زوايامختارات

فور باي فور يا جدع.. مشكلة التوقعات التقنية: أين السيارات ذاتية القيادة؟!

في مقطع شهير من فيلم الرهينة، وبعدما عاد مصطفى وعماد من التسوق، وهم في طريقهم إلى المنزل، تساءل مصطفى: “حلوة عربيتك يا عمدة؟”

ليجيبه عماد بكل فخر: “فور باي فور يا جدع”..

منذ بدايات العقد الماضي في عام 2010، بدأت الصحف تتوقع أن السيارات ذاتية القيادة على وشك “السيطرة على العالم”، أو أننا في الطريق إلى ذلك. أول طراز لسيارة ذاتية القيادة من جوجل، تويوتا بريوس، تحرك أكثر من 150 ألف ميل عام 2010، ومنذ ذلك الوقت، بدأت سلسلة من التوقعات السنوية بأن “عام السيارة ذاتية القيادة” سيكون هو عام 2013.. ثم عام 2014.. لحظة، يبدو أنه عام 2015.. حتى وصلنا إلى أن “أبل” تفكر في صنع سيارة ذاتية القيادة بنفسها عام 2024!

ومثلما أصابت الصدمة مصطفى عندما دخل إلى المنزل وتساءل بذهول: “عربيتك الـ فور باي فور فين يا عماد؟”، ليجيبه عماد: “يعني أضحك عليك وأقولك تو باي تو؟” وقعنا جميعا في فخ التوقعان المعلن عنها ثم يخيب أملنا في وجودها.

بالتأكيد، السيارات ذاتية القيادة ليست المثال الوحيد للتقنيات التي تم الإعلان عنها كثيرًا ومبكرًا جدًا، لقد سمعنا أيضًا عن الإمكانات الهائلة لتسليم البضائع باستخدام الطائرات دون طيار، كما تخطط أمازون، على مدى السنوات الخمس الماضية، بالرغم من إحراز تقدم قليل بالفعل في هذا المجال.

وكما نسمع عن كيف أن المنازل الذكية على وشك أن تحل محل المنازل التقليدية بالكامل، فإن منازلنا لا تزال بنفس الدرجة من الذكاء، وبين الحين والآخر، نسمع عن ابتكار جديد وواعد بتقنية تملك القدرة على توصيل أدمغتنا مباشرة بالإنترنت!

حسنًا، دعنا لا نحبس أنفاسنا انتظارًا لذلك، لأنك ربما تحبسها لوقت طويل!

السؤال الآن: لماذا يتضح أن كثيرا من التنبؤات والتوقعات التقنية الجريئة تكون مفرطةً في الطموح وغير واقعية؟ هل نحن بهذا السوء في التنبؤ بمسار التطور التقني، أم أن هناك شيئا آخر يدور في الكواليس هنا؟ كالعادة، الإجابة لن تكون مختصرة أو بسيطة، ويبدو أن هناك عوامل عدة تتقاطع لإنتاج هذا التأثير!

السيارات ذاتية القيادة

قوة التسويق والمنافسة!

في البداية، علينا النظر إلى قوة التسويق والمنافسة حاليًا.. ففي عالم التقنية، لا يكفي ابتكار تقنية جديدة رائعة، لكن يجب أن تكون الأول في ابتكارها أيضًا.. إذا كنت أول شركة تحقق النجاح في مجال جديد من التقنية، فستحقق فورًا ميزة دائمة على منافسيك.. مثلًا، إذا أتقنت جوجل تصميم روبوت منزلي متطور قبل أن تفعل “أبل” ذلك، فسيتم ربطها على الفور وإلى الأبد بهذا النوع من الروبوتات المنزلية التي يمكنها أن تضيف في النهاية ما يصل إلى مليارات الدولارات إلى حصتها السوقية.

وبسبب هذا الضغط التنافسي في السوق، تميل الشركات إلى المبالغة في التقدم الذي تحرزه في التقنية، مثلًا قد يشير متحدث باسم الشركة إلى أن سياراتهم ذاتية القيادة جاهزة تقريبًا للانطلاق، بينما قد تحتاج في الواقع إلى بضع سنوات أخرى من التطوير والعمل، لكن مجرد القول “نحن قريبون” يمنحك ميزةً وأفضليةً على منافسيك! ومثلما أصر عماد أن “عربيته فور باي فور”، وهو لم يملك حتى دراجة من الأساس!

لا يعني ذلك أن كل شركات التقنية تكذب بشأن تقدمها بالطبع، لكن من المؤكد أنهم جميعًا يضغطون للتقدم بأسرع ما يمكن، ويسعون جميعًا إلى أن يُنظر إليهم على أنهم الأوائل في مجالهم، وبالتالي قد يميلون إلى المبالغة في تقدير تقدمهم في الابتكار، حتى لو كان ذلك بدرجة بسيطة.

سيارات ذاتية القيادة

“أضحك عليك وأقولك تو باي تو؟”.. إثارة الصحافة الحديثة!

ثانيًا، نحتاج إلى التفكير في الإثارة التي تقدمها الصحافة الحديثة، فإذا بالغ ممثلو شركات التقنية في تقدير تقدمهم وتطورهم قليلًا، فإن الصحفيين لديهم القدرة على المبالغة في ذلك الادعاء بأضعاف ذلك.

تدور الصحافة في العصر الحديث حول من يجمع أكبر عدد من التفاعل والإعجابات والمشاركات على وسائل التواصل الاجتماعي، ولكي ينتشر خبر ما يجب أن تعطيه كثيرًا من الإثارة، لأن أخبار التقنية أو الشركات ستكون مملة في الغالب، ولهذا تحاول الصحف إضافة تلك البهارات.. هذه ليست مشكلة بالطبع، لكنها لا يجب أن تغطي على الحقائق وعلى التقدم الحقيقي الذي وصلت إليه التقنية لدى الشركات، فمثلًا قبل أن تخبر القارئ أن السيارات ذاتية القيادة ستنتشر خلال سنوات قليلة، عليك أن تشرح له ما التحديات التي تواجهها تلك التقنية؟، وكيف يمكن التغلب عليها؟، ومتى يمكننا أن نفعل ذلك؟

أعرف أن كل هذا يبدو مملًا، فالقارئ نفسه حاليًا يبحث عن الإثارة في كل مكان، وربما يريد أن يرى سيارات طائرة وليست ذاتية القيادة فحسب!

ببساطة يمكنك أن تخمن أنواع القصص التي تحصل على أكثر عدد من المشاركات؟ ربما تلك القصص المثيرة، أو التي تثير مشاعر قوية، أو ربما التي تُشعل المناقشات والحوارات الساخنة والصراعات على مواقع التواصل الاجتماعي، وبالتأكيد تلك المثيرة للجدل التي تقدم ادعاءات وتوقعات جريئة للغاية.. لكن من يحاول أن يشرح أو يحلل الوضع القائم بناءً على المنطق وبهدوء غالبًا لن يثير اهتمام القارئ لهذا الحد!

بالإضافة لأن خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي هي التي تتحكم في انتشار تلك المعلومات، ولأن المعلومات المثيرة تنتشر أسرع وأكثر، فغالبًا المعلومات الصحيحة والمنطقية لن تحظى بنفس القدر من الانتشار، حتى إن أراد القارئ معرفة الحقيقة، فربما سيجد صعوبة في الوصول إليها في وقتنا الحالي!

لهذا السبب، من المرجح جدًا أن تنشر المواقع الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي خبرًا يدّعي أن نوعًا ما من التقنية المستقبلية سيظهر إلى الوجود قريبًا جدًا، حتى لو كان ذلك بعيدًا عن الحقيقة، وهو يعرف ذلك، فلن توجد تداعيات حقيقية لنشر قصة تدّعي بأن “عام 2013 هو عام السيارة ذاتية القيادة“، لأنها سوف تُنسى سريعًا على أي حال، بل يمكنك كتابة قصة جديدة بأن “عام 2014 هو عام السيارة ذاتية القيادة” بعدها بعام واحد فحسب، ويمكنك أن تكرر هذا حتى تصل إلى العام الذي تملؤ فيه السيارات ذاتية القيادة الشوارع! لأننا في النهاية لن نسأل الصحف كما تساءل مصطفى: “فين عربيتك الـ فور باي فور يا عماد؟”، ولن تجيب الصحف كما أجاب عماد: “يعني أضحك عليك وأقولك تو باي تو؟”..

شخص يقود سيارة ذاتية القيادة

التحيز بأثر رجعي

أخيرًا، يجب أن نأخذ في الاعتبار “التحيز بأثر رجعي“، الذي يميل إلى التأثير على التطور التقني. عادةً، عندما تُقدم تقنية جديدة في بدايتها فإنها تكون عديمة الجدوى أو غير فعالة أو يتعذر الوصول إليها من قبل عامة الناس.. وبمرور الوقت، تتطور التقنية تدريجيًا، وتشق طريقها ببطء إلى حياتنا اليومية، وبعد سنوات قليلة تصبح متكاملة تمامًا مع استخدامنا اليومي، لكن عند تلك النقطة نتذكر بصورة خاطئة أننا استخدمنا تلك التقنية لسنوات، ونقول لأنفسنا أشياء مثل: “لقد كان ذلك الجهاز دائمًا هنا معي، أنا استخدمه منذ كنت صغيرًا”!

البحث الصوتي، على سبيل المثال، كان موجودًا منذ عام 2011، ولكن إصداراته المبكرة كان يصعب الاعتماد عليها ويصعب استخدامها، ولم يبدأ استخدامها عالميًا وبكثرة حتى عام 2016 تقريبًا، لكنك غالبًا إن سألت الناس حاليًا سيشعرون أن البحث الصوتي موجود ويستخدمونه منذ عقد من الزمان.

في وقتنا الحالي، تتطور تقنيات جديدة لتغيير قواعد اللعبة، وتُختبر السيارات ذاتية القيادة في الشوارع بالفعل، مثل مشروع Waymo الخاص بشركة جوجل، وتُصنّع طائرات التوصيل دون طيار.

ربما نحن على بعد خطوات قليلة من الاندماج الكامل لتلك التقنيات في حياتنا اليومية، وربما تظهر هذا العام بالتحديد، من يعرف؟ لكن في غضون بضع سنوات، سننظر إلى الوراء ونقول: “لقد كانت تلك السيارات والطائرات هنا منذ عام 2013، ألا تتذكر معي؟”

أراهن أنك لن تضطر إلى البحث بعيدًا لتعثر على مقال يزعم أن عام 2021 هو العام الذي تظهر فيه السيارات ذاتية القيادة في الشوارع، أو ستبدأ عمليات تسليم البضائع بالطائرات بدون طيار، وعلى قدر ما نعلم، ربما نكون على حق!

لكن بالنظر إلى الماضي، يبدو أن معظم تنبؤاتنا التقنية الجريئة ينتهي بها الأمر إلى أن تصبح خطأ بصورة محرجة، ولهذا يجب أن تضع ذلك في حسبانك عندما تقرؤ عن بعض التقنيات الجديدة المثيرة التي تملك القدرة على إنقاذ العالم في غضون بضعة أشهر فحسب، حتى لا ينتهي بك المطاف مصدومًا مثل مصطفى عندما عرف أن عماد كان يبالغ جدًا فيما يملكه!

محمد يوسف

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى