ثقافة وفن

فيلم “beginning”: ثورة تتراكم ببطء داخل امرأة مقموعة

يبدأ فيلم “بداية” beginning، العمل الأول للمخرجة الجورجية ديا كولومبيجيشافيلي، الصادر في 2020 وعُرض ضمن بانوراما الفيلم الأوروبي بسينما “زاوية” في إبريل الحالي، بلقطة 8 دقائق دون قطع: كاميرا ثابتة تظهر دار عبادة صغيرة يتلو بها رجل دين خطبة على الكبار والصغار من سكان القرية عن إيمان النبي إبراهيم وقصة الذبيح.

يستمر المشهد في هدوء مطمئن حتى يكسر ذلك الهدوء حدث خارج الشاشة الصغيرة المربعة، يُلقي أحدهم زجاجة مولوتوف ويغلق الباب خلفه، لا نَرى من الفاعل، لكننا نعايش اللحظة في الحيز الضيق والفترة الزمنية نفسها التي تعايش فيها الشخصيات الحدث.

يرى المخرج النمساوي مايكل هانكه وقبله الكثيرون من منظّري وصانعي السينما أن اللقطة الطويلة تحمل أكبر قدر من الصدق والوضوح لأنها تتجنب التلاعب بزمن المشهد، وبالتالي زمن التلقي، فتقع الأحداث داخل مساحة محددة من الوقت أمام أعيننا، لكن ما تتبعه “ديا” في فيلمها الأول beginning، يعتمد على كثير من الإخفاء المتعمد، بجانب المصداقية، في تناول الزمن، فهي تستخدم لقطات طويلة متتابعة لكنها تحرك الكاميرا بشكل محدود، ما يحد من مساحة تحكم الشخصيات فيما يقع خارج الإطار وبالتالي مدى معرفة المتلقي.

 

يحكي فيلم beginning قصة أسرة في بلدة صغيرة في جورجيا، يتولى “ديفد”، الزوج، إدارة دار عبادة لطائفة “شهود يهوه” التي تعاديها طوائف مسيحية أخرى في البلدة نفسها، تساعده زوجته “يانا” في إدارة الدار وتعليم الأطفال، كما تعتني بطفلها في المنزل.

يختار الفيلم أن تكون الواقعة الأولى المحفزة للأحداث في مشهد البداية، حريقا تسببت به جماعة من المتطرفين، يُرسي الحدث لتوقُّع مبدئي بأن يكون الفيلم حلا لذلك اللغز ومحاولة فهم تلك الديناميكية الدينية والاجتماعية المعقدة قبل أن يتحول الصوت السردي الرئيسي إلى “يانا”، زوجة “ديفد”، رجل الدين.. يترك الفيلم الطريق الأكثر أمانا وطرْقا لصالح البحث في دواخل شخصية من المفترض أن تكون هامشية.

الخيارات الجمالية موضوعية في Beginning

Beginning
Beginning

تلخيص فرضية فيلم beginning منفصل تماما عن اختبار مشاهدته، يمكن ببساطة القول إنه فيلم عن امرأة مقموعة تحت سلسلة متشابكة من السلطات الدينية والأبوية تحاول الفرار من عالمها الضيق وتستكشف رغباتها ومخاوفها، لكن الفيلم لا يقدم إجابات، أو أسئلة، سهلة، ويلتزم بجمالية صارمة طيلة مدته الزمنية.

يتألف معظم beginning من لقطات طويلة بعضها صعب المشاهدة، سواء بسبب العنف أو السكون الطويل المربك، كما أن “ديا” ومدير تصويرها “أرسيني كاشاتوران” اختارا تصويره في “إطار مربع” على فيلم خام يعطي تلك القرية المتخلفة عن الحضارة، والحرية التي تطمح لها “يانا”، طابع أقدم مما هي عليه.

تدور أحداث beginning في الحاضر.. لا شئ يخبرنا عكس ذلك، أو ربما تدور في زمن مُجهَّل.. تسهم جودة الصورة وطبيعة الفيلم النوستالجية في ترسيخ ذلك الشعور. كما أن “الإطار المربع” الذي يحدد الصورة ويخفي عنا الرؤية البانورامية السينمائية المرتبطة بتطور الوسيط يعطي فرصة لانتقاء المعلومة المعروضة مما يُثقل القيمة التشويقية التي تلامس الرعب قليلاً في بعض الأحيان.

تستدعي الخيارات البصرية والجمالية أفلام سابقة لمخرجين شهيرين مثل نوري بيلجي جيلان وأندريه تاركوفسكي وغيرهما، لكن تلك الخيارات لا تعمل كإحالات تعبر عن الثقافة السينمائية أو التأثر بأساليب السابقين، بل تعمل كأدوات موضوعية متعلقة بشكل كامل بالقصة التي اختارت “ديا” أن تحكيها، فيصعب فصلها أو تصور الفيلم بدونها. لا تجعل تلك الخيارات من beginning فيلما يسهل مشاهدته لكنها تجعله كلا متماسكا ينتمي إلى وسيط السينما بشكل حصري ويصعب وصفه بالكتابة على سبيل المثال.

مشهد حرق الدار في فيلم beginning
مشهد حرق الدار في فيلم beginning

بعدما حُرقت الدار اختفى الزوج من مركز الرؤية، في رحلةٍ لتأمين دار جديدة ومكسب أكبر لكي يلبي لزوجته طلبها المُلِّح: أن تهرب. في الحوار الأخير قبل غياب الزوج واحتلال الزوجة دور البطل الرئيسي على الشاشة نعلم أنها تخلت عن شغفها وهو التمثيل لكي تساعد “ديفد” في إدارة أمور المُصلىَ والأطفال، لكنها ليست راضية أو متحققة في دورها، هي في انتظار بداية شئ ما أو نهايته كما تشرح بصوت متهدج من الدموع المكتومة، يتأفف الزوج من الشكاوى المتكررة في وقت لا يراه مناسباً، تعده هي أن تدعمه في محنته ثم نرى بقية الفيلم بعينها.

التركيز على القابع في الخلفية

تتألف حياة “يانا” من مجموعة من اللقطات الرتيبة والمتكررة، نبدأ في اختبارها بعدما يوهمنا مشهد البداية أننا على وشك مشاهدة حكاية تشويقية عمن يتوسطون الحكايات عادة، الزوج والمحقق ورجال الدين، لكن عوضاً عن ذلك نتبع الزوجة التي لا تملك حياتها الكثير من المشاهد “السينمائية”: يوميات تتكون من تلقين الدروس الدينية على الأطفال، الاعتناء بولدها وتوصيله من وإلى المدرسة، لكن يكسر تلك الرتابة قدوم محقق إلى منزلها بخصوص الحريق ويبدأ في مضايقتها بحديث جنسي غير مُرحّب به.

طيلة ذلك المشهد، وهو الحدث المحفز الرئيسي في الفيلم، تختار الكاميرا الثبات في لقطة طويلة ناحية “يانا”. نرى كيف ترد بدفاعية ثم تتغير ردودها بدافع الخوف أحياناً والرغبة في الاستكشاف أحيان أخرى. بعد ذلك الحادث المربك يزداد اضطراب “يانا” ويزداد غموض الفيلم، يصعب تحديد ما إذا كانت تمر بصدمة نتيجة التعدي الذي تعرضت له أم تفكر في استكشاف جانب جنساني مازوخي داخلها حسب كلمات مخرجة الفيلم، تتوجه للشرطة التي تظهر في الفيلم كعامل سلبي بشكل كامل، لا تحقق بجدية في حريق المصلى ولا تملك نظام حقيقي لتقديم البلاغات، تتراجع عن الإبلاغ ربما بدافع الخوف وربما بدافع الفضول أيضاً.

تقضي “يانا” أياماً هائمة في بلدتها الخانقة التي تحيطها الطبيعة الجميلة، يتم تأطير تلك المناظر الطبيعية بشكل يجعل منها مهرَب وسجن في الآن ذاته، فهي محدودة بحجم الإطار، لا تملك الضخامة التي يتم بها تصوير الطبيعة عادةً، كما أنها تشهد على أكثر مشاهد الفيلم قسوة وعدائية دون مبالاة، ودون أن يشارك جمالها في التخفيف عن العناصر التي تسكنها.

يتحرك beginning في المساحة التي تتحرك بها “يانا” بين الخارج والداخل وفي كليهما ينتفي أي شعور بالأمن: كل المساحات خانقة، وعلى الحافة يقع مجهول لا نُدرك، ولا تدرك هي، حجم خطره، لكن الفيلم يفرد لشخصيته حرية التواجد على الشاشة حتى في اللحظات التي لا تملك قيمة محركة للأحداث.

زمن ومساحة النساء في Beginning

المشهد الأخير في "جان ديلمان" لشانتال أكرمان 1975
المشهد الأخير في “جان ديلمان” لشانتال أكرمان 1975

“هناك تراتبية هرمية للصور تضع مشهد حادث سيارة أو مشهد قبلة في ترتيب أعلى من مشهد للاغتسال على سبيل المثال”.. شانتال أكرمان

في عام 1975 صنعت المخرجة البلجيكية شانتال اكرمان فيلماً عنوانه المختصر “جان ديلمان” jeanne deilman مدته تقارب الثلاث ساعات، تتألف أحداثه من مشاهد طويلة متكررة من العمل المنزلي: روتين منظم صارم ويومي، شراء الاحتياجات، تحضير الطعام، تنظيف الأسطح. لا يقطع هدوء تلك اللقطات الطويلة شئ أكثر إثارة أو قدرة على الجذب لأنها لا تستخدم تلك الأفعال كفواصل بين الأحداث المهمة أو الكبيرة، بل تعتبر تلك التفاصيل المتماثلة هي الأحداث نفسها.

بالمعنى نفسه، ما يجعل من فيلم beginning تجربة مشاهدة صعبة النسيان هو التركيز لفترات طويلة على ما لا نراه عادة، نمضي ما يقارب 5 دقائق نشاهد امرأة ممدة على أرض عشبية رطبة، ساكنة تماماً دون حراك إلا من قلق ابنها ومنادته لها، تدّعي “يانا” الموت ربما لرغبتها به لكنها أيضاً بشكل ما تحاول الامتزاج مع ساكن آخر، أن تكون جزء من حياة غير حياتها.

الطبيعة في beginning، رغم حضورها المتكرر والمحوري في الأحداث، عنصر سلبي تماماً؛ تتعرض “يانا” لاعتداء جنسي عنيف نراه عن بُعد لا يشي جسدها به، ولسنا على مسافة كافية للانغماس في تلك المعاناة، يحدث ذلك في الخارج بين الأعشاب والزهور الملونة، وصوت المياه المتعالي شاهد لا يحرك ساكناً.

تصمم “ديا” تراتبية خاصة بها فيما تختار إظهاره على الشاشة ولأي مدة، حتى تصل إلى مشهد ذروة يستدعي شخصية “جان ديلمان” ذاتها في جلستها وتحضيرها المتأني للطعام، بل ونيتها المُضمرة بارتكاب فعل عنف يحررها ويجعل منها شخصية إنجيلية غامضة، لعل غضبها أن يحفز تلك الطبيعة المحايدة على التصرف والانتقام.

لا يُظهر الفيلم قمعاً ذكورياً مباشراً إلا في مشاهد العنف الجنسي. عدا ذلك فإن القمع مُضمّن في الثقافة اللا واعية للأشخاص الحاملين المفترضين له؛ فـ”ديفد” ليس زوجاً عنيفاً بل إنه يَعِد زوجته بأنه سوف يخرجها من حياتها الرتيبة لمكان أكثر براحاً.

في أحد المشاهد تزور “يانا” والدتها وأختها الأم الحديثة، يُلمِّح الحديث الدائر بأن أبيها لم يكن شخصاً جيداً. لا نعلم لماذا بالتحديد، لكن والدة “يانا” لا تحبِّذ الحديث عنه. نعلم أيضاً أن أختها المراهقة “أم عزباء” single mother لأن والد الطفل لا يهتم بوجوده. فلا يعتمد الفيلم نقداً نسوياً مباشراً، لكنه يسرد سلسلة من الإحباطات المتتالية التي تؤدي في النهاية إلى ثورة داخلية يصعب كبحها، ولكي يصل إليها يتأرجح بين لحظات من السكينة التامة ولحظات من الانفجار اللحظي الداخلي والخارجي.

آخر ظهور لشخصية يانا في beginning
آخر ظهور لشخصية يانا في beginning

مثل “جان” في jeanne deilman تتمثل معاناة “يانا” الحقيقية في لعبها دوراً لم تختره في الحياة، تخدم طفلها وزوجها، وبالتبعية تخضع لسلطة دينية صارمة، تُخرِج “ديا” شخصيتها الأساسية كامرأة حرة من إطار الأم النمطية التي تتناسى هويتها بالكامل لصالح أبنائها، لا تُظهر عداءً واضحاً تجاه دورها كأم، لكن مشهد سكونها في الغابة يخبرنا بما يجب أن نعرفه: لا يوجد مهرب من الدور المفروض إلا بتضحية أسطورية كبرى، لا تنبع عن إيمان مثل تضحية النبي “إبراهيم” بابنه “إسماعيل” لكن إلى مهرب راديكالي من حياة لا رغبة حقيقة لها في عيشها.

تنفذ “يانا” تضحيتها، وتجلس متأملة مثل “جان” بعد تنفيذ انتقامها الأخير، تلك هي آخر صورة نراها لها، لكن beginning يترك المنظور الشخصي لحظات لينتهي بمشهد عام خاطف وغرائبي يصعب تفسيره، يمكن فقط اختباره والتفكير في معناه أو الاكتفاء بالشعور بالهيبة الأسطورية لفيلم يهدم كل توقّع جديد يتم بناؤه للاتجاه الذي سوف يأخذه في المشهد التالي.

رحمة الحداد

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى