سياسة

حوار | فيصل شلوف: النهضة تسترت على قضايا فساد ولا مستقبل للإسلاميين في تونس

تشهد تونس حالة اضطراب سياسي على خلفية قرارات الرئيس قيس سعيد بتجميد البرلمان التونسي ورفع الحصانة عن النواب، إضافة إلى إقالة الحكومة برئاسة هشام المشيشي، إعمالا بالفصل الـ (80) من الدستور، وبغض النظر عن تأويلات هذا الفصل دستوريا، فإن حركة النهضة أبدت فور صدور القرارات رفضا شديدا لها، واعتبرت ما حدث انقلابا دستوريا.

وتمثل حركة النهضة الأغلبية داخل البرلمان التونسي في ظل تحالفات مع قوى سياسية أخرى، وحاولت الحركة التصعيد لرفض قرارات سعيد وحشدت عناصرها أمام البرلمان، بما ينذر بمناخ من عدم الاستقرار في ظل تصريحات قيادات الحركة التي لا تخل من التهديد والتحذير من استمرار العمل بقرارات سعيد.

وأجرى “ذات مصر” حوارا مع الباحث التونسي الدكتور فيصل شلوف، للوقوف على طبيعة الوضع الحالي في تونس، ومحاولة رسم السيناريوهات المستقبلية لتعاطي حركة النهضة مع الوضع الحالي، واستجلاء الموقف فيما يتعلق بمسقبل مشروع الإسلام السياسي في تونس.. وإلى نصر الحوار:

ما هي إرهاصات الأزمة الحالية في تونس، في ضوء قرارات الرئيس قيس سعيد؟

نتجت الأزمة السياسية الحالية عن تحالف حركة النهضة في مجلس النواب مع كتل حزبية وفئات أيديولوجية ذات مصالح اقتصادية وغير متجانسة سياسيا، وتتعلق بها قضايا فساد مالي وشبهات تبييض إرهاب، من أجل تقاسم السلطة وامتيازاتها.

إضافة إلى حالة الفوضى المهينة للدولة ولرموزها التاريخية والسياسية في المجلس النيابي، وهو نمط من ترذيل الدولة وإضعافها، مع إهمال الجانب الافتصادي المعيشي والاجتماعي والصحي للمواطنين.

ذلك كله جعل قيس سعيد يلجأ إلى تطبيق الفصل 80 الذي يتيحه له الدستور بنوع من التأويل الفردي في ظل مساندة شعبية واسعة من جهة، وغياب المحكمة الدستورية التي ساهمت حركة النهضة في تعطيل تركيزها منذ 2015.

إلى أي حد يمكن تحميل حركة النهضة المسؤولية المباشرة عن الوضع الحالي؟

تتحمل حركة النهضة من منظور شعبي واسع المسؤولية كاملة عن الحالة التي وصلت إليها البلاد اليوم في ظل الفشل الذريع للحكومة في السيطرة على الوضع الوبائي وتفقير البلاد واستشراء الفساد الإداري والمالي والأخلاقي. إلى جانب حالات الفساد المكشوفة التي تساهم فيها حركة النهضة، أو تتستر عليها لفائدة بعض خصومها السياسيين حتى تستعملها أوراق ضغط لفائدتها.

هنالك نواب صادرة في شأنهم بطاقات جلب من القضاء، وأحكام قضائية، وعليهم شبهات فساد مالي وأخلاقي، وقضايا لم يتم التحقيق فيها.. وينتمي معظمهم إلى الحزام السياسي الداعم للحكومة؛ وقد حالت رئاسة المجلس دون الاستجابة لمطالب رفع الحصانة عنهم حتى يمثلو أمام القضاء.

ذلك كله أنتج عدم انسجام صلب لأجهزة الدولة ومؤسساتها، وأدى في الأخير إلى حالة من الاضطراب السياسي، والعجز عن إيجاد حلول عاجلة يقتضيها الظرف الخانق الذي تمر به البلاد اقتصاديا وصحيا.

النهضىة
راشد الغنوشي – رئيس حركة النهضة

كيف تقيم ردود فعل حركة النهضة والتحرك لمواجهة قرارات سعيد؟

بدا الإعلان عن الترتيبات الجديدة مفاجئا لقيادات حركة النهضة رغم تأكيد قيس سعيد بأنه أعلم رئيس المجلس ورئيس الحكومة بما سيقرره وفقا لما ينص عليه الفصل 80 من الدستور.

فكانت أولى ردود فعل الحركة مرتبكة وغير منظمة إذ بادر بعض أعضائها صحبة الغنوشي إلى محاولة اقتحام بوابة المجلس ومن ثم الاعتصام أمامه، وتوالت التصريحات الرافضة لقرار التجميد، والتأكيد على توصيف ما حدث بـ “الانقلاب”، في حين فضل آخرون عدم الظهور أمام المجلس والتزموا بالتريث لتأتي مواقفهم في ما بعد أكثر اتزانا وأقل عفوية.

فقد دعا لطفي زيتون المستشار السابق لراشد الغنوشي حركة النهضة إلى الالتفاف حول قرارات رئيس الجمهورية قيس سعيد الأخيرة والتعامل مع ما وقع على أنه فرصة لمواجهة النفس وإصلاح الأخطاء.

وصرح سمير ديلو أحد القياديين البارزين في حركة النهضة أن الحركة ستتفاعل إيجابيا مع قرارات سعيد.

من الواضح أن هذه المواقف وضعت في اعتبارها الغضب الشعبي الكبير من حركة النهضة والمجلس وسياسات الحكومة، وما صدح به التونسيون من شعارات مناوئة للإسلام السياسي خلال التحركات الأخيرة؛ بالإضافة إلى مظاهر الاحتفال والفرح التي عبر عنها التونسيون بعد إعلان سعيد عن الترتيبات الجديدة.

هل تلجأ حركة النهضة للتصعيد بحشد لأنصارها بشكل مستمر بما يولد اضطرابا أكبر؟

بدا الشارع التونسي في احتجاجاته الأخيرة حاسما في مواقفه من الإسلام السياسي بجميع أطيافه.. ولعل تراجع التعاطف الشعبي مع حركة النهضة ورموزها في الفترة الأخيرة، وضع الحركة فيما يشبه “الانزلاق”.

ويمكن تفسير تراجع التعاطف الشعبي بافتقار الإسلام السياسي في تونس إلى أنصار عقديين أو أيديولوجيين بحيث يبررون أفعاله خيرها وشرها، ويكون استعدادهم للاستجابة للعنف كبيرا. وإنما هم في معظمهم أنصار من المتعاطفين الذين يتأثرون بالشعارات الإسلاموية المخادعة، ولكنهم يتأثرون أكثر بالوضع الاقتصادي والسياسي الخانق الذي أوقعهم فيه الإسلام السياسي.

لذلك أعتبر أن حركة النهضة غير قادرة اليوم على التصعيد ولا على التحشيد، فقد تراجعت مصداقيتها لدى فئات واسعة ممن مثلوا بالنسبة إليها رصيدا انتخابيا طيلة السنوات العشرة الماضية.

إلى أي حد تتشابه الأوضاع في تونس مع ما حدث في مصر إبان حكم الإخوان، مثل اقتحام المقرات وإتلافها؟

كانت حركة النهضة منذ بداية انشغالها بممارسة الحكم حريصة على عدم الظهور بمفردها في المشهد السياسي الفاعل سواء في المجلس النيابي أو الحكومة.. وقد سعت إلى إضعاف الدولة وتمييع الحكم حتى لا تتحمل هي وحدها وزر إخفاقاتها في تغيير واقع التونسيين نحو الأفضل والمحافظة على لقمة عيشهم.. ولكن الشعب بدأ يفهم هذه الخدعة فحتى وإن حكمت النهضة من وراء حجاب (ائتلاف سياسي غير متجانس)، فإنه قد حملّها المسؤولية هذه المرة. وكان ذلك بتمركز التحركات الاحتجاجية الأولى أمام مقرات الحركة في كامل البلاد، ووصل الأمر حد اقتحام بعض المقرات، وإتلاف محتوياتها وحرق بعضها الآخر.

في مصر لجأ الإخوان إلى العنف التدريجي، هل يتجه إخوان تونس لذلك بناء على التصريحات التصعيدية؟

لا شيء يبدو مطمئنا من عدم عودة الإسلاميين شيئا فشيئا إلى مربع العنف كما وقع في مصر.. رغم بعض الاختلافات السياسية والاجتماعية  والجيوستراتيجية بين مصر وتونس. وذلك طالما لم تعالج الأسباب المؤدية إلى العنف معالجة حاسمة. ومن بين تلك الأسباب التي على الدولة أن تكون صارمة في التصدي لها، تدفق المال السياسي الأجنبي على الإسلاميين، وقدرتهم على ممارسة الدعوة والتحشيد عن طريق أذرعهم الجمعياتية المبثوثة في كامل البلاد.

النهضة
مظاهرات مناهضة لحركة النهضة في تونس

هل يوفر هذا المناخ المضطرب لعنف أكبر قد يلجأ إليه فصيل داخل النهضة مثلا، أو مجموعات إرهابية؟

حركات الإسلام السياسي عموما تستغل مثل هذه الظروف لتنفذ أجنداتها الخاصة، بغاية إرباك المجتمع والدولة.. لكن الوضع الحالي في تونس لا يبدو سانحا بشكل من الأشكال للإسلاميين حتى يقوموا بذلك نظرا للحمة المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية والفئات الشعبية العريضة ومؤسسة الرئاسة..وأكاد أجزم أن ما لاحظته شخصيا من تجانس وتناغم بين هذه المكونات الأربعة هو المكسب الحقيقي الذي يجعل قيس سعيد قادرا على إحداث تغيير حقيقي في المشهد السياسي التونسي نحو الأفضل بعيدا عن فوضى الأحزاب وصراع الأيديولوجيات.

الإخوان يرددون أن هناك مؤامرة على مشروعهم في المنطقة العربية، كيف تقيم هذه الرؤية؟

لطالما حاول الإسلاميون الظهور بمظهر الضحية لتجاذبات السياسة الدولية والصراعات الإقليمية، واتهموا خصومهم السياسيين بالتآمر على مشروعهم مع الخارج.. غير أن الملاحظ هذه المرة أن الرفض الشعبي والتحركات الاحتجاجية ضد النهضة كانت نابعة من داخل الشعب وتقف وراءها دوافع موضوعية لعل أهمها تردي الوضع الوبائي ونزيف الوفايات اليومي أمام فشل الحكومة الذريع في إيجاد حلول للأزمة الصحية، إلى جانب تردي الوضع الاقتصادي في تونس إلى درجة غير مسبوقة. لذلك فإن القول بفكرة المؤامرة على المشروع الإسلاموي في تونس تبدو غير ذات جدوى وقاصرة من حيث الفاعلية عن إقناع فئات عريضة من الشعب.

هل بدأت حركة النهضة في اتخاذ خطوة إلى الخلف قليلا؟

لا يبدو المناخ السياسي والاجتماعي مواتيا للتصعيد بالنسبة إلى حركة النهضة بالنظر إلى الموقف الشعبي الأخير ضد الحركة  والذي انتهى إلى احتفالات شعبية عارمة إبان الإعلان عن قرارات الرئيس سعيد، وبالنظر أيضا إلى تشابك المصالح الاقتصادية لعناصر الحركة في العشرية الأخيرة فقد راكم طيف هام من الإسلاميين العديد من المكاسب المالية وأغلبهم يتحسب اليوم من اتهامات بالثراء غير المشروع، وقد بدأت فعليا الكثير من مكونات المجتمع المدني وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل تنادي الدولة بالتدقيق في حسابات الحركة وأموال عناصرها، وقد أشار تقرير محكمة المحاسبات إلى الكثير من الخروقات في هذا الجانب.

وبشكل عام هناك تراجع وارتباك في موقف النهضة كما بينت ذلك سابقا، ومرد هذا الأمر إلى عامل المفاجأة إضافة إلى الحسابات السياسية المصيرية التي بدأ الإسلاميون يفكرون فيها في ظل الموقف الشعبي الذي لفظهم.

ما هو مستقبل حركة النهضة شعبيا وسياسيا خلال السنوات المقبلة؟

لا يبدو أن هنالك أفق مستقبلي للإسلام السياسي في تونس على شاكلته الحالية، كما أن طروحات الإسلام السياسي قد وصلت إلى حالة من الوهن العام ولم يعد لها القدرة على التحشيد والإقناع بعد ما راكمته من فشل سياسي واقتصادي في البلاد طيلة السنوات العشر الماضية.

ولكن تواجدهم في المشهد السياسي التونسي من المتوقع أن يتواصل بشكل هامشي وبأقل فاعلية وتأثير في السنوات القليلة المقبلة قياسا على مدى انضباطهم الاجتماعي واحترامهم للدولة وعدم إلحاق الأذى بمكوناتها.

هل يمكن أن تكرر النهضة العنف الذي مارسته سابقا على وقع الأزمة الحالية؟

لم تنجز حركة النهضة أي مراجعات فكرية حقيقية طيلة الفترة التي مارست فيها الحكم في تونس، وقد ضيعت بالتالي على نفسها فرصة الاندماج الفعلي في المجتمع التونسي، ولا يمكن أن يأمن المجتمع التونسي والدولة التونسية مرجعيات هذه الحركة، فلا يمكن التسليم بعدم عودتها إلى ممارسة العنف خاصة وأنها لا تزال متشبعة بمرجعيات الإسلام السياسي الميالة بطبعها نحو العنف. وبالنظر إلى صعوبة تنصلها من ارتباطاتها الخارجية والإقليمية وعدم ولائها للدولة التونسية في المقام الأول.

النهضة
مظاهرات مؤيدة لحركة النهضة أمام البرلمان التونسي

هل تتوقع حدوث انشقاقات داخل النهضة على وقع الأزمة الحالية؟

الملاحظ أن جميع الانشقاقات التي عرفتها حركة النهضة لم يكن الدافع وراءها التنكر للمرجعية الإسلاموية، ولا التنكر للماضي العنيف للحركة. بقدر ما كان نتيجة حسابات سياسية وتكتيك ظرفي.. والدليل على ذلك أن الكثير من رموز الحركة عادوا إليها بعد خروجهم منها. لذلك يمكن القول أن خطر الإسلاميين على الدولة والمجتمع متواصل وحقيقي حتى بعد انقسام الحركة.. هذا الانقسام “الذي يتوقعه الكثير من الملاحظين للشأن السياسي في تونس” خاصة عند التفكير في مستقبل الحركة بعد رحيل زعيمها راشد الغنوشي الذي يحتكر جميع خيوط الحركة ويستحوذ على كلمة السر فيها، ويسيطر على ولاءات الجميع في الحركة رغم امتعاض أطراف من الحركة نفسها من ذلك.

الأكيد أن وتيرة الانشقاقات داخل النهضة ستتوالى بعد الأحداث الأخيرة فكلما ضعف الرهان السياسي على الحركة ضعف الانتماء لها.. إضافة إلى أنه من المتوقع أن يولي عناصر النهضة الأهمية القصوى لحماية مصالحهم الاقتصادية على حساب المحافظة على الانتماء إلى الحركة على الأقل في الظاهر. وهذا من شأنه أن يؤثر على تماسك الحركة داخليا.

هل سعت الحركة إلى التغلغل داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية؟

سعت حركة النهضة منذ بداية ممارسة السلطة إلى وضع عناصرها وكل من وثقت في ولائهم لها داخل الأجهزة الحيوية للدولة. فلا تكاد توجد مصلحة من مصالح الدولة ولا جهاز من أجهزتها ولا مؤسسة من مؤسساتها إلا وقد تم اختراقه بغاية إحكام السيطرة على مفاصل الدولة، وتحقيق مكاسب مادية وعينية لأنصارها. لذلك لا يبدو الأمر يسيرا على الدولة اليوم أن تتنظف من ذلك في زمن وجيز .

هل تؤمن حركة النهضة بالديمقراطية، وهل تطبقها في العمل داخل هيكلها التنظيمي والإداري؟

تتشبث حركة النهضة بمقولات الديمقراطية والحرية.. ولكن ذلك لا يعدو أن يكون مجرد شعارات جوفاء لا ترقى إلى مستوى الفاعلية حتى داخل هياكلها التنظيمية، ولا أدل على ذلك من سياسة الولاء والطاعة التي تمارسها النهضة على عناصرها داخل “مجلس شورى الحركة”، والتي جعلت من إمكانية التداول على رئاسة الحركة غاية مستحيلة الإدراك.  فلا تداول على تقلد المسؤوليات الكبرى، وهو ما جعل راشد الغنوشي رئيسا “مؤبدا” للحركة، وذلك كله محكوم بمبدأ الطاعة الذي هو أبعد ما يكون عن روح الديمقراطية. وإذا كان هذا شأن الحركة في التعامل مع هياكلها وأنصارها أمام رهان أصغر ألا وهو قيادة الحزب. فكيف يمكن للحركة أن تؤمن حقا بالديمقراطية مع خصومها السياسيين في ظل رهان أكبر هو التحكم في الدولة التونسية.

اقرأ أيضا: بعد قرارات قيس سعيد.. إلى أين تذهب تونس؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى