ثقافة وفن

“آلهة مصر”.. خطيئة التعامل مع ميثولوجيا المصري القديم بمنطق أمريكي

كثير من الأعمال، التي تناولت الديانات والآلهة المصرية القديمة، اهتمت بتقديم الموت ولعنة الفراعنة.. لم يكترث غالبية صناع تلك الأفلام برؤية المصريين القدماء للموت.. نعم ما تبقى من الحضارة القديمة كله نماذج للموت، لكن بمفهوم الميثولوجيا، ندرك أنه مرحلة نحو الحياة الأبدية وليس مجرد موت باعتباره النهاية.

مؤخرًا، عرضت نتفليكس فيلم “Gods of Egypt” أو “آلهة مصر”، الذي يعيد صياغة أسطورة مختلفة تمامًا للصراع بين إله الشر ست وبين أخيه أوزوريس، إله الحياة، وابنه حورس إله الشمس.

المادة التي يقدمها الفيلم لا علاقة لها بالأسطورة الأساسية، إلا من وجود صراع بين ست وحورس. وهو ما يعيد للأذهان الانتقادات التي واجهها الفيلم عند عرضه للمرة الأولى عام 2016، إذ لم يلتفت إطلاقًا للحقائق التاريخية الخاصة بالأسطورة التي يتناولها.

استعان الفيلم كذلك بمكونات من حضارات أخرى، كالأفيال التي لم تكن جزءًا من الحضارة المصرية القديمة آنذاك، بينما كانت كذلك في الحضارة الهندية، ثم الفارسية.

كل الانتقادات الموجهة للفيلم منطقية، لتجاهله الأسطورة الأساسية تمامًا، مقدمًا ممثلين من ذوي البشرة البيضاء لأداء أدوار المصريين القدماء.. ومع ذلك، لم يلتفت كثيرون إلى أنه رغم تجاوز الأسطورة الأصلية، وتفاصيلها التاريخية، فإن جوهر الميثولوجيا المصرية، قدمه الفيلم الأمريكي الأسترالي بشكل جيد، ففكرة العدالة الاجتماعية التي كانت الحضارة المصرية القديمة مهدًا لها، جسدت في الفيلم على لسان أوزوريس، الذي قال بوضوح إن الغني والفقير لديه سواء، والجميع له مكان في الحياة الأخرى.

مغالطات أعمق من لون البشرة

تضمن الفيلم مغالطات أعمق من مسألة لون البشرة، إذ قدم الشخصية البشرية الرئيسية كلص، ما يعيد الترويج لوصم المصريين باللصوصية، فكان ذلك اللص الذي يلعب دورا في مساعدة الآلهة، متمتعًا بموهبة واحدة هي السرقة، لدرجة أنه يسرق عين حورس من ست، ويعيدها لحورس كي يتمكن من محاربة عمه.

وتكمن خطورة المغالطة، ليس فقط في مسألة الوصم، بل أيضًا لتعبيرها عن تجاوز صناع الفيلم لمعتقدات أساسية في الميثولوجيا المصرية القديمة، كأنّ السارق مجرم يُحرم من العبور للحياة الآخرة، ويلقى به في العذاب الأبدي.

تقول الأسطورة المصرية، إن الميت يلتقي أنوبيس، إله التحنيط والموتى، الذي ينتزع قلب المتوفى ويضعه على ميزان ماعت، إلهة العدالة، وحينها يتلو قسمًا يؤكد فيه أنه لم يرتكب الجرائم التي حرمتها الديانات المصرية القديمة، والتي تشمل السرقة.

القسَم الذي يظهر في النصوص الجنائزية، وترجمه سليم حسن عن كتاب جيمس هنرى بريستد “فجر الضمير“، يقول: “أعطيتُ الحق لفاعله، وأعطيتُ الظلم لمن جاء يحمله، لم أظلم إنسانًا (…) لم أرتكب ظلمًا، لم أسرق، لم أكُن جشعًا، لم أنهب”.

الحضارة التي تستند في إيمانها إلى كل تلك المحاذير لا يمكن أن تتسامح مع اللص لدرجة أن تمنحه شرف صحبة حورس ومساعدته في معركة الخير ضد الشر.

من مغالطات الفيلم أيضًا الترويج للمزاعم التي تتحدث عن العبودية باعتبارها أساس بناء الحضارة المصرية القديمة.. فالأمريكي الذي بدأ حياته وحضارته باستعباد الأفارقة، ربما لا يمكنه أن يتصور وجود حضارة كبرى دون استعباد، كأنه يحاول إسقاط جرائمه على باقي الحضارات كي لا يواجه إثم العبودية والتمييز.

كان المصريون القدماء في صراع مع الطبيعة، حتى استقر بعد مرحلة التحول، من الصيد، والانتقال، إلى الاستقرار، بدأ حينها في صراعه الآخر مع ذاته وضميره، حيث إن فكرة العمل الجماعي والقيم والأخلاق، بدأت في الانتشار بالمحبة والتراضي وليست بالسخرة.

اعتمد الاقتصاد المصري، في ذلك العصر، على الزراعة التي كانت تتوقف كل ثلاثة أشهر بسبب الفيضان، فيقوم الأشخاص الذين يعملون في هذه الأرض بالعمل في المؤسسات الخاصة بالملك/الفرعون (الدولة)، والتي كانت تبني وقتها الأهرامات والمعابد، وهو ما ثبت في البرديات التي وثقت أن أي شخص كان لا يأخذ حقه كان يذهب إلى المحكمة.

تعرض الفيلم لانتقادات بسبب اعتماده على ممثلين بيض لتأدية أدوار شخصيات مصرية

وكان نظام العمل في مصر القديمة يعتمد على اثنين من رؤساء العمل، يأتي بعدهما الحراس وطبيب المدينة ثم العمال، وكانت الرواتب يحددها وزير الدولة بالنيابة عن الملك، وتُدفع على شكل قمح وشعير وبيرة، كما أشارت البرديات إلى حصول العمال على علاوات تشجيعية وحوافز، فإذا أثبت العامل حرفيته، يكون أجره من اللحوم والأسماك والزيوت والسمسم.

وواعتمد المصريون القدماء ساعات محددة للعمل وإجازات مدفوعة الأجر خلال الأعياد الرسمية والمناسبات الدينية والخاصة.

الأسطورة والفيلم

يزعم الفيلم أن الصراع كان بين أوزوريس وست، لأن الأخير كان يعيش في الصحراء، ويحقد على أخيه لأنه يعيش في الوادي على ضفاف نهر النيل.

بينما في الواقع، لا علاقة لمضمون الميثولوجيا المصرية القديمة بالفرق بين الصحراء والوادي، إذ انطلقت من التضاد بين النور والظلمة، الحياة والموت، السماء والأرض، فكانت الطبيعة كلها هي الحياة والنور، الذي كان يتمثل في الإله أوزوريس إله الحياة.. بينما كان الظلام/الفوضى/الخراب، هو الهاجس الأساسي لدى المصريين القدماء، متمثلًا في الإله ست، إله الشر.

يعني ذلك أن البحث عن مبررات لرغبة ست في القضاء على أوزوريس أو حورس، ليس منطقيًا، لأن ست كان رمز الشر وهو لا يحتاج أي مبررات للتناقض مع الخير الذي يتمثل في أوزوريس ثم حورس من بعده.

تقول الأسطورة الأصلية إن ست أقام وليمة دعا إليها الآلهة، ومنهم أوزوريس، وأعلن أنه قد أعد تابوتًا مزينًا بالأحجار الكريمة يفوز به من يكون على حجم جسمه كهدية، وكان التابوت متطابقًا مع جسد أوزوريس.

وفور استلقائه داخل التابوت لتجربته، سارع ست بإغلاق التابوت ثم ألقوا به في النيل، فحمله التيار إلى البحر المتوسط، ثم إلى شواطئ فينيقيا.

استعادت إيزيس جثة زوجها، فسرقها ست وقطعها إلى أجزاء ثم ألقى بكل جزء منها في أحد أقاليم مصر.. لم تيأس إيزيس، فبحثت عن قطع جثمان أوزوريس، وأعادت تجميع الأشلاء، وتمكنت بمساعدة نفتيس من إعادته للحياة والإنجاب منه سرًا.. تمكنت إيزيس من تربية ابنها حورس بعيدًا عن أعين ست حتى كبر، وصار قادرًا على مواجهته.

أما في الفيلم فتروى قصة مغايرة تمامًا: يعيش الأم والأب والابن معا، حتى يكبر الابن فيتخلى له الأب عن العرش في حفل تتويج، كما أن تمثيل حورس كشاب مدلل يعيش في قصر تحيطه النساء الجميلات، ويحيا مختالًا بشبابه وجماله، هي فكرة أقرب للميثولوجيا الإغريقية منها للميثولوجيا المصرية التي قدست التوازن بين الحياة والموت، بين العمل والراحة، بين المتعة والتعب.

فقد كان المصري القديم يتصور الآلهة باعتبارها القوى الحامية له، والتي تعمل على تنظيم حياته وتكدح من أجله، لذا كان يؤمن بها راضيًا مرضيًا عن قناعة وحب، وليس عن خوف في معظم الأحيان، لأن آلهة الخير دائمًا كانت تقاتل آلهة الشر من أجل رفاه البشر واستقرارهم.

وبعكس الحضارات الأوروبية القديمة مثل الإغريقية والرومانية، حيث الآلهة كانت تستمتع بدفع البشر لقتل بعضهم، ويتعاملون مع العالم البشري باعتباره مجموعة من الدمى، خلقوها وبمقدورهم تدميرها، كلما شعروا بالملل أو كلما أرادوا ممارسة جبروتهم.

فيلم آلهة مصر

أيضًا، قدم الفيلم الإله رع باعتباره أبًا لكل من ست وأوزوريس، بينما في الأسطورة كان رع أحد الآلهة الرئيسية.. كان إلهًا للشمس، وهو أكثر من بجّله المصريون من بين الآلهة، لكنه لم يكن أبًا لإلهي الخير والشر، فكل من إيزيس وأوزوريس ونفتيس وست، أبناء جب، إله الأرض، نوت إلهة السماء.

وعلى هذا المنوال، تخالف قصة الفيلم الميثولوجيا المصرية، وتعيد كتابتها بروح غربية، في بعض الأجزاء استنادًا إلى ثقافة غربية/أمريكية حديثة، وفي أخرى استنادًا إلى ثقافة أوروبية قديمة: إغريقية ورومانية.

العدالة الاجتماعية عند قدماء المصريين

في مقابل كل ذلك، تمكن الفيلم من طرح قضيتين بشكل موزون، بما يعبر عن جوهر الميثولوجيا المصرية.

الأولى: العدالة الاجتماعية كوسيلة لتحقيق السلم والرخاء والاستقرار.

في الفيلم، يقول أوزوريس إن إرثه المساواة بين الغني والفقير في القدرة على العبور إلى الحياة الأخرى، فيما يؤكد رع على نفس المعني حين يقول إن كل المخلوقات التي أوجدها متساوية في نظره تمامًا كأبنائه.

الثانية: أن الإله في العقيدة المصرية القديمة، لم يكن متلاعبًا بمصائر الناس/البشر، بل كان أقرب إلى الأب الحامي لأبنائه.. يعاقبهم أحيانًا حين يخطئون، لكن مهمته الأساسية هي الرعاية والحماية.

الإله رع مثلًا، كبير الآلهة، يحارب أبوفيس كل ليلة كي لا يتمكن من نشر الفوضى.. وهكذا قدم الإله رع كما تصوره الأسطورة المصرية بالفعل.

أيضًا مما طرحه الفيلم، مقتربًا في حقيقة ما ترويه لنا السرديات التاريخية، أن مصر القديمة لم تكن صحراء ورعاة وفقراء، بل كانت حضارة مزدهرة، بعض مدنها تقترب من صورة الجنة في المخيلة الإنسانية.

نفيسة الصباغ

كاتبة مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى