"خلاص مارادونا"

كرة القدم ودييجو.. قصة حب لاتينية

فيلم 2019 Diego Maradona
“دييجو مارادونا: المتمرّد والبطل والمحتال والرب”
زمن عرض الفيلم: ساعتان و4 دقائق
لغات الفيلم: الإسبانية والإيطالية والإنجليزية
إنتاج: On The Corner Film بالاشتراك مع Film 4.
توزيع: Altitude Film Distribution 
منصة:  HBO (بريطاني).
مونتاج: كريس كينج.
موسيقى: أنطونيو بينتو.
إخراج: آصف كاباديا.

عُرض عالميًّا للمرة الأولى في “مهرجان كان السينمائي”، خارج مسابقته الرسمية، في 19 مايو/ أيار 2019، ثم شهدت قاعات السينما البريطانية أول عرض تجاري له في 14 يونيو/ حزيران 2019، وبلغت إيرادات شباك تذاكر فيلم “مارادونا ” نحو 2.6 مليون دولار أمريكي.

مارادونا في طفولته
الثمانينات.. حُلم المهاجرين

“في إحدى رحلاتي المدرسية، كنت أتناول وجبة غدائي المكوّنة من دجاج تشاباتي الغارق في دهونه، مر بجانبي أحد زملائي، و ذاق قطعة دجاج ثم هتف: (هذا مقرف!)، وبعدها بيومين اقترب مني زميلي هامسًا: (آصف.. هل يُمكن أن تطلب من أمك صنع وجبة إضافية من هذا الدجاج اللذيذ؟
 أو أن تترك لي بعضًا منه في المرة المقبلة؟)”


كثيرًا ما انتابت
المخرج البريطاني “آصف  كاباديا” (1972 – ) مشاعر الحيرة والارتباك كابن للجيل الثاني من المهاجرين الهنود، والذين وطئت أقدامهم أراضي الجزيرة البريطانية عام 1966، قادمين من” جوجارات” المُطلّة على الساحل الغربي لشبه القارة الهندية، وهو العام نفسه الذي فازت فيه إنجلترا بكأس عالمها الوحيد. 

كان  كاباديا دائم الفضول والتساؤل عن معاني الانتماء والتعايش والاغتراب، وما إن أتم الثانية عشرة حتى زادت وتيرة تساؤلاته تلك، تزامنًا مع إدراجه في صفوف مدرسة Homerton House School في لندن، والتي ضمت قرابة الـ2000 فتى من مختلف أنحاء العالم، من الهند وباكستان وبنجلاديش، و7 جزر كاريبية مختلفة، كما ضمت فرنسيين وألمان وإيرلنديين. 

 يحكي “كاباديا” أنه ببلوغه السادسة عشرة، وبعد طول اختلاطه بزملائه، جاءته الإجابة عن تساؤلاته، ” أدركت أننا جميعًا غُرباء وأصحاب مكان في الوقت ذاته”.

على الجانب الآخر من الأطلنطي، كان اللاعب الأرجنتيني دييجو أرماندو  مارادونا (1960 – ) كما صوَّره كاباديا في فيلمه، يشق طريقه من ضواحي العاصمة الأرجنتينية بوينوس إيرس المُهمشة الفقيرة، ساعيًا وراء حلمه بالتحقق ماديًّا وكرويًّا وجماهيريًّا، وغادر فريقه الأرجنتيني بوكا جونيورز، متجهًا نحو أوروبا للالتحاق بصفوف نادي برشلونة الإسباني عام 1982 في صفقة ضخمة بلغت 7.6 مليون دولار. 

إرهاصات هذه المسيرة الحافلة حفزت غالب أبناء المهاجرين على التماهي معه والتشبث به، والتطلع إليه كأيقونة لاتينية شبه مُقدسة، كادت تضاهي شعبيتها  شعبية بابا روما ذاته.

مارادونا في برشلونة
الثمانينات.. حُلم المهاجرين

فيلم دييجو مارادونا 2019 هو المُتمم لثلاثية كاباديا  التسجيلية، عرّفها بعض النقاد بأفلام “الخيال الحقيقي” True fiction. تتجلى أهمية أفلام هذه الثلاثية في رصدها الدقيق لعملية تحول البشر لأيقونات شعبية، عبر توظيف الأرشيف الشخصي لأبطالها كأداة أوليّة للسرد.

فلم يقتصر تناول كاباديا السينمائي على رصد دور الأضواء والشُهرة والثروة في إحداث تلك التحولات، بل امتد تناوله ليشمل تسليط الضوء على أبرز منعطفاتها وكشف تناقضاتها وأعبائها النفسية والمعنوية المُصاحبة لوقوعها على نفوس أصحابها. بعبارة أخرى، هي أفلام معنية برصد محاولات تمرد الأفراد على الأبنية الاجتماعية وقيودها المفروضة عليهم.. شخصيات مركبة تميل إلى تدمير ذواتهاself destructive.

دشن كاباديا ثلاثيته بإخراجه فيلم “سينا” Senna عام 2010، الذي يتناول مسيرة آيرتون سينا دا سيلفا، سائق سباقات فورمولا وان البرازيلي، الذي تُوِّج بطلاً لعدة سباقات دولية وحاز على عدة كؤوس، نصَّبَته بطلاً لسباقات السرعة الدولية لأعوام 1988و1990 و1991.

سينا اشتبك في مواجهات عدة ضد مؤسسة فورمولا وان، مدافعًا عن حق تأمين الحد الأدنى من اشتراطات السلامة للمتسابقين، قبل أن يلقى حتفه في حادثة سباق سيارات مروِّعة في سان مارينو لعام 1994.

مشهد من فيلم سينا لآصف كاباديا

وفي عام 2015 انتهى كاباديا من إخراج  فيلم Amy عن حياة المطربة البريطانية إيمي واينهاوس الحائزة على جائزة “جرامي” الموسيقية، وفيه رصد كاباديا مسيرتها بواسطة توظيفه لأرشيف إيمي الشخصي المكوّن من لقطات فوتوغرافية وفيديوهات منزلية حميمية ولقاءات تليفزيونية، ومزجها مع شهادات شخصية ومقابلات صوتية مع أقاربها ومحبيها.

تناول كاباديا عبر الأرشيف أزمات إيمي الأسرية، واطلعنا على مسيرتها الفنية والإنسانية بدءًا من تجاربها الموسيقية الأولى وإدمانها للمخدرات وتعافيها وانتكاساتها، وقصص غرامها وانكساراتها، وانعكاسات ما سبق كله على أغانيها التي كانت تؤلفها وتلحنها وتغنيها، ومست بها قلوب عشاقها بصدق تجربتها وعنفوانها وشغفها، مرورًا بتألقها الفني وقدرتها المُذهلة على بعث “جانر” أغاني الجاز من جديد بطريقة عصرية مُلهمة، وصولاً إلى وفاتها المأساوية قبل أن يتجاوز عمرها 27 سنة، متأثرة بمضاعفات تناولها مجموعة من العقاقير المخدرة.

حقق AMY نجاحًا فنيًّا وتجاريًّا مدويًّا. وعلى المستوى النقدي، نال كاباديا عدة جوائز عالمية عن الفيلم، أهمها جائزة الأوسكار الأمريكية كأحسن فيلم تسجيلي لعام 2016 بالإضافة إلى نيله جائزة “البافتا” البريطانية لأحسن فيلم تسجيلي عن العام نفسه. أما على الصعيد التجاري، فقد حقق الفيلم إيرادات ضخمة أهلته لحمل لقب ثاني أعلى الأفلام التسجيلية ربحًا على الإطلاق في تاريخ  المملكة المتحدة وإيرلندا، بـإيرادات محلية بلغ قدرها 8.4  مليون دولار، وإجمالي إيرادات عالمي بلغ نحو 23 مليون دولار أمريكي.

المخرج آصف كاباديا
لكل حكاية حكاية

كواليس فيلم مارادونا المُثيرة تشبه حياته. أصل حكاية الفيلم يعود إلى Jorge Cyterszpiler وكيل مارادونا، الذي أبرم صفقات انتقال مارادونا، لإيصاله إلى بوكا جونيورز ثم إلى برشلونة ثم إلى نابولي.
لكن بعد نجاحه في ضمان عقود حملات إعلانية كبيرة لمارادونا للترويج  لكوكا كولا وأجفا وماكدونالدز، خطرت لـ Cyterszpiler عام 1981 فكرة صُنع فيلم طويل عن مارادونا، يساعد على تقديمه لأمريكا بوصفه نجمًا عالميًّا.

استأجر Cyterszpiler مصوِّرَيْن أرجنتينيَّيْن لمتابعة دييجو خلال سنواته المتعثرة في برشلونة، ثم تبعاه إلى نابولي، حيث سجّل الرجلان غالب تفاصيل مارادونا اليومية والشخصية، داخل وخارج أرض الملعب، وظَلّا ملاصِقَيْن له كظله، خلال مبارياته أو في غرف تبديل الملابس أو في المنزل وفي حفلاته. ولكن فجأة طرد مارادونا وكيله، ومعه طرد المصورين ولكنهما على ما يبدو احتفظا بالأرشيف المُصوَّر.

على هامش أولمبياد لندن صيف 2012، اكتشف “بول مارتن” -أحد منتجي أفلام كاباديا– تلك الشرائط، وبها مئات الساعات التسجيلية، مُسجلة على شرائط U – Matic، تؤرخ لمسيرة مارادونا في الفترة بين عامي 1981 و1987، ولم يسبق عرضها من قبل.

تَواصَل مارتن مع كاباديا لإنتاج وإخراج فيلم عن مارادونا مُستمَدّ من أرشيف تلك الشرائط، وبدأت رحلة البحث عن الأرشيف المفقود، ليكتشف المخرج وفريق معاونيه من المنتجين بقية الشرائط المفقودة على ضفتي الأطلنطي. نصفها  وجدوه في صندرة زوجة مارادونا السابقة كلوديا في بوينوس آيريس الأرجنتينية، والنصف الآخر وجدوه في شقة بإحدى الضواحي الواقعة على بعد ساعة من نابولي الإيطالية.

مارادونا بقميص نابولي

كواليس أولى مقابلات كاباديا مع مارادونا في دبي في  كانت مُثيرة بدورها. ذكر كاباديا أن مارادونا له طريقته الماكرة في مراوغة محاوريه، تُشبِه مراوغته خصومه على أرض الملعب. يسأله المخرج عن حكاية ابنه غير الشرعي أو تورطه مع عصابات المخدرات، فيجيبه عن نوادره مع سيب بلاتر رئيس الفيفا السابق، ليشتته عن السؤال الذي لا يريد الإجابة عنه.

وحين ألح عليه المخرج بتكرار أسئلته مقاطعًا إجاباته المراوغة، توقف مارادونا عن الإجابة، وألقى بنظرة غاضبة صوب كاباديا قائلاً:

 لديك قدر كبير من الوقاحة لتوجه إليّ مثل هذه الأسئلة!

سادت لحظة صمت ثقيلة في حر دبي ورطوبتها الخانقة.
وقبل أن تُكمل المترجمة الإسبانية الفورية -بتأخير 15 ثانية- ترجمتها، يضيف مارادونا:

ولكنني أحترمك لجراءتك هذه!
ليتنفس كاباديا بعدها الصُّـعَـداء. صار مارادونا وكاباديا مرتاحين نسبيًّا بعد تلك المواجهة. كاباديا استوعب مارادونا بعد أن فهم سيكولوجيته في مقابلاتهما اللاحقة؛ مارادونا لا يجيد التركيز في الحديث لأكثر من 90 دقيقة تمامًا كأنه في الملعب بحسب توصيف المخرج، مارادونا لا يحب الانتظار، دائم التملص من أي قيود، حتى إن إحدى المقابلات جرى تسجيلها وهو يشاهد مباريات فريقه المُفضل بوكا جونيورز.

ليستأنف كاباديا منذ تلك اللحظة عملية إنتاج وإخراج فيلم عن مارادونا، بدأت أولى لحظات تصوير الفيلم عام 1981، باستلهام ما تحويه تسجيلات شرائط U- Matic الخام.

سحر شرائط الـ U- matic
شرائط الـ U-matic

على صعيد تقني،  كان لأرشيف شرائط الـ U-matic دور كبير في صياغة أسلوب كاباديا الروائي التسجيلي. إنها شرائط فيديو كاسيت Analogue تناظرية، وقدمتها Sony اليابانية إلى السوق في سبتمبر/ أيلول 1971، عُرفت بشرائط (¾) بوصة فيما بعد، لتمييزها عن شرائط الريل Reel الـ1/4 بوصة و1/2  بوصة والـ2 بوصة.

ساهمت ظاهرة شرائط U-matic في تيسير عمليتي تسجيل ونشر الأخبار عبر شبكات الكابل التليفزيونية، ونجاح بعض تطبيقات البث (مثل جمع الأخبار الإلكترونية)، ولكن نظرًا إلى ارتفاع تكلفتها نسبيًّا، ومحدودية زمن تسجيلها، تراجعت مبيعاتها.

كاباديا ومارادونا والأرشيف البصري

حملت ثمانينات القرن الـ20 إرهاصات تَشكُّل تاريخ بصري وشفوي بمتناول غالب من يملكون أجهزة تسجيل، لصياغته وسرده كيفما شاؤوا.. إنه عصر شرائط الـ Umatic والـVHS.

وانتشرت كاميرات الفيديو وأنظمة تشغيلها وتسجيلها الأرخص نسبيًّا، وسهلت بالتالي عملية تسجيل الفيديوهات العائلية المنزلية والذكريات الحميمية، وعظمَّت من قدرة شرائح مجتمعية أوسع على تسجيل وعرض لحظاتهم الحميمية ومشاعرهم ووجهة نظرهم في أحداث حياتهم، دون الحاجة إلى مؤسسة تسجيل وبث رسمية مثل التليفزيون والسينما والإذاعة والصحافة، وغيرها من وسائل الاتصال الجماهيري التي تَضاعف تأثيرها بعد الحرب العالمية الثانية.
بعبارة أخرى، نازعت  ثقافة “شرائط الفيديو” احتكار وسائل الإعلام الرسمية لتسجيل الأرشيفات، وبالتالي خلخلت احتكارها صياغة السرديات الرسمية والاجتماعية وعرضها.

 كاباديا ومارادونا هما ابنا ذلك الزمن، زمن تعاظمت فيه أهمية شرائط الفيديو، وتراكمت وترسخت من خلالها سطوة الأرشيف البصري وسلطته، وتمكنت من خلق سرديات اجتماعية موازية لسرديات السلطة أو المؤسسة الرسمية. 

يأخذ كاباديا المعتاد مما سبق ويعيد تدويره، أو بعبارته هو واصفًا أسلوبه التسجيلي: “آخذ هذا الشيء الذي عرفناه عن شخص ما إلى الأبد، وأجعل الناس ينظرون إليه بطريقة تفاجئهم”. 

لدى كاباديا إستراتيجية فعالة في إعادة تدويره الأرشيف البصري غير الرسمي، أرشيف تحتيّ تصنعه الجماهير -إن جاز التوصيف- في مقابل أرشيف فوقيّ تصنعه وتعرضه أجهزة دعاية السلطة بانتقائية فائقة. هذا الأرشيف التحتي هو أداة كاباديا الرئيسة في صياغة سرديته، عبر توظيفه لشرائط الـU Matic، سحر تلك الشرائط يحمل تقاطعات ذاتية وعائلية ساهمت في تحويل أبطال أفلامه إلى أساطير الثقافة الشعبية الحديثة، ومن أهم أيقوناتها أسطورة مارادونا التي يقدمها لنا فيلم كاباديا عنه.

مشهد من فيلم دييجو مارادونا: المتمرّد والبطل والمحتال والرب
المونتاج ربّ الفيلم التسجيلي

استغرق كاباديا 3 سنوات لصنع فيلم مارادونا، أول سنتين كانتا بمثابة وقت مستقطع لكتابة سيناريو الفيلم، عبر جمع الأرشيف وانتقاء ما يصلح منه لسرد حكاية مارادونا، أما في السنة الثالثة فكانت مرحلة تصوير وإخراج الفيلم الذي يحتوي على 80 مقابلة ما بين الأرجنتين والمملكة المتحدة وإيطاليا. ويتداخل من 15 إلى 17 صوتًا داخل الفيلم. 

يرصد فيلم مارادونا فترة انضمامه إلى صفوف نابولي الإيطالي عام 1984، محرزًا له العديد من الألقاب والبطولات، لعل أهمها تتويجه بطلاً للدوري الإيطالي، وحصده لقب كأس إيطاليا، عامي 88-1989، وتأهله مع منتخبه الأرجنتيني لنهائيات كأس العالم المثيرة للغاية بالمكسيك عام 1986، وإحرازهم لقب البطولة عن العام نفسه، بالتزامن مع تداعيات تورط مارادونا في علاقات غرامية أسفرت عن ابن غير شرعي رفض الاعتراف به، وتورطه  في علاقات مريبة مع عصابات إيطالية المعروفة باسم كومورا، تلك العلاقات التي جلبت له ثروة مصحوبة باللعنات، مع رصد ما لاقاه مارادونا من بذاءات التعصب والعنصرية على أرض ملاعب الكرة وخارجها، وسطوة الإعلام وحصاره له، وتلاعبه به مرة، وتلاعب مارادونا بالإعلام مرات، وأزمات الهوية الوطنية والشهرة المذهلة، وأخيرًا حكايات إدمانه للمخدرات وتعافيه وانتكاساته.

صاغ  كاباديا بمعاونة المونتير الإنجليزي المخضرم كريس كينج  فيلم مارادونا، وفيه تجلت قدرتهما على خلق فيلم مشوق من خلال انتقائهما اللقطات والمشاهد الدالة من أصل 500 ساعة تسجيل أرشيفية. وتتعاظم أهمية المونتير في الأفلام التسجيلية بقدر قد يضاهي دور المخرج نفسه، لغياب عنصر الممثلين عنها، لتقع مهمة خلق الدراما في الفيلم التسجيلي على عاتق المخرج والمونتير معًا كتفًا بكتف. 

علّق كينج  بأن ما أكسب الفيلم طابعًا شجيًّا، هو مفارقة سماع صوت مارادونا الشائخ والمُنهك في 2017 وقد اقترب من سن الستين بصورة مضادة لأرشيف مارادونا في ثمانينات القرن الـ20 المُفعم بالحيوية والانطلاق وهو في عشريناته.

صوت دييجو مارادونا في الفصل الأول من الفيلم هو الرابط  السردي الأساسي، وهو يتحدث عن أزمته مع برشلونة التي انتهت بالإصابة والإفلاس، ثم انتقاله إلى نابولي إيطاليا، وما لاقاه هناك من استقبال جماهيري وإعلامي حافل وهادر.

جدارية جرافيتي لمارادونا في نابولي

تجلت براعة المونتير كريس كينج في  قدرته على استحضار سياق الأحداث بتركيب وتوليف اللقطات والمشاهد وشريط الصوت والصورة ومؤثراتهما، وخلق دلالة ومعاني الفيلم على الشاشة، من خلال تأطيره لسياقها الدرامي الناظم لسردها، ومن ثَم خلقه لحالة سردية حيوية عبر تأطير السياق وهو ما يمنح اللقطات الأرشيفية معناها وتراتبيتها، وفقًا للسياق التاريخي والدرامي.

نلحظ في مشاهد الانتقال إلى نابولي، واضطرار مارادونا إلى التكيف مع طريقة اللعب الخشن على الملاعب الإيطالية، براعة الانتقالات الإيقاعية بين مقاطع وفصول الفيلم Temporal Shifts

التي تظهر مراوغة مارادونا لخصومه في الملاعب والحياة، وجنون الجماهير التي تعشقه بكل قوة، وليست لديها أدنى مشكلة في تحطيمه بكل قوة أيضًا.

وتتجلى براعة الفيلم السردية في شريط الصوت بمزج موسيقى الثمانينات الإلكترونية مع موسيقى موتسارت التطهرية، وتسليط الضوء على مواضع الظل والنور في شخصية مارادونا ومسيرته.. الفيلم مُتَشَظٍّ ومتماسك كقطع الموزاييك.

براعة آصف كاباديا السينمائية تكمن في قدرته على سرد أفلامه التسجيلية بأسلوب روائي غير تقليدي،
فنلاحظ في فيلم مارادونا تحديدًا كيف تخفت الروح التقريرية المباشرة Reportage المتأثرة بروح أفلام وبرامج شبكات الأخبار، وتظهر أكثر روح السردية السينمائية.

لا يعتمد كاباديا على المقابلات التلفزيونية المباشرة “الإنترفيوهات” Talking Heads كهيكل بنيوي لأفلامه، واستعاض عن ذلك بتوظيفه الأرشيف وتكثيفه، مُتغلبًا في الوقت نفسه على الطابع البصري للأرشيف الرسمي الأقرب لنشرات الأخبار، كما يلعب شريط الصوت دورًا كبيرًا في سرد أفلامه.

كما تتداخل أصوات مقابلات أقارب مارادونا وصحفيين رياضيين وزوجته السابقة، دون أن نراهم في الفيلم، كأنها عناصر أصوات سردية روائية تساعدنا على فهم تحولات حياة مارادونا الحادة، بصورة أقرب ما تكون لتقنيات الرواية البوليفونية (متعددة الأصوات والرواة) التي لا تعتمد مفهوم الراوي العليم.

أفلام كاباديا التسجيلية أقرب للقصيدة الشعرية وروح السيرة الذاتية أو ما أصُطلح على تسميته بالـ Autofiction وهي السير الذاتية ذات الصبغة الروائية، وفيها يهتم بإظهار لحظات الشغف والتعاطف الكبيرة مع شخصياته المتوهجة، توهج مارادونا، بوسامته وخفته وصعوده وتتويجه ثم انكساره في نابولي، ولماذا أحبه الناس وعشقوه ثم انقلبوا عليه ونفروا منه!

ما سبق يخلق لنا كمتفرجين نوعًا من التماهي والتوحد مع شخصيات أفلامه، تمامًا مثلما يتماهى الجمهور مع أبطاله الخارقين في أفلام الحركة والخيال العلمي والجريمة والعصابات، الروائية الطويلة. الفارق هنا أن الجمهور يتفاعل مع شخصيات حقيقية واقعية لا خيالية، يرى الجمهور مارادونا وهو يخوض صراعاته التي حدثت بالفعل، فيشعر أنها صراعاته هو، لحظات انتصاره وانكساره تتجاور وتتقاطع عبر أحداث الفيلم، وعبر مونتاج الأرشيف تتكشف تحولات الشخصية شيئًا فشيئًا عبر ثنايا الفيلم مع تطور الشخصية وتطور فهمنا له.

الفيلم مرآة  المتفرج الذي يتماهى معه عبر عملية المشاهدة؛ يعكس مشاعر وذاكرة  المتفرج التي يُسقطها عليه، انكسارات مارادونا تصبح انكساراته، ولحظات سطوعه تُصبح انتصاراته ومصدر بهجته.

أحد مشاهد فيلم دييجو مارادونا: المتمرّد والبطل والمحتال والرب
شريط الصورة وشريط الصوت

كاباديا مخرج ذكي قادر على توظيف أدواته السردية كافةً، من مؤثرات صوتية وتتابع لاهث ومؤثرات بصرية خافتة شبه موحدة، كصوت الفلاش المتزامن مع توهج الفلاش القديم مع شرائط الـVHS على الشاشة، والأرشيف كراوٍ، ينتقيه ويوظفه ويولفه لخلق المعنى عند المتلقي ليتلقاه كما يشاء. 

يحرص كاباديا بمعاونة مونتيره كينج على المحافظة على الجودة المنخفضة للفيديوهات التي تمنح المشاهد إحالات لزمن المشاهدة (الثمانينات)، وهي شفرات لونية وفورمات. فنرى مثلاً هزة الكاميرا الإخبارية التي تمنح إحساسًا بالتوتر والتخبط، وحيرة مارادونا في إنترفيوهات الأسود والأبيض، الأرجنتين زمن السبعينات، ثم انتقال مارادونا إلى برشلونة وسهراته الجامحة في نابولي أواسط الثمانينات، حيث نرى مارادونا مرتديًا معطف فرو دلالة ترقيه الاجتماعي والطبقي، ثم نراه في لقطات تصور حياة الصخب والإصابات والاشتباكات الجسدية العنيفة في الملاعب على مدار الفيلم. 

مارادونا بالفرو

الفيلم لوحة تتكون من مقاطع أرشيفية.. مقتطفات كاميرا الفيديو، الأخبار التلفزيونية، فيديوهات لسهرات عائلية أو رحلات.

نرى لقطة باستخدام مؤثرات التصوير البطيء slow motion لبيان تأثر وجه الأم وهي تقبّل مارادونا قُبلة امتنان على خده، بعد أن اشترى لها وللعائلة شقة لا تبعد عن الإستاد، عقب انضمامه إلى بوكا جونيورز.

في مشهد آخر نسمع تعليق مدرب مارادونا الشخصي فيرناندو سيرنوريني؛ التعليق الذي يفرق فيه ما بين دييجو كطفل عظيم لديه مخاوف، وبين شخصية مارادونا التي تواجه الجمهور وبيزنس كرة القدم و الإعلام والميديا وألاعيبها.

ونسمع إجابة مارادونا:  لولا شخصية مارادونا لظللت في فيلا فيروريتو، وهو ما يأتي بالتزامن مع عرض صور أرشيفية بالأبيض والأسود تُظهِر عَيْش الناس هناك في أكواخ فقيرة وبائسة.

يضيف مارادونا : “لا طرق مُعبَّدة، لا صرف صحيًّا، لا بنية تحتية، أهل تلك الأحياء كانوا يضطرون إلى شرب مياه المصارف والمجاري، كرة القدم كانت لعبتي المفضلة، لعبة كرة القدم كانت خلاصي”.

عبَّر كاباديا بكولاج سينمائي أشبه بالموزاييك مُتَشَظٍّ ومتماسك في آن، بإتقان وحرفية سينمائية عالية، عن مسار مارادونا والعالم المحيط به، بأسلوب أشبه بالنص المفتوح القابل للتأويل بشفافية وسلاسة، يمهد للمتلقي تأمل مراحل تكوين أسطورة حية في ملاعب الكرة والحياة.

احتفاء أسطوري من جماهير نابولي بمارادونا
5 يوليو 1984 نابولي

يستهل كاباديا فيلمه بسؤال طرحه أحد  الصحفيين عن علاقة أموال عصابات الكومورا الإيطالية في جلب مارادونا إلى نابولي، من المؤتمر الذي عقد في ستاد ساوباولو بنابولي احتفالاً بانضمام مارادونا إلى صفوف نابولي. يقاطع رئيس النادي كورادو فيرليانوا الصحفي ويطرده بأداء مسرحي يتسم بالغوغائية والشعبوية.

يُلقي كاباديا بذكاء أول تلميحاته عن تورط مارادونا في تجارة عصابات الجريمة المنظمة وتهريب المخدرات، المعروفة باسم كومورا في نابولي. طرح السؤال كانت له وجاهته، فقد كانت إيطاليا آنذاك تعاني أزمة اقتصادية وتُعتبَر من أفقر دول أوروبا، ونابولي كانت إحدى أفقر مدن إيطاليا وربما أوروبا، وتتجلى هنا المفارقة؛ أفقر نادٍ في أفقر مدينة في أفقر بلد أوروبي، يتعاقد مع أغلى لاعب كرة قدم آنذاك!

مشجع من نابولي يُشبّه مارادونا بالإله

نرى عبر الفيلم مشاهد عديدة تصور البذاءات العنصرية التي لاقاها أهل نابولي على مدار بطولة إيطاليا؛ لافتات موجهة ضد نابولي مدوَّنة عليها عبارات “يا معفنين” (schifo)، “يا جربانين” (brutto) أو “استحموا” (lavetavi)؛ كما اتهمتهم لافتات مشجعي فيرونا بأنهم “بؤرة  كوليرا.. وعار على إيطاليا” (Ciao.coleros).

ثم نسمع تعليق مارادونا الذي لا يخلو من عنصرية:  “كانوا يعتبرون أهل نابولي أفارقة أو زنوج إيطاليا”، ويستطرد مارادونا أنهم كلما توجهوا شمالاً واجهوا سيلاً من البذاءات والعدوانية والهتافات العنصرية.

الفيلم كاشف لاستعلاء وتعصب شمال إيطاليا ضد جنوبها، واستعلاء شمال أوروبا على دول حوض المتوسط الجنوبية، واستعلاء الشمال على الجنوب عامة، لنرى لافتة عليها جملة apartheid أي الفصل العنصري ملحقة بتأثيرات شريط الصوت بصوت إغلاق الـShutter غالق عدسة الكاميرا، لدلالة التقاط الصورة وتوثيقها في مخيلة مارادونا.

تأهل المنتخب فريق كرة القدم الأرجنتيني لنهائيات كأس العالم بالمكسيك عام 1986، وفي نفس الوقت ترددت أنباء عن إنجابه ابنًا غير شرعي.

مارادونا يحرز هدفًا بيده في مرمى إنجلترا

 مارادونا معلقًا على ملابسات مباراة الأرجنتين وإنجلترا الشهيرة والتي أهلتهم لنهائي كأس العالم:
حكم الخونتا العسكرية [المجلس العسكري] في الأرجنتين كان متخبطًا، لم نكن نعرف بالضبط ما الذي كانوا يسعون له بالضبط من وراء تلك الحرب، حرب الفوكلاند عام 1982 والتي انتهت بهزيمة الأرجنتين. أخبرونا أنهم كانوا يحرزون النصر في الحرب، ولكن في الواقع كان النصر حليف إنجلترا، كان الأمر كأن الإنجليز هزمونا 20مقابل صفر. الهزيمة كانت ثقيلة ومُذلة. تلك كانت الأجواء المحيطة بالمباراة، كأننا على وشك مجابهة حرب جديدة، كان لعب الإنجليز خشنًا، نعم أحرزت الهدف بيدي، لم يكن الأمر مقصودًا أو مخططًا، حكم الراية لم يلمحني، وحين لمح الهدف أعلن إحرازي للهدف، كان شعورًا جميلاً بالانتقام رمزيًّا من الإنجليز”.

ما سبق من كلمات هو خلاصة مارادونا، مارادونا بكامل بهائه يحوي القليل من الغش والكثير الكثير من العبقرية، هذه الخلاصة هي التي جلبت له محبة الكثيرين وسخط وكره الكثيرين أيضًا.

مشهد لجماهير نابولي المتحمسة لمارادونا في الفيلم
على الذرى فوق الجميع.. وحيدًا

بعد الفوز بكأس العالم 1986 واستقبال الأرجنتين الحافل لمخلِّصها. تخلى مارادونا عن حبيبته السابقة ورفض الاعتراف بابنه. يكشف الفيلم أن التعصب هو ابن الفقر الشرعي غير المعترف به. الفيلم يكشف لنا إيطاليا كواحدة من أفقر بلدان أوروبا، ولذا فهي من أكثر بلدانها تعصبًا، ويفسر لنا سر تصاعد حمى الألتراس والتطرف بها.

نرى مارادونا وقد غذّاه شعور الغضب والاستقطاب، ودفعه لتقديم أفضل ما عنده، خصوصًا في مرحلة قيادة مارادونا لفريقه نابولي للفوز بكأس إيطاليا في ستاد ساوباولو.

ونرى سر تعصب جماهير نابولي الفقراء وقد حرموا من كل شيء إلا التعصب. بعبارة أخرى، حينما يفقد الإنسان أسباب وجوده الأساسية، فإنه يلجأ إلى التعصب كملاذ يعصمه من الحيرة والتفكير في حاله.

التعصب قد يجلب سعادة الإحساس بالكبرياء الذي يفتقده، الأُنس الذي يفتقده في عمق اغترابه؛ يقول مارادونا: اضطر المشككون إلى الاعتراف بأنني الأفضل. صرت وحيدًا على القمة فوق الجميع. صرت الآن على القمة فوق الجميع.. وحيدًا”، وبعد انتصاره نرى هستيريا نابولي بعد فوزها بكأس إيطاليا، ثم نرى احتفالات نابولي الفقيرة اكتست باللون الأزرق، واستعاد أهل نابولي كبريائهم بعد طول مَذَلة بفضل دييجو؛ حصدوا الدوري والكأس على التوالي، بالتوازي مع  صخب الشهرة وضغوطها النفسية التي أحاطت به من كل جانب.

مارادونا
نهاية نحو صخب جديد

ساهم مارادونا  في الإطاحة بمنتخب إيطاليا على أرضه من الدور قبل النهائي من كأس العالم 1990، فانقلبت إيطاليا ضده، ووفقًا لاستفتاء أجرته جريدة لارابوبليكلا La rapublica صُنِّف كأكثر شخص مكروه في إيطاليا بعد هزيمة إيطاليا لصالح الأرجنتين التي هزمتها ألمانيا الغربية لاحقًا. لقد رفعت عصابات الكومورا حمايتها عن مارادونا.

الآن لم يعد مارادونا محميًّا لا من الإعلام ولا من الملاحقات الضريبية أو القضائية. قُبض على مارادونا لتعاطيه الكوكايين، وعوقب بالحبس سنة وشهرين، وغرامة 5 ملايين ليرة إيطالية، وفور خروجه من السجن غادر نابولي وإيطاليا كلها.

يعلق مارادونا على ذلك بصوت يحمل مزيجًا من الأسى والحسرة: “كان الأمر قاسيًا حينما أتيت لنابولي أول مرة وقف 85 ألف مشجع لاستقبالي، وحين غادرت، غادرت وحيدًا ولم أجد أحدًا ليودعني. ودعت نابولي بهدوء دون صخب”. 

قوة لقطة الأرشيف لا تكمن في كينونتها، بل تنبع من موقعها من السياق الدرامي، من علاقة اللقطة باللقطة السابقة عليها واللاحقة لها، السياق الدراما ووجهة النظر وانتقاء اللحظة اللقطة ومدتها هو ما يوحي لنا بخفة أو ثقل اللحظة تمامًا، كما حدث في مشهد وجوم مارادونا في حفلة الكريسماس، وكتم الصوت عنه لمنح المتفرج نفس إحساس الثقل والوجوم والأسى المرتسم على وجه مارادونا.

تتجلى براعة المونتاج والإخراج لاحقًا في مشهد بليغ، يقعد فيه مارادونا ساهمًا، تبدو عليه التعاسة في حفلة الكريسماس لنادي نابولي. يترك المخرج اللقطة الطويلة التي تجسد تعاسة مارادونا، ثم تخبو الموسيقى والمؤثرات الصوتية  والضوضاء وصخب الحفل، ويسود الصمت القاسي، ما يرسخ لدينا كمتفرجين إحساس غربة مارادونا واغترابه عما يحيط به. والبراعة السينمائية هنا تكمن في القدرة على توظيف الصمت لجذب الانتباه، وخلق إيقاع متوتر تعبيرًا عن الحالة.

ختم كاباديا فيلمه باحتضان مارادونا لابنه بعد اعترافه به بعد 30 سنة، أمام عدسات المصورين المتراصين أمام عتبة بيته في الأرجنتين. وصوت أخت مارادونا معلقةً: 

Maradona in Naples is the story of his life

إلى روح الكاتبة والصحفية والمترجمة الغالية "دينا جميل" نُهدي هذا المقال.
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

إسلام ميلّبا

مخرج سينمائي وكاتب مصري

يوسف الحريري

صحفي وكاتب مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram