجنبية هي السمة الأبرز لسوق العمل السعودية لنحو 70 عامًا.. مستشفيات مليئة بأطباء مصريين وشوام وممرضات آسيويات.. وسيارات الأجرة يقودها هنود أو بنجال، والشركات والمحال والمراكز التجارية يتنوع فيها شكل العمالة من دول إفريقية وآسيوية عدة… لكن الآن، تغير الوضع، وأصبحت الوجوه السعودية بزيها الرسمي في استقبال كل المواطنين من بوابات المطار حتى الشركات والمحال الصغيرة.

تغير شكل ومفهوم سوق العمل بالكامل في السعودية، من خلال عدة قرارات اتخذتها المملكة على مدار السنوات القليلة الماضية، والتي بدأت بـ”سعودة” الوظائف، ومرت بإحلال السعوديين محل الجنسيات الأخرى في قطاعات محددة، ووصلت الآن عند محطة إلغاء نظام الكفيل المتبع منذ عقود مضت.

تشير الأرقام الرسمية لعام 2020، الصادرة عن هيئة الإحصاء السعودية، إلى أن عدد الأجانب المشتغلين في المملكة بلغ 10.43 مليون عامل، يمثلون 76.5% من إجمالي الأيدي العاملة في البلاد.

نظام الكفيل

السعودة

في يونيو/ حزيران 2016 بدأت وزارة العمل السعودية خطتها لـ”سعودة” بعض المهن، في إطار سعيها للحد من نسب البطالة بين السعوديين، من خلال توطين العمل في قطاعات معينة للسعوديين فقط، عبر 3 مراحل، الأولى تضمنت العمل في محلات السيارات والدراجات النارية ومحلات الملابس الجاهزة وملابس الأطفال والمستلزمات الرجالية ومحلات الأثاث المنزلي والمكتبي الجاهز.. والثانية تضمنت العمل في محلات الأجهزة الكهربائية والإلكترونية ومحلات الساعات والنظارات.. أما المرحلة الثالثة فتضمنت العمل في محلات الأجهزة والمعدات الطبية ومحلات مواد الإعمار والبناء ومحلات قطع غيار السيارات ومحلات السجاد بكل أنواعه، لتنتهي السعودية في يناير/ كانون الثاني 2019 من تطبيق كل مراحل توطين العمل في 12 مهنة، وقصرها على السعوديين.

يشار إلى ارتفاع معدل البطالة بين السعوديين إلى 15.4% خلال الربع الثاني من عام 2020، وذلك بزيادة 3.1 نقطة مئوية عن نفس الفترة من العام السابق، ومقابل نسبة البطالة 12.9% عام 2017، كما ارتفع معدل البطالة الإجمالي للسعوديين وغير السعوديين إلى 9.0% بزيادة 3.4 نقطة مئوية عن الربع الثاني من 2019.

بحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية، تأثرت نتائج مسح القوى العاملة بقدر كبير من آثار جائحة كورونا (كوفيد-19) على الاقتصاد السعودي.

وبلغ عدد المشتغلين الأجانب في السعودية بنهاية 2019 نحو 10.22 مليون مشتغل، بينهم 8.79 مليون ذكور، و1.43 مليون إناث.

    إحصاءات سوق العمل في السعودية (الربع الثاني 2020)

    إلغاء نظام الكفيل

    من منطلق السعودة، أحرزت السعودية تقدمًا في تشخيص طبيعة وحجم سوق العمل لديها، في إطار “رؤية 2030” التي أطلقها ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، لتنويع مصادر دخل الاقتصاد السعودي، والتي تهدف أساسًا إلى تقليص البطالة بين السعوديين إلى 7%، ورفع نسبة العاملين منهم في مختلف القطاعات الاقتصادية بقدر يوازي نسبة الأجانب فيها على الأقل، ما يستوجب ضرورة خلق نحو 7 ملايين فرصة عمل للسعوديين بحلول نهاية العقد المقبل.

    وكان لا بد للسعودية من أن تنتهي من تنفيذ خطة السعودة، قبل الإعلان رسميًّا عن إلغاء نظام الكفيل، وهو القرار الذي تأخرت عنه كثيرًا مقارنة بدول خليجية مجاورة.

    وفي 4 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، أعلنت السعودية رسميًّا منح الوافدين حرية تغيير الوظائف والمغادرة دون إذن صاحب العمل، لتنهي نظام الكفيل الذي استمر نحو 72 عامًا، من خلال إطلاق مبادرة “تحسين العلاقة التعاقدية” التي أعلنتها، بهدف تخفيف القيود المفروضة على العمال المهاجرين العاملين في المملكة.

    محمد بن سلمان

    خطوة تخوَّف منها البعض، وأيدها آخرون.. المتخوفون يرون أنها تشكل تهديدًا وظيفيًّا لملايين الأجانب العاملين في السعودية والمعرضين لعدم تجديد عقودهم، في إطار حزمة فلترة قد تلجأ لها السعودية لضبط مشهد سوق العمل لديها.

    يرى محمد إبراهيم، وهو مهندس مدني مصري، يعمل في جدة منذ أكثر من 10 سنوات، أن “الجميع يلاحظ في الفترة تفنيش (إنهاء تعاقد) العديد من الموظفين والعاملين في السعودية، لإحلال موظفين سعوديين مكانهم، أو لتقليص حجم العمالة استجابة للضغوط التي فرضتها أزمة كورونا”.

    ويخشى إبراهيم كثيرًا أن يكون قرار إنهاء نظام الكفيل، وخضوع المؤسسات والشركات في مختلف القطاعات، لعقود تحررها وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية -نظيرة وزارة العمل المصرية- بمثابة غطاء قانوني لعمليات تسريح موسعة ستطال العديد من الجنسيات.

    ولأن الجالية المصرية واحدة من أكبر الجاليات التي تعيش في المملكة، بحسب إحصاء السكان الصادر من الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري (عدد المصريين المقيمين في السعودية أكثر من 2.9 مليون) فإن المهندس المدني يعبر عما يخشاه قطاع عريض من المصريين.

    تفاؤل كبير

    هذه الرؤية المتشائمة، يختلف كليًّا معها نائب رئيس الاتحاد العام للمصريين في السعودية، عادل حنفي، الذي يرى العديد من المزايا والفوائد التي ستعود على المشتغلين الأجانب في السعودية بمجرد بدء تطبيق هذا النظام الجديد بحلول مارس/ آذار 2021.

    عادل حنفي

    أهم المزايا التي ستعود على المشتغلين الأجانب في السعودية من جراء تنفيذ قرار إلغاء الكفيل، بحسب حنفي، أن العامل (يقصد به جميع العاملين والمشتغلين من عمال وموظفين) سيكون لديه عقد توثقه إلكترونيًّا الدولة السعودية، ومن خلاله يحق للعامل أن يترك عمله الحالي ويعمل في وظيفة أخرى في منشأة أخرى فور انتهاء مدة العقد، دون الحاجة للعودة إلى مصر وتحرير عقد عمل جديد على الكفيل الجديد.

    الميزة الثانية، التي تحدث عنها حنفي، أن “القرار الجديد وضع ضوابط لحماية الأجور، بحيث يكون للعامل راتب يحصل عليه من وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السعودية مباشرة، لا من الكفيل”، فضلاً عن “نهاية تجارة التأشيرات والفيزا الحرة”، وهي الميزة الثالثة التي تحدث عنها نائب رئيس الاتحاد العام للمصريين في السعودية.

    ميزة أخرى لهذا التحول في نظام التعاقد “أن غالبية المشاكل التي قد تنشأ بين العامل وصاحب العمل ستُحَل إلكترونيًّا وبإشراف وزارة الموارد البشرية مباشرة”، فضلاً عن حرية العامل في السفر والتنقل، بالذهاب والعودة من وإلى السعودية، أو مغادرة السعودية نهائيًّا، من خلال منصة إلكترونية اسمها “أبشر” ينهي من خلالها العامل كل متعلقاته.

    إلغاء نظام الكفيل في السعودية

    ويرى حنفي أيضًا أن نظام التشغيل الجديد سيسمح بسوق عمل منفتحة لزيادة العمالة المصرية المطلوبة في السوق السعودية، مع الحرص على عاملي الكفاءة والأفضلية.

    مردود اقتصادي آخر، ألمح إليه حنفي، هو أن السعودية على اعتبارها قائدة في مجموعة دول العشرين الاقتصادية، فإن هذا القرار سيسهم في تحسين علاقاتها الاقتصادية كثيرًا، ويعزز من دورها الريادي.

    ومجموعة العشرين هي المنتدى الرئيس للتعاون الاقتصادي الدولي، وتضم قادة من جميع القارات ويمثلون دولاً متقدمةً وناميةً، وتمثل الدول الأعضاء في مجموعة العشرين، مجتمعةً، نحو 80% من الناتج الاقتصادي العالمي، وثلثي سكان العالم، وثلاثة أرباع حجم التجارة العالمية، ويجتمع ممثلو دول المجموعة لمناقشة القضايا المالية والقضايا الاجتماعية والاقتصادية.​

    ترحيب منظمة العمل الدولية

    زاوية أخرى مرهونة بقرار إلغاء نظام الكفالة في السعودية، هي أن خطوة كتلك ستحسن صورتها أمام منظمة العمل الدولية.

    وبالفعل، أصدر المكتب الإقليمي لمنظمة العمل الدولية، بيانًا في السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، ثمّن فيه ما وصفه بـ”إصلاحات تخص العمال المهاجرين”، وقال: “رحب المكتب الإقليمي للدول العربية في منظمة العمل الدولية بإطلاق مبادرة تحسين العلاقة التعاقدية التي أعلنت عنها المملكة العربية السعودية بهدف تخفيف القيود المفروضة على العمال المهاجرين العاملين في المملكة”.

    واعتبرت المنظمة أن “هذه خطوة مهمة نحو ضمان العمل اللائق لجميع العاملين في المملكة، وستؤدي بلا شك، عند تنفيذها بالكامل، إلى تحسين أوضاع توظيف وظروف عمل العمال المهاجرين، بمن فيهم عاملات المنازل”، وأن “الترتيبات المؤسسية لتنفيذ المبادرة ورصدها وتقييمها هامة جدًّا لضمان نجاح المبادرة، وأكدت استعداد المنظمة لدعم هذه الجهود، بما في ذلك برنامج التعاون المستمر في ما بين المنظمة والمملكة، لضمان تماشي هذه الجهود مع معايير العمل الدولية”.

     

     

    ندى الخولي

    صحفية مصرية

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    زر الذهاب إلى الأعلى