ثقافة وفن

فيلم “Ammonite”: شيء نادر كالحب

لم يدرس المخرج “فرانسيس لي” السينما على الإطلاق، بل كان التمثيل بوابة عبوره إلى عالم الفن.. فرانسيس، هذا الفتى الإنجليزي القادم من ريف يوركشاير بعد أدائه أدوار صغيرة في التليفزيون والسينما، بدأ افتعال الخلاف مع المخرجين حتى توقف بعد فترة عن التمثيل بشكل نهائي لتنطلق مسيرته كمخرج.. يقول عن ذلك: “أردت أن أحكي حكايتي الخاصة”.

 مع مُخرج كهذا ستجد دائما ما يخصه في أفلامه، وما يشبهه مهما ابتعدت عنه حكايات فيلمه في الزمان والمكان.. في (Ammonite)، ثاني أفلامه الروائية بعد (God’s Own Country)، يتتبع فرانسيس الحياة اليومية لعالمة الحفريات البريطانية “ماري آننج” (كيت وينسلت)، وهي إحدى رائدات علم الحفريات في جيلها، لكنها لم تحظ قط بالاعتراف المناسب لإنجازها.

تعيش “ماري” مع والدتها العجوز في بلدة “لايم” الساحلية منتصف القرن التاسع عشر حياة عزلة باردة، فرضتْها على نفسها.. تجوب يوميا شاطئ البحر ومنحدراته الصخرية بحثا عن الكنوز الأحفورية، أحجار ذات قيمة أو أصداف تصنع منها حُلي وتذكارات للسياح، تبيعها في متجر صغير للهدايا تديره مع أمها.

ماري هنا هي فرانسيس على نحو ما، كلاهما نشأ في بيئة فقيرة، علّم نفسه بنفسه ويسعى بدأب وشغف من أجل اعتراف العالم به.

الحياة المتقشفة والصامتة لماري

تتداعى حياة الوحدة والصمت التي فرضتها “ماري” بصرامة على نفسها بعد دخول “شارلوت” (سيرشا رونان) إليها، وهي امرأة شابة متزوجة جاءت للتعافي قرب البحر من اكتئابها الناتج من فقدان طفلها.

زوجها جيولوجي على وشك أن يبدأ رحلة استكشافية حول العالم تاركا زوجته رفقة “ماري” مقابل مبلغ مالي.

من رفقة إلى رعاية إلى أن يتفتح الحب كزهرة نادرة في قلبيهما، إنها حكاية حب متخيلة بين شخصيتين حقيقيتين.

مجاز الحب في سينما فرانسيس لي

البيت الذي يسكنه البطل في (God’s Own Country) وهو غارق في العزلة

“فكرت طويلا في أكثر الأشياء التي فعلتها صعوبة، وكانت على الأرجح الوقوع في الحب، كيف يجعلنا ضعفاء وغير محصّنين، منفتحين على أن نحب وأن نكون محبوبين”.. من حوار مع المخرج فرانسيس لي.

في فيلميه (Ammonite) و(God’s Own Country)، اللذين هما حكاية حب لشخصيات تنتمي إلى الطبقة العاملة، تعيش شخصيات فرانسيس لي في “العالم الحقيقي”، كما يسميه جوني بطل فيلمه الأول “بلاد الله”، حيث يكدّ البشر في ظروف صعبة فقط من أجل البقاء.

فرانسيس منشغل دائما بالعلاقات الإنسانية، سواء داخل العائلة أو العلاقات العاطفية، محاولا -دون كلل- إضاءة الديناميكيات النفسية المعقدة التي تحكم مثل هذه العلاقات.

الشخصية الرئيسية في فيلميه دائما منغلقة تماما على ذاتها، لا تعرف كيف تُعبر عن نفسها بحرية، تعيش في صمت متوتر داخل العائلة وفي غربة داخل محيطها الكبير.. تظل هكذا حتى يأتى الحب ليفتح مسارًا لما استغلق عليه القلب.. المكان أيضا في سينماه يبدو مدموغا بعزلة ثقيلة تمتد إلى شخصياته لتسمها بطابعها.

يخلق المخرج في كل مرة ما يمكن تسميته “مجازا للحب”.. يتناسب مع شخصيته الرئيسية وعملها: في فيلمه الأول (God’s Own Country) يكون الحب فعل ولادة، ولادة جسدية، حيث يعمل جوني في مزرعة عائلته، نشاهد أكثر من مرة فعل الولادة، سواء لأبقار أو أغنام، وعادة ما يولد الجنين مريضا ويحتاج من أجل النجاة الكثير من الصبر والرعاية.

في (Ammonite)، الذي استلهم المخرج عنوانه من عمل البطلة “ماري آننج” في شق الصخور والحفر داخلها لكشف ما يكمن في أعماقها الخبيئة -تشير كلمة “أمونيت” إلى مخلوقات بحرية تعيش داخل صدفة حلزونية منذ ملايين السنين- يبدو الحب كما يراه “فرانسيس لي” شيئا صعبا ونادرا مثل “الأمونيت”، الذي ظل داخل صدفته كل هذا الزمن في انتظار اليد التي تكتشفه.

الفيلم نفسه يشبه كثيرا شخصية “ماري” المُتحفظة حادة الطباع.. تجعلك من الصعب أن تقع في حبها مبكرا، إذ تمنعك من الاقتراب منها أكثر من اللازم، لكن حين تذوب القشرة الخارجيةً الصُّلبة يتكشف الداخل عن شيء دافئ وحميمي.. هكذا هو الفيلم بإيقاعه المتمهل، لا يكشف نفسه بسهولة أو بشكل متعمد، بل يترك المشاهد يحفر ببطء إلى داخل عالمه، ويتمهل قبل أن يغمرك في عالمه ويكشف لك دواخل شخصياته الصموتة والمضطربة.

القوة التعبيرية للصورة السينمائية

العتمة التي تسيطر على كادرات الفيلم في البداية
إضاءة دافئة وحميمية تناسب الحب المتنامي بين الشخصيتين
كادر مغمور بالأزرق بالإضافة للمسافة بين الشخصيتين داخل الكادر في بداية العلاقة

يحاول “فرانسيس لي” التعبير عن أفكاره وطبيعة شخصياته ونوازعها فقط عن طريق الصورة دون اللجوء إلى الحوار، وذلك عبر سينماتوجرافي قاتم، بارد، ومتقشف.. حتى تبدأ قصة الحب في التطور فتُضاء الصور على نحو دافئ.

اللقطات القريبة على يدي “ماري”، والتي تحمل أثر سنوات من العمل اليدوي الشاق، والأخرى على قسمات وجهها الصارمة والمتعبة مع خطوط الزمن، لقطات تعبر دون حاجة إلى الكلمات عن حياة ممتدة من الكد والقليل من الاعتراف بها كعالمة حفريات.

يعتمد “فرانسيس لي” على بلاغة التعبير البصري منذ المشهد الافتتاحي للفيلم ليكشف لنا مضمون فيلمه، إذ نشاهد مجموعة من العاملين بالمتحف البريطاني يحملون تلك الحفرية، التي اكتشفتها “ماري”، إلى حيث مكان العرض، ثم يقومون بنزعة البطاقة التي تشير إلى “ماري” كمُكتشفة، وتعليق بطاقة أخرى تحمل اسم من تبرع بها للمتحف.

المرأة التي تم إبعادها في الواقع عن المشهد كضحية لمجتمع بطريركي وطبقي يضعها “فرانسيس لي” في قلب الصورة خلال فيلمه، إذ جعلها بطلته.

يعبر “فرانسيس” بديكور البيت الخانق، الذي تسكنه “ماري”، وإضاءته الأقرب إلى الظلام، عن أي حياة تلك التي تعيشها “ماري”، مستخدما كاميرا حرة تعكس في انسيابيتها وتوترها حركة المشاعر الداخلية.

يجعلنا “فرانسيس لي” نرى بداية العلاقة بين “ماري” و”شارلوت”، والتنافر بينهما ثم تطور العلاقة نحو الانفتاح والحميمية عن طريق اللون والإضاءة ووضع الشخصيات والمسافة بينها داخل الكادر.. يتصاعد التوتر الجنسي بينهما كادرا بعد آخر فتتلاشى المسافة بين الشخصيتين.

تسيطر العتمة على الكادرات في البداية كما يغمرها أزرق الوحدة البارد قبل أن تشتد إضاءة الكادرات مع تطور العلاقة وتصطبغ بالأصفر.

تقدم بطلتا الفيلم، تحت إدارة “فرانسيس لي”، واحدا من أفضل أداءاتهما، خاصة “كيت وينسلت”، التي تمنحنا أفضل أداء قدمته في العقد الأخير من مسيرتها، أداء مكتوم وشديد الانضباط ونابع من طبيعة الشخصية التي تجسدها، إذ تُوحي أكثر مما تصرّح، فقط عبر ما هو جسدي: إيماءات وحركات الجسد مع ومضات ونظرات عينيها المعبرتين.

في بيت “ماري”، رغم ضيقه، كان هناك متسع للحب المولود بين امرأتين من طبقتين مختلفتين، لكن في زيارة “ماري” لها في لندن بعد رحيلها عن “لايم” تستفيق طبقية “شارلوت”، تتغير الأدوار داخل العلاقة فتبدأ “شارلوت” في التخطيط لحياة “ماري” دون حتى أن تستشيرها.

مشهد لماري وشارلوت في الفيلم

في المشهد الأخير تقف المرأتان على جانبي صندوق عرض زجاجي يحوى أحد اكتشافات “ماري” في المتحف البريطاني.. تحدق كل منهما في الأخرى من خلف زجاج.. لقد صار هناك حاجز ما يفصلهما.. يتركنا المخرج نكتب نهاية قصة الحب بأيدينا، إذ ينتهي الفيلم هنا مع هذه النظرات المعلقة بين “ماري” و”شارلوت”.

البعد التعبيري لشريط الصوت

كثيرا ما يتم ابتذال مقولة “السينما صورة”، وهي عبارة قاصرة على كل حال، إذ تتجاهل عنصر الصوت وقوته التعبيرية.. قليل هم المخرجون الذين يمتلك القدرة على استغلال الإمكانيات التعبيرية لشريط الصوت السينمائي بطريقة ذكية، خاصة إذا كانت الشخصيات صامتة أو لا تجيد التعبير عن نفسها وعواطفها.

يولي “فرانسيس لي” أهمية خاصة لشريط الصوت في فيلمه، إذ يخلق عبر الصوت بُعدا تعبيريا إضافيا ونوعا من التآلف بين الصور المرئية والصور الصوتية.

نجد دوما صوت البحر حاضرا على شريط الصوت باعتباره جزءًا من المحيط المكاني، وكذلك للتعبير عن الحالة النفسية لشخصياته المضطربة.

في اللقاء الأول بين “ماري” و”شارلوت” على الشاطئ نجد صوت البحر أعلى من الطبيعي، ويغطي على حوارهما أحيانا، كأنه صوت اصضرابهما الداخلي الذي يمنع تواصلهما.

في المشهد، الذي يلي فراق “ماري” لـ”شارلوت”، بعد أن بدأ الحب بينهما، يسحب المخرج صوت البحر من شريط الصوت، وحين نشاهدها تصعد إلى غرفتها لا نسمع سوى وقع قدميها، إنها الآن غارقة في حزنها وقد بدأ العالم بأصواته في التلاشي من حولها.. الصمت هنا أبلغ تعبير عن الغياب والوحدة.. يتآلف الصوت في فيلم “فرانسيس لي” مع الإيقاع النفسي للصورة.

في بداية تعرفنا إلى “شارلوت” نشاهدها على سريرها، بينما يبدل الزوج ثيابه.. نسمع في شريط الصوت هدير الرياح في الخارج ثم صراخ حيوان، هذه الأصوات تعكس فزعها وألمها، تقترب “شارلوت” من زوجها، فيخبرها بجفاء صادم: ليس هذا الوقت هو المناسب لإنجاب طفل آخر، ثم يدير لها ظهره.

يقتصد المخرج في استخدام الموسيقى، معتمدا أكثر على الأصوات الطبيعية القادمة من المحيط، بينما يربط الموسيقى حصريا بالعلاقة بين “ماري” و”شارلوت” وتطورها نحو الحب: خافتة ومجزأة ثم مكتملة.

ماري في المتحف البريطاني

أثناء زيارة “ماري” المتحف البريطاني تتوقف أمام حائط بورتريهات لرجال مهمين ومؤثرين ورواد، تأتي وقفتها داخل إطار أحد البورتريهات، وتحين منها التفاتة للخلف، فيبدو كأنه البورتريه الخاص بها والذي تستحقه.. بورتريه حزين لامرأة استثنائية.

أحمد عزت

كاتب سينمائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى