ثقافة وفن

فيلم “هذه ليست جنازة”.. بعثٌ ثوري للسينما الأفريقية

حين يشرع مخرج من أحد بلدان العالم الثالث في التحضير لعمل يتناول بيئته المحلية، فإنه يكون محاطًا بالعديد من الأسئلة، منها على سبيل المثال: هل أصبحت المحلية عيبًا؟ وكيف يتماهى الفيلم مع ما يعرف بالهم العالمي المشترك؟ وما الحد الفاصل بين التأثر والتقليد الأعمي؟

لذا كان المخرج ليموهانج إرميا موسى موفقًا بشكل كبير في التعاطي مع هذه الأسئلة في فيلم “This Is Not a Burial, It’s a Resurrection” أو “هذه ليست جنازة، إنها قيامة”، حيث أخرج لنا مرثية شعرية شديدة المحلية، مع التزام سياسي و اجتماعي صادق. ويتعرض الفيلم لإشكاليات شديدة المحايثة تخص القارة الأفريقية جمعاء.

تقع مملكة ليسوتو بالكامل داخل حدود دولة جنوب أفريقيا، والعلاقة بين البلدين أقرب لثنائية الهامش/المركز، نظرًا لصغر مساحة ليسوتو وعزلتها الجغرافية مقارنة بالجارة الكبرى المحيطة بها من كل الجهات، بما لها من ثقل اقتصادي وسياسي. وإن لم يمنع هذا أنها كانت ملجأ للمناضلين ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا بحكم استقلالها في عام 1966.

ويعتمد اقتصاد ليسوتو على صناعة الغزل و النسيج بشكل رئيسي، كما أن لخيولها شهرة عالمية بحكم اكتسابها قوة مضاعفة بسبب طبيعة البلاد الجبلية. وينتمي سكانها بالكامل إلى شعب الباسوتو. ويدين معظمهم بالمسيحية. ونظامها السياسي ملكي دستوري، وقد أصبح منصب الملك شبه شرفي بلا تأثير يُذكر في القيادة السياسية.

يُفتتح الفيلم بلقطة مهزوزة وضبابية لأحد فرسان الباسوتو في محاولة لترويض حصانه الجامح. و للحصان مكانته الخاصة في ثقافة شعب الباسوتو، ويعتبر رمزًا للملك موشوشو، المؤسس الأول لمملكة ليسوتو، وكذلك البطل القومي الذي حارب ضد شعوب البوير والزولو.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

يصحبنا صوت لراو عازفًا على آلة الليسيبا (آلة محلية نفخية، وتعرف أيضًا باسم جراموفون رعاة الغنم، إذ يستخدمونها في الحداء)، مستعرضًا بلهجة كئيبة تاريخ القرية التي تقع فيها الأحداث. وسيلازمنا صوت الراوي على فترات متقطعة طوال أحداث الفيلم.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

“حسب الأسطورة، هذا المكان كان يُدعي حقول البكاء قبل وصول كاسياس و أربوسيت (مبشران مسيحيان)، ليطلقا عليه اسم الناصرة”، راوي الفيلم.

يتتبع الفيلم يوميات الأرملة العجوز مانتو، التي فقدت جميع أهلها ولم يتبق لها سوى ابنٌ يعمل في مناجم جنوب أفريقيا، تنتظر عودته بفارغ الصبر، لكنها تفجع بعودته ميتًا.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

يلجأ المخرج إلى أسلوب السرد الذاتي الحر غير المباشر، بتعبير باولو بازوليني، وهو التماهي الكامل مع الرؤية البصرية والسمعية للشخصية، ثم تمرير أفكار المخرج الخاصة عبرها.

نرى العجوز مانتو في حالة يأس تام، وانفصال شبه كامل عن الواقع المحيط بها، ويُعالج ذلك إخراجيًا بتشويش على شريط الصوت في بعض المشاهد. تنهمك في استعادة ذكرياتها مع زوجها وأبنائها في مشاهد صامتة تخلو من الحديث والحدث.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

تزور مانتو قبر ابنها، وتلاحظ انتشار المُخلّفات في المقابر مع قلة العناية بها، لتشكو هذا الأمر إلى مختار القرية الذي يُبلّغها بتخطيط الحكومة لإنشاء سد في القرية وتهجير أهلها.

عمد المخرج في هذا المشهد إلى أخذ لقطات مهزوزة (out of focus) شبيهة بافتتاحية الحصان الجامح. عند هذه اللحظة ينفتح الذاتي على العام.

“ما ينقص الأفلام الحديثة هو صوت الريح في الأشجار”،  جريفيث

تذهب مانتو إلى العاصمة ماسيرو في محاولة يائسة لمقابلة الوزير، لكن الموظفة تطلب منها اتباع الإجراءات الرسمية، فتعود خائبة.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

نلاحظ عند وصول الحافلة إلى العاصمة وجود مجموعة من الخيول في مؤخرة الكادر الذي تحتل الحافلة جزءًا كبيرًا منه.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

وعند انتهاء مانتو من تعاملها مع الموظفة، تعود إلى مكان انتظار الحافلة، لكن هذه المرة لا نرى الحافلة، بل الخيول فقط في لقطة ضبابية بعض الشيء، تتبعها لقطة يسودها ضباب تام.

اقرأ/ي أيضًا: سبايك لي.. محارب يرفض الاستراحة

يتعرض المخرج في هذه اللقطات إلى العديد من الثنائيات مثل: القرية/المدينة، اللغة المحلية/ويافطة الوزارة المكتوبة بالإنجليزية، التراث/التحديث، التلقائية/الرسمية.

ومن دلائل ذكاء المخرج استخدامه لوسائل تعبيرية مقتصدة تعتمد على التكرار الذي يوحي بعدم حدوث شيء. لكن ما حدث قد حدث.

وفي أثناء عودة مانتو إلى قريتها، نراها تمشي بين الحقول والوديان، ونسمع أصوات الطير والماء الجاري يرافقها عزف على الليسيبا، ثم ينقطع شريط الصوت لنرى بدء توافد عمال السد.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

لدينا برلماني فاسد يدّعي الحفاظ على مصالح بني قريته ويتعالى على مطالبهم في آن واحد، وهو لا يأبه إلا لتلبية مطالب الوزارة في أسرع وقت. ولدينا مختار حائر بين التزامه الأخلاقي والاجتماعي تجاه الأهالي، وبين التزامه الوظيفي.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

تُعيد مانتو سرد تاريخ القرية على مسمع أحد الأطفال، وتؤكد له أن القرية كانت وستبقى “حقول البكاء” في نظر أهلها وليس “الناصرة”.

“حين أتانا المبشرون كنا نملك الأرض، ثم علمونا أن نصلي للرب وأعيننا مغلقة، ولما أفقنا وجدناهم يملكون الأرض”، جومو كينياتا، مناضل سابق وأول رئيس لجمهورية كينيا بعد الاستقلال.

لدينا أيضًا راعٍ للكنيسة أشد حيرة من مختار القرية، ففي بادئ الأمر ينصح مانتو بالصبر بعد وفاة ابنها، ثم نراه يُشارك الأهالي في غضبهم ويدعمهم في كتابة خطاب استغاثة إلى الملك. وبينما كانت مانتو في زيارة لعجوز مريض، يتحدث الراعي بنبرة يائسة عن تاريخ نشأة الكنيسة على يد المبشرين الأوروبيين، وكيف صنع الناقوس من رماح الأجداد. وفي أثناء حديثه نرى لقطة مقربة لمانتو وهي تستخدم موسي الحلاقة في تهذيب رأس العجوز المريض، وهذه إشارة أخرى إلى الملك موشوشو الذي يعني اسمه “الصوت الصادر عن موسي الحلاقة”، وفقًا للغة المحلية.

This Is Not a Burial, It's a Resurrection

و في تناقض مع هيئته الهادئة التي ظهر بها في المشاهد السابقة، يقوم بجرح يده في مسابقة لقص صوف الخراف (عادة موسمية في أواخر فصل الشتاء)، ويبدو في قمة الغضب.

وفي تصاعد للأحداث، يندلع حريق في بيت مانتو، ويتعرض أحد الأطفال لإطلاق رصاص عشوائي ليموت في الحال.

في هذه الأثناء بحثت مانتو عمن يقوم بدفنها حية، ثم تحاول بنفسها، لكنها لم تقوى على ذلك.

وفي تسليم بالأمر الواقع، يجمع المختار أهالي القرية من أجل الرحيل، ويطلب منهم أن يُرنّموا ترنيمة وداعية لأرضهم وأمواتهم. وفي أثناء المسير، تخلع مانتو ملابسها، وتسير عارية باتجاه عمال السد وموظفي الوزارة، متجاهلة تحذيراتهم بعدم الاقتراب.

وفي مشهد بطيء (slow motion)، نرى الأهالي يسيرون باتجاه مانتو.

“لقد شهد الكثيرون الموت، أما هذه الطفلة –ابنة المجهول– فقد شهدت البعث. ليس بعث الموتى، لكنه بعث الأحياء”، راوي الفيلم

من الناحية البصرية هناك تأثر واضح ببعض الموتيفات المسيحية، ومنها: تمثال بييتا الشهير لمايكل أنجلو، وتجمع الخراف. وهناك أيضًا تأثر بالمخرج البرتغالي الكبير بيدرو كوستا، في استخدامه للإضاءة المحدودة، أو ما يعرف بتأثير رامبرانت، وجماليات البشرة السوداء خلالها.

في لقاء خاص بمجلة فارايتي، يتحدث المخرج ليموهانج عن رؤيته لأفريقيا فيقول إنها في طور التشكل. وبرغم المناخ التشاؤمي للفيلم، إلا أن المخرج يبدو متفائلًا على الصعيد الشخصي، فيري أن التراث الحضاري للقارة السمراء، مع ما اكتسبته من ثقافات أجنبية أخرى؛ سيؤدي في النهاية إلى محصلة جيدة.

اقرأ/ي أيضًا: “الفاتنات Cuties”.. “إيمي تنطّ الحبل” في عصر “الصوابية السياسية”

و الفن بالنسبة إليه لا يختلف عن النشاط السياسي باعتباره وسيلة تغيير للأفضل، وهو مرآة للمجتمع، نستخرج منها الأفكار التي تقود للتغيير الحقيقي.

و لديه موقف متوازن مما يعرف بالصوابية السياسية، حيث يرى أنها قد تشكل عائقًا أمام الفنان، لكنها في نفس الوقت قد تدفعه إلى الابتعاد عن الكليشيهات، وإيجاد حلول جديدة أكثر إبداعًا واختلافًا.

حسام أبو الحسن

كاتب سينمائي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى