فيروس كورونا.. محنة الإيمان وسؤال التجديد

رامي شفيق

كاتب مصري

تمثل المؤسسات الدينية أحد القطاعات المهمة والحيوية التي واجهت -وما زالت- تداعيات فيروس كورونا المستجد؛ إذ جرى على نحو غير معتاد تعليق أداء كافة الطقوس الدينية في دور العبادة الإسلامية والقبطية، ما ترتب عليه شعور بالتململ والضجر إزاء الحالة الجديدة والمباغتة، حيث تنوعت المواقف بين قطاعات عدة من المواطنين الذين حاولوا بناء تصورات عديدة، في مواجهة العدو غير المرئي، وملء الفراغ الذي امتد في المجال العام، وقد كانت التصورات الإيمانية أحد المرتكزات الأساسية، لإيجاد تعزية فيما يتصل بالفيروس التاجي، وآثاره المتباينة.

وفي خضم تلك الأحداث، ومن قبلها، كانت المؤسسة القبطية الأرثوذكسية تقف أمام تحديات جمة، وعلى رأسها البابا “تواضروس الثاني”، الذي يعمد إلى تجديد الخطاب الكنسي والديني، بينما يؤدي أدوارًا مهمة في هذا السياق، حتى يبتعد عن المواقف والمقولات التي تبدو جامدة، بيد أن مسار الهجوم طال البابا عبر بعض الحسابات المنتشرة في منصات التواصل الاجتماعي، وذلك على خلفية تصريحاته ورؤاه المتعلقة بالطقوس الدينية، وكيفية أدائها وممارساتها في ظل تفشي الفيروس، وقد حاول أن يُحافظ على الطقس الديني وروحانيته، من ناحية، وسلامة الأشخاص الصحية والجسدية، من ناحية أخرى، لكن ثمة مَن اعتقد أن ذلك يتنافى مع مضمون وقداسة الطقس الذي لا يمكن أن يكون مجالًا لنقل العدوى.

في نهاية شهر يونيو الماضي، ترأس البابا “تواضروس الثاني”، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، اللجنة الدائمة للمجمع المقدس، لمناقشة عودة الصلوات الطقسية والخدمات التعليمية في ظل فيروس كورونا، وقد قرر المجمع المقدس استمرار غلق الكنائس في القاهرة والاسكندرية نظرًا لارتفاع حالات الإصابة بالعاصمة، وكذا إيبارشية البطريرك. ولتأسيس قاعدة القرارات اللا مركزية، أطلقت الكنيسة حرية اتخاذ قرار فتح دور العبادة لأساقفة الإيبارشيات، بحسب ظروف كل إيبارشية على اعتبار أن ثمة تباينًا في عدد الإصابات بين المحافظات المصرية مع ضرورة الالتزام بالإجراءات الاحترازية.

بيد أن تصريحات البطريرك خلال حوار صحفي قد أثارت من جانب البعض جدلًا لسوء فهمها وتوظيفها غير السليم، حيث أشار: “لم‏ ‏نفكر‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏ولم‏ ‏نناقشه‏ (يقصد طقس التناول) ‏في‏ ‏اجتماعات‏ ‏اللجنة‏ ‏الدائمة‏ ‏للمجمع‏ ‏المقدس‏، ‏ولكنه‏ ‏أمر‏ ‏وارد‏، ‏وإن كان‏ ‏التناول‏ ‏”بالماستير”‏ ‏لم‏ ‏يتسبب‏ ‏في‏ ‏أي‏ ‏إصابة‏ ‏بمرض‏ ‏على امتداد‏ ‏تاريخ‏ ‏الكنيسة‏، ونحن‏ ‏في‏ ‏الظروف‏ ‏المرضية‏ ‏يناول‏ ‏الكاهن‏ ‏المريض‏ ‏بدون‏ ‏استخدام‏ ‏الماستير‏، ‏وفي‏ ‏ظل‏ ‏الظروف‏ ‏المرضية‏ ‏التي‏ ‏نعيشها‏ ‏هذه‏ ‏الأيام‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يطرح‏ ‏هذا‏ ‏للمناقشة‏، ‏فمسيحيتنا‏ ‏ليست‏ ‏جامدة‏، ‏وطقوسنا‏ ‏لا‏ ‏تستمد‏ ‏من‏ ‏أفكار ‏بل‏ ‏مما‏ ‏تسلمناه‏ ‏من‏ ‏الآباء‏، ‏ومن‏ ‏إرشاد‏ ‏الروح‏ ‏القدس‏ ‏العامل‏ ‏فينا‏، ‏وليس‏ ‏ثمة‏ ‏ما‏ ‏يمنع‏ ‏من‏ ‏استخدام‏ ‏نتاجات‏ ‏العقل‏ ‏والتطور‏ ‏والتقدم‏ ‏في‏ ‏تسيير‏ ‏أمور‏ ‏كنيستنا‏ ‏دون‏ ‏المساس‏ ‏بعقائدنا‏ ‏وأساس‏ ‏إيماننا‏ ‏المستقيم‏”.

تسببت تلك التصريحات الأخيرة في ظهور بعض الأصوات التقليدية التي سعت للضغط باتجاه معاكس ومقاوم لهذا الرأي الذي قدمه البابا، بينما هو يحاول أن يصنع حلولًا عملية في ظل الأزمة الصعبة، والحيلولة دون أن تمس الطقوس الإيمانية، خاصة وأن رؤى البابا إنما تسعى دومًا نحو تأويل النصوص لصالح الإنسان بما يتناسب وسيرورة الواقع والتاريخ حتى يقطع فتيل التعصب والجمود.

لكن، من الناحية الأخرى، جاءت تصريحات “الأنبا أغاثون” عبر صفحته الرسمية، على مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، يلمح فيها إلى اعتراضه على حديث البابا، وأن التعرض لمثل هذه الأمور المقدسة يجب أن يتمتع بحرص شديد، حيث كتب: “إن إيمان الأطفال أحسن من إيمان الإكليروس (رجال الدين) في هذا العصر”.

ليست المرة الأولى، التي تعكس توجهات البابا “تواضروس الثاني”، ملامح مختلفة عما هو سائد؛ حيث طبق الأفكار ذاتها، بصورة مماثلة، في عام 2014، عند إعداد زيت الميرون الذي يعد السر التالي في الكنيسة بعد سر المعمودية، بطريقة تأتي على خلاف الطريقة التقليدية التي توارثتها الكنيسة خلال تاريخها، وما عهدته خلال حبرية البابا “شنودة الثالث”، مثلًا، والتي صنع فيها زيت الميرون بالطريقة القديمة.

وقال البابا “تواضروس”، في كلمة له خلال طقس إعداد زيت الميرون: “كانت عملية بدائية، وكانت تسمى طبخ من أجل استخلاص الزيوت، وهذه العملية لم تكن دقيقة، وعندما تناقشنا في المجمع المقدس بحضور الأساقفة كانت الموافقة على العملية الفنية أمرًا ضروريًّا جدًّا”.

وعليه، سجل عام 2014 المرة الأولى في صنع زيت الميرون، خلال حبرية البابا “تواضروس الثاني”، الذي ارتأى أن تتم بطريقة حداثية، وتؤدي إلى أفضل النتائج دون المساس بالطقس الذي يُعد الأصل في الزيت العطري المقدس، حيث سعى البطريرك إلى الاستفادة من العلم والتكنولوجيا في طريقة التحضير والإعداد، عوضًا عن الطريقة التقليدية، من خلال الاستخدام اليدوي.

ثمة ملاحظة رئيسة تجمع الموقفين السابقين، وتتقاطع معهما آراء ومواقف أخرى للبابا؛ إذ ينخرط البابا باعتباره رأس الكنيسة برؤى تجدد أفق المؤسسة، كما يسعى نحو تجاوز عدد من الأزمات التي طالت الأقباط في حياتهم، وما يختص بأمور الأحوال الشخصية، لا سيما مسائل الزواج والطلاق، فضلًا عن تفاعله مع تداعيات فيروس كورونا، ومن ثمّ اتخاذ المواقف المسؤولة التي تقاوم أن تصبح المؤسسات الدينية بؤرًا لتفشي المرض، ومحاولة تمرير التغيير الذي يطرأ على بعض الطقوس الكنسية جراء خشية العدوى، وهي تغييرات في الشكل لا تمس جوهر العقيدة.

وفي المقابل، يضطلع التيار الآخر نحو معارضة قرارات البابا ورؤاه التحديثية بتصريحات زاعقة، تكاد لا تختلف أسماء وبيانات أصحابها ولا محتواها أو مضمونها، كل مرة، إذ دومًا ما تتمركز حول ضرورة الحفاظ على الشكل التقليدي للطقس وهيمنته على المضمون، مما يتبدى معه سلطة التدين، ومغازلة العامة في نمطهم البسيط.

منذ جلوس البابا “تواضروس الثاني” على كرسي مارمرقس الرسول، قبل سبع سنوات، وهو يسعى نحو تطبيق انحيازاته الإصلاحية على مسار الكنيسة، وتطوير منظومتها في قضايا عديدة؛ جاء أبرزها على مستوى الفكر، حين أصدر كتابه: “وكل ما يصنعه ينجح”، حيث تحدث في الكتاب عن العقل المنفتح، ومسار بنائه، ووضع الخطوط الفاصلة بين العقل المحاور، العقل المبدع، ودور القراءة والمعرفة النظرية في التوعية لبناء العقل المنفتح.

ويضاف إلى ذلك، مسعاه الدؤوب للانفتاح على الكنائس الأخرى، وتقريب الكنيسة الأرثوذكسية مع غيرها من الكنائس المختلفة، والتي تنتمي إلى ملل ومذاهب غير أرثوذكسية، وتأكيده على أن الوحدة هي الأصل في الكنيسة، وضرورة العودة إلى ذلك.

لا يمكن النظر إلى سياق الأحداث داخل الكنيسة القبطية، منذ لحظة سيامة البابا تواضروس الثاني، وحتى الآن، في كل تلك القضايا الإشكالية ثم عبوره عليها بالإصلاح والتجديد، وكذا مسار علاقة الكنيسة في مختلف شؤون الأقباط؛ إلا من خلال الصراع القائم بين أفكار وسياسة البابا “تواضروس” وظل البابا “شنودة” الذي لم يبرح الكنيسة بعد، وتأثيره الذي يتقاطع طول الوقت على مستويات مختلفة، بواسطة أفكاره ومقولاته، والتي خلقت تيارًا أرثوذكسيًّا يسري ويمتد في نفوس وعقول أطراف عديدة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram