ثقافة وفن

فيلم Minari.. عن آباء يخفقون دائماً

حينما قرر المخرج “لي إيزك تشانج” ترك دراسة الطب والتوجه لصناعة الأفلام، لم يخطر بباله أنه سيقدم يومًا فيلمًا عن أسرته الكورية التي هاجرت في سبعينيات القرن الماضي إلى أمريكا بحثًا عن حياة أفضل.

لكن تغير كل شيء عندما أصبح أبًا، وبدأ يتذكر نفسه عندما كان في عمر ابنته ذات السبع سنوات، حيث توالت الأحداث في ذاكرته، ليستحضر مرحلة الطفولة وسنواته الأولى في الحياة، فأخذ يدونها بشكل تفصيلي.

كانت هذه نواة لفيلمه الروائي الرابع Minari الذي يسرد قصة تتجاوز كونها مستوحاة من تجربة شخصية لتعبر عن مشاعر إنسانية يتماهى معها المُشاهد بسهولة ويتأثر بها.

اختار “تشانج” أن تركز أحداث الفيلم على فترة انتقال أسرته إلى أرض معزولة في ولاية أركنسا بعد سنوات من العيش في كاليفورنيا، انصياعاً لإرادة الأب الذي يحلم بإنشاء مزرعة للخضراوات الكورية، لتمنحه النجاح المعنوي والمادي.

هذه البداية الجديدة تضع الأسرة الصغيرة في مواجهة صعوبات توتر أحوالها وتختبر مدى ترابط أفرادها وقدراتهم على التكيف مع البلد الذي اتخذوه وطنًا ثانيًا، ولكن دون إشاعة أجواء ميلودرامية، وإنما بالاعتماد على أسلوب يحتفي بالأشياء البسيطة والتفاصيل اليومية التي تكون كوميدية أحيانًا.

لقطة من فيلم Minari

بين الحلم والحقيقة

في أحد المشاهد، يقول الطفل، الذي يبلل فراشه ليلًا، إنه يحلم بقضاء حاجته في الحمام، لكن في الصبح يكتشف أنه متوهم، فتخبره والدته أن عليه سؤال نفسه قبل التبول: هل هذا حلم أم حقيقة، ثم يقرص خدّيه ليتأكد من الأمر.

يبدو الأمر بسيطًا عند إرشاد الصغير عن الفرق بين ما يتخيله وما يفعله في الواقع، لكنها تعجز عن إيضاح نفس النقطة لزوجها الذي يؤمن بحقيقة الحلم الأمريكي وعلى استعداد للتضحية بالكثير من أجله.

تعد المزرعة هي الأمل الأخير الذي يتعلق به الرجل قبل الانهيار تمامًا، فقد سافر إلى أرض الأحلام طامحًا في تأسيس حياة سعيدة مع زوجته، لكن انتهى بهما الحال يعملان في وظيفة مملة تتطلب فرز الكتاكيت حتى يتم الاستفادة بالإناث والتخلص من الذكور.

تلتصق صورة الدخان المتصاعد إثر حرق الكتاكيت، في ذهنه، ويصبح قلقًا من أن يكون مصيره مثلها إذا لم يحقق شيئًا يثبت جدواه.

بينما ترى زوجته أن هناك مسافة هائلة بين الأمنيات والواقع، بين ما يريده المرء وما يصل إليه في النهاية، لذلك، فهي لا تشاركه نفس الحلم ويزداد حنقها عليه كلما رأته يتخذ قرارًا يضع فيه حلمه قبل عائلته.

تضطرب علاقتهما وتصبح مثل الطبيعة التي تكون رائقة أحيانًا مثلما يراها هو، لكنها فجأة تتوحش وتهدد بإعصار مخيف يفزع الزوجة الكارهة بالأساس للحياة الريفية.

كما يتحول بيتهما المتنقل على عجلات إلى دلالة واضحة على مستقبلهما غير المستقر، وغياب الشعور بالأمان، سواء مع بعضهما أو في أمريكا بشكل عام.

مشهد من الفيلم

هوية مأزومة واغتراب مزمن

لم أشعر يومًا بأنني أمريكي تمامًا، نشأت في ولاية أركنسا، حيث لم يكن هناك آسيويون ولا أقليات.. دائما يوجد ما يذكرني بعدم انتمائي. يتكرر الأمر نفسه عندما أذهب إلى كوريا، أشعر باستمرار أنني لست كوريا”.

يتحدث تشانج عن أزمة الهوية التي أرهقته طوال حياته، في مقابلة عقب عرض فيلمه الأول Munyurangabo الذي تدور أحداثه حول مراهقين روانديين يختبران صداقتهما في بلد مزقته الصراعات القبلية، ولا يزال يحاول تشكيل هوية جديدة تحتضن الجميع.

في فيلمه الجديد، تصبح ثنائية الهوية والاغتراب حاضرة بقوة في حياة العائلة التي يسعى رجلها إلى زراعة جذوره في أرض أجنبية، مدفوعاً بالرغبة في العيش على النمط الأمريكي بكافة امتيازاته دون التخلي عن كوريته.

ينعكس ذلك على ابنه الصغير الذي يعد تجسيدًا للمخرج على الشاشة وتقدم غالبية الأحداث من وجهة نظره، فهو لم يزُر كوريا قط، لكنه نشأ وسط عائلة تتحدث اللغة الأم داخل البيت، وتتناول أطعمتها الشهيرة، وتتمسك ببعض عاداتها الكورية.

ومع ذلك، يبدو متحمسًا أكثر لحياته الأمريكية الواعدة وناقمًا على جدته التي وصلت إلى بيتهم الجديد محملة برائحة كوريا، ولا تتماشى مع الصورة النمطية للجدات التي حفرها التليفزيون في عقله عن شكل الحياة الأمريكي.

في المقابل، تبدو الجدة الأكثر قدرة على التأقلم مع البيئة الجديدة، بل إنها تمتلك الحل السحري للتعايش في بلد المهجر، فقد جاءت من كوريا وبحوزتها بذور أعشاب “الميناري” التي تصفها بأنها تنمو في أي مكان وتنتشر مثل الحشائش، ليستمتع بها الجميع دون فرق، سواء كطعام شهي أو دواء شافٍ.

بعد موسمه الأول يموت “الميناري”، ثم يعود مرة ثانية أكثر قوة ونضجًا، وينقي الماء والتربة من حوله.. المرونة التي يتميز بها هذا العشب هي ما يحتاجه المهاجر لتأسيس حياة في أرض غريبة، والوقت الذي يستغرقه للنمو يحمل دلالة على أهمية المثابرة والصمود أمام الاختبارات.

المفارقة أن أزمة الهوية ليست قاصرة على أحداث الفيلم، بل تلاحق “تشانج” خارجه.. فهناك حالة من الجدل مثارة في هوليوود بسبب الحيرة في تصنيفه بين فئتي أفضل فيلم وأفضل فيلم ناطق بلغة أجنبية ضمن ترشيحات جوائز الجولدن جلوب لهذا العام، نظراً لأن غالبية الحوار باللغة الكورية وليست بالإنجليزية.

لكن من ناحية أخرى، كان لهذا الزخم تأثير إيجابي على جذب الانتباه للفيلم الذي لم يحظ باهتمام منذ فوزه بجائزتي لجنة التحكيم والجمهور من مهرجان “صاندانس” السينمائي العام الماضي.

فيلم shoplifters

العائلة في أفلام المهاجرين

ربما يظهر تأثير السينما الشرق آسيوية على “تشانج”، فهو بالأساس ينتمي إليها بجذوره، بل من المنطقي أن يحدث ربط بين فيلمه الجديد وبين أعمال سينمائية متميزة أُنتجت في السنوات الأخيرة عن سرديات عائلية مثل shoplifters لهيروكازو كوريدا وparasite لبونج جون هو، ومع ذلك، فإن الفيلم يتقاطع مع نوعية أخرى من الأفلام أخرجها آسيويون أمريكيون.

فيُعتبر فيلم The Joy Luck Club لواين وانج، واحدًا من أشهر الأفلام التي تتناول قصص المهاجرين الآسيويين الذين حلموا بتقديم حياة أجمل لأبنائهم واصطدموا بالواقع المؤلم.

وتدور أحداثه حول أربع نساء هربن من حياتهن البائسة في الصين طامحات في أن يوفرن لبناتهن جميع الامتيازات التي حُرمن منها. لكن خططهن لا تسير على نحو جيد مع تمرد الفتيات وإخفاقهن في تحقيق ما تطلعت إليه الأمهات.. يصبح الحلم الأمريكي بمفهومه التقليدي وهمًا، لكن الشيء الوحيد الباقي هو حرية الفرد في التجريب والاختيار.

مشهد من الفيلم

لكن لا يكتفي “تشانج” بالتعرض إلى كفاح الآباء المهاجرين وسعيهم الدؤوب للنجاح من أجل أبنائهم، وإنما يصب اهتمامه على الأزمة الأخلاقية التي يواجها هؤلاء الآباء حينما يُخيَّرون بين أحلامهم وعائلاتهم.

يتماس ذلك مع النظرة التي يقدمها فيلم The Farewell، للمخرجة لولو وانج، عن المجتمع الأمريكي وقيمه العائلية، حيث يميل الفرد إلى الأنانية في قراراته ويختار ما يتوافق فقط مع مصلحته الخاصة، بصرف النظر عن الجماعة، على عكس الشرقيين الذين يضعون العائلة في مقدمة الأولويات.

ينتصر Minari في النهاية للعائلة وقدرتها على مساندة أفرادها في الأزمات التي تعصف بحياتهم، حيث لا سبيل لتجاوز الإخفاقات المتكررة والأحلام الضائعة سوى بالاحتماء بدفئها، لكن ذلك لا يمكن تحقيقه سوى بالتغاضي عن نقاط الخلاف والمسامحة في أخطاء الماضي.

أمل مجدي

صحفية مصرية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى