ثقافة وفن

فيلم Berlin Alexanderplatz.. حلم شاق بأكثر من سرير وقطعة خبز

تعيّشك السينما في جلود أشخاص آخرين، وهكذا يفعل فيلم Berlin Alexanderplatz حيث ستعيش ما يزيد عن ثلاث ساعات مع شخصية كانت لتثير اهتمامك في الواقع حتى لمجرد النظر إليها.

برهان قرباني.. مخرج Berlin Alexanderplatz

تأتينا هذه النسخة بتوقيع الألماني من أصول أفغانية برهان قرباني، وهي الاقتباس الثالث لرواية ألفريد دوبلن الملحمية Berlin Alexanderplatz، الصادرة للمرة الأولى عام 1929، والتي تعد إحدى أيقونات الحداثة الأدبية في أوروبا، وعادة ما تقارن برواية عوليس جيمس جويس.

شارك دوبلن نفسه في اقتباس روايته للسينما في فيلم المخرج بيل جوتزي، الذي عرض عام 1931، ثم تأتي النسخة الأكثر شهرة وبريقًا التي أعدها فاسبندر للتليفزيون الألماني، في 15 ساعة، عام 1980.

هذه هي إذًا الحياة الثانية لفرانز بيبركوف، بطل رواية دوبلن، بعيدًا عن دفتي كتابه.

وبين دوبلن وقرباني، تتبدل شخصية فرانز من جندي الحرب العالمية الأولى الذي نجا من صدمة الحرب ثم من عناء السجن في الثمانينيات، إلى لاجئ غير شرعي، نجا من صدمة رحلته إلى أوروبا، وغَرَق زوجته.

مُطارَدًا بذكريات غرق رفيقته وبماضٍ غامض مظلم، ممزقًا بذنب نجاته دون زوجته؛ يقسم للرب في هذه اللحظة وعلى شاطئ حياة جديدة، أنه سيكون إنسانًا آخر. لكن وضعه كمهاجر غير شرعي يجعل أمر استسلامه لإغواء برلين هيّنًا. برلين التي يظهرها قرباني كبابل التوراتية؛ مدينة الغواية والخطيئة. يبتلعه عالمها السفلي. تكسره وينهض لتكسره من جديد.

تدور أغلب أحداث الفيلم في ضواحي برلين، ليلًا، حيث تشهدنا كاميرا قرباني انحطاط المدينة: الأزقة الخلفية، غاباتها الإسمنتية وسكانها من اللصوص والقوادين والعاهرات؟ العالم السري لمهمشي هذه المتروبوليس المظلمة.

أوديسا معاصرة

من الضروري التعرف على السياق التاريخي الذي ظهرت فيه كلاسيكية دوبلن. تنتمي رواية Berlin Alexanderplatz لتراث ما يسمى بجمهورية فايمار، من قلب الفترة شديدة الفوضى والاضطراب التي تلت الحرب العالمية الأولى، ومهّدت لوصول النازية إلى السلطة.

كان التحدي أمام قرباني بلا شك هو كيف تجعل رواية كهذه ذات صلة بعالم اليوم، بألمانيا المعاصرة الواثقة من نفسها. تبدو رواية دوبلن، رغم سياقها الزمني، تتجاوز هذا الزمن. كان فرانز، كما كتبه دوبلن، يعيش اغترابًا عميقًا في برلين آنذاك، وهو ما يسمح لفرانز/فرانسيس قرباني، أن يأتي من خارج المجتمع، كغريب في أرض غريبة بلا لغة أو عائلة.

يُبقي قرباني على جوهر الرواية: رجل يريد أن يكون صالحًا يتوق لحياة طبيعية، حياة أكثر من سرير وقطعة خبز بالزبدة. يشق فرانسيس طريقه إلى الحياة الجديدة بين ملاك وشيطان.

ميتزه، الملاك الذي سيلقاه في منتصف الطريق، لكنه يصحبنا منذ البداية على شكل تعليق صوتي ينقل لنا أشواق فرانسيس، ويعرفنا على حيل رينهارت شيطانه المغوي. هذا المثلث الميثولوجي/الدرامي يُشكِّل إلى حد بعيد ثقل فيلم قرباني الذي يمتد لأكثر من ثلاث ساعات.

فرانز وميتزه ملاكه الحارس
فرانز وميتزه ملاكه الحارس

يخلق قرباني من نص دوبلن أوديسا معاصرة، يبحث فيها فرانسيس عن وطن يعيش فيه كإنسان. يقول فرانسيس لشيطانه رينهارت: “لقد عشت طوال حياتي كلاجئ”.

فرانز ورينهارت شيطانه المغوي
فرانز ورينهارت شيطانه المغوي

نحن أيضا أمام فاوست يبيع روحه للشيطان/رينهارت، ليس من أجل السعادة أو المعرفة، بل من أجل جواز سفر ألماني، تذكرة عبوره لما يسميه رينهارت: “الحياة الطيبة للبشر العاديين”. ومن أجل ذلك يبدأ عمله معه في تجارة المخدرات.

الفيلم مشغول بمسار الشخصية الرئيسية بين السقوط والصعود مجددًا، بين المقاومة والاستسلام لغواية الشر.

هارمونية الشكل والمضمون

“يعتبر المحتوى دون شكل، استخلاصًا ليس له وجود”، هارولد أوسبورن، ناقد بريطاني

ما يحاول الاقتباس السابق الإشارة إليه، هو أنه لا يمكن فصل الموضوع عن الشكل من ناحية القيمة الفنية، فالشكل هو أداة الموضوع والمعبر عنه، ولا بد من وجود وحدة عضوية بين الشكل والموضوع. تحقيق هذا التآلف بينهما هو الأساس الذي يصير به أي عمل فني جميلًا.

تتحقق هنا في فيلم قرباني، هارمونية الشكل والمضمون، فمنذ اللحظة الأولى، عبر كادر مقلوب وإضاءة تعبيرية بأحمر يغمر الشاشة، يمسك قرباني بروح هذه اللحظة، حيث انقلاب عالم فرانسيس وفقْد زوجته. لكن هذا الوضع المقلوب أيضًا كوضع الجنين عند الولادة، يؤسس للحظة الميلاد الجديد.

لقطة الفيلم الافتتاحية بكادرها المقلوب ولونها التعبيري
لقطة الفيلم الافتتاحية بكادرها المقلوب ولونها التعبيري

يلجأ قرباني إلى كاميرا شديدة الديناميكية، ترافق فرانسيس دائمًا، تدور حوله وتهرع باتجاهه كأنه قطبها الجاذب. يحاول أيضًا أن يعبّر عبر حركة الكاميرا وخيارات الصورة عن الحالة الذهنية لفرانسيس، ففي تتابع الصور الذي يلي انفجاره الغاضب واعتداءه بالضرب على زميله في العمل، نلمس في حركة الكاميرا المتوترة وتضبيب المدينة من حوله أحاسيس القلق والضياع التي تعتريه في هذه اللحظة.

يحاول قرباني أن يقترب من تعقيد الرواية بمشهدية فيلمه ذات التعقيد، مع تعدد الأصوات والمستويات الذي فتنه من البداية. يمزج خلال المشهد التعليق الصوتي الآتي من خارج الكادر، مع تكوينات إضاءة وألوان تعكس في بطله، بالإضافة للمزج والنقلات المونتاجية التي تثري مشهديته.

ينجح قرباني في خلق العديد من الموتيفات البصرية عبر مسار السرد، مثل ذلك الثور الأسود الذي يتكرر ظهوره مرارًا، والذي يمثل الشر الذي يحاول فرانسيس هزيمته أو مراوغته.

الثور/ الشر الذي يواجهه فرانز عند كل منعطف في حكايته
الثور/ الشر الذي يواجهه فرانز عند كل منعطف في حكايته

في بداية الرحلة وقبل الاستسلام للغواية، نرى فرانسيس ممسكًا بسيفه في مواجهة الثور. يُربط بين رينهارت وبين الثور، ففي شقته هناك قرنا ثور معلقان على حائطه، وفي إحدى اللقطات يبدوان كقرنيه. حين يهزمه رينهارت، يحل محل الثور داخل الصورة، وتتبدل الأماكن فنراه يضع السيف على رقبة فرانسيس.

قرني الثور في شقة رينهارت وخلف رأسه من أجل الربط بينه وبين الثور الذي يصارعه فرانز
قرني الثور في شقة رينهارت وخلف رأسه من أجل الربط بينه وبين الثور الذي يصارعه فرانز

تبدو رحلة فرانسيس في الفيلم، والمقسمة إلى خمسة أجزاء وخاتمة، كقدر يظل خلاله عالقًا بين تروس آلة المصير دون قدرة على الفكاك، لذلك يكثر قرباني من استخدام لقطات “عين الإله” أو “God’s eye view” في المشاهد المفصلية في مسار رحلته، تعبيرًا عن ضآلته أمام قوة القدر، أو أن رغبته المظلمة أشد سطوة من طيبة نواياه، إذا قرأنا القدر كمقولة سيكولوجية.

لقطات عين الاله التي يستخدمها قرباني
لقطات عين الاله التي يستخدمها قرباني

استطاع “قرباني” بتمكنه من أدواته السردية والإخراجية، خلق معالجة شديدة المعاصرة لرواية دوبلن، دون أن يفقد النص الأصلي جوهره وأسئلته وتعقيده الخصب. كما نجح بالرغم من الامتداد الزمني المرهق لفيلمه، أن يشحن كل مشهد بنوع من الحسية الخاصة.

قلقٌ في مرآة المجتمع الألماني

يرى الناقد السينمائي وعالم الاجتماع الألماني سيجفريد كراكاور، أن الأفلام هي مرآة للمجتمع المسيطر، واصفًا الصور السينمائية بالدلائل المشفرة لروح مجتمع ما، ومدخل مباشر إلى الحالة الجوهرية للأشياء.

قبل عامين صنع المخرج الألماني كريستيان بيتزولد فيلمه “transit” المقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتبة آنا سيجرز، والصادرة منتصف أربعينيات القرن الماضي، ناقلًا أحداثها إلى الوقت الحاضر، حيث يحاول مجموعة من اللاجئين الفرار أمام صعود جديد لفاشية تجتاح أوروبا.

هنا أيضًا ينقل قرباني رواية دوبلن، عن برلين التي تستعد لصعود النازي. لا نعتقد أن الأمر من قبيل المصادفة، فهناك استشعار لقلق ما يتسلل إلى المشاهد عبر هذه السرديات، مثلما نجد انشغالًا واضحًا من المجتمع الألماني بشأن موضوع اللاجئين.

وُصفت رواية دوبلن بأنها عن عبثية الطموح الأخلاقي والحلم في السنوات الأولى من جمهورية فيمار، عن نوع من العمى وعن ضحايا يسلمون أنفسهم طواعية للجلاد. لا تزال سردية دوبلن في نسختها السينمائية الأحدث، وبعد مرور قرن من الزمن، تدور في فلك نفس المعنى، مثيرة الكثير من القلق والأسئلة بشأن القادم.

أحمد عزت

كاتب سينمائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى