ثقافة وفن

فيلم Never Gonna Snow Again: هجاء لمدن الأثرياء الجدد

نامي، أنا معالجك، أزيل ألمك ومعاناتك.. مرضك مثل تيار أسود يتدفق من قدميك عبر جسدك ورأسك إلى يدي.. خذي نفسا عميقا، ومع الزفير تصيرين أكثر خفة كحفنة من غبار“.. يلقي جينيا أليك جولتوف هذه الكلمات، الأشبه بتعويذة، على عملائه ضمن أحداث فيلم “لن يهطل الثلج ثانيةSniegu juz nigdy nie bedzie الصادر في 2020 والذي عُرض ضمن بانوراما الفيلم الأوروبي بسينما “زاوية” 10 أبريل الحالي.

“جينيا” مُدلِّك أوكراني غامض ذو قدرات خاصة يقدم خدماته داخل مجمع سكني مسوَّر أشبه بـ”جيتو” للأثرياء الجدد في بولندا، حيث تعيش مجموعة مُحبطة من البشر عزلتها الخاصة في استياءٍ دائم، يداوون يأسهم بأي شيء: الكحول، المخدرات، التدليك والتنويم المغناطيسي.

حاملا طاولته المطوية على كتفه، يتنقل “جينيا” من باب إلى باب تحيطه أينما حل هالة من الجاذبية والغموض، بينما تُذهب أصابعه الخبيرة عناء أجسادهم المنهكة.. تذهب عيناه إلى ما وراء الجسد إلى أرواحهم المهجورة هناك.

نشاهده للمرة الأولى وهو يخطو خارج غابة غارقة في الضباب ليشق طريقه داخل المدينة الإسمنتية قبل أن يختفي أمام أعيننا في عرض سحري.

بين ظهوره واختفائه ينساب Never Gonna Snow Again كحلم ذي نبرة دستوبية واضحة تستولي على السرد.. يتزامن ظهور “جينيا” داخل المجمع السكني بشائعات عن عدم تساقط الثلج مجددا كأننا على شفا نهايةٍ ما.

Never Gonna Snow Again يعري تناقضات الطبقة الجديدة 

بيوت تبدو كنسخ مكررة لبيت واحد
بيوت تبدو كنسخ مكررة لبيت واحد
باليتة ألوان الفيلم التي يغلب عليها الرمادي والأزرق
باليتة ألوان الفيلم التي يغلب عليها الرمادي والأزرق
عزلة الشخصيات التي تتطلع للعالم دائماً من وراء زجاج
عزلة الشخصيات التي تتطلع للعالم دائماً من وراء زجاج

يقدم Never Gonna Snow Again هجاءً ساخرا لطبقة الأثرياء الجدد في بولندا.. هذه الطبقة هي وليدة السباق المحموم والشرس نحو الرأسمالية، والذي تلا سقوط الشيوعية هناك.

تنتمي المخرجة “مالجوزاتا شموفسكا” ومدير تصويرها الدائم “ميكيل إنجليرت” -يشاركها الإخراج هذه المرة- لجيل من كانوا أطفالا زمن بولندا الشيوعية، وبالتالي كان شاهدا على صعود هذه الطبقة بكل تناقضاتها، عبثها وخوائها.. “عليك أن تكون في مستوى جارك مهما كلفك ذلك“.. تلك هي القاعدة الاجتماعية التي تحكم حياة طبقة الأثرياء الجدد، فبيوتهم محرومة من الحياة، خالية من أي ذوق خاص، نسخ مكررة من ذات البيت.

ينجح مخرجا Never Gonna Snow Again في التعبير بصريا عن حالة من الموات والمرض المعبرة عن هذه الطبقة عبر شريط الصورة.. لا شيء يوحي بالحياة داخل البيوت: ألوان غير مُشبَعة، رمادية مع لمسة من الأزرق البارد.. مساحات خالية داخل الكادر كأنها تعكس خواء دواخلهم.

نحن أمام طبقة شديدة الانغماس في ذاتها، لا ترحب بالغرباء.. لا شيء يوحي بتواصل روحي أو حميمي مع الذات أو الآخر الذي يشاركهم المحيط نفسه.. يؤطر السرد عزلتهم، إذ نراهم يتطلعون للخارج دائما من خلف زجاج نوافذهم.

ويسود العلاقة بين الأمهات بشكل خاص والأبناء البرود، الصمت والغضب.. تحاول إحدى الأمهات تعليم طفلها إحدى الأغنيات، يتعلم ابنها في مدرسة فرنسية بينما هي لا تعرف الفرنسية، وبالتالي عاجزة عن مساعدته، يقول لها: لماذا إذا أذهب إلى مدرسة فرنسية؟ تجيبه كي تتعلم الفرنسية.. فيرد في غضب: هذا لا معنى له، وذلك على النقيض من الصلة الروحية العميقة التي تربط “جينيا” بأمه حتى بعد الموت: هذا الدفء الذي يشع من أحلامه حين تزوره في منامه.

هذه التناقضات العبثية أحيانا نشاهدها بعيني الغريب القادم من الشرق، كأننا من جديد أمام ثنائية الغرب المادي والشرق الروحي.. نشاهد “جينيا”، والذي يشعر بغربة داخل هذا المكان يتطلع دائما نحو الشرق في حزن ممزوج بالحنين.

Never Gonna Snow Again.. أقرب لروح الشعر

أليك جولتوف في فيلم Never Gonna Snow Again
أليك جولتوف في فيلم Never Gonna Snow Again

“أهم شيء في Never Gonna Snow Again هو ما يكمن وراء الحكاية”.. “مالجوزاتا شموفسكا” في حوارٍ لها عن الفيلم.

هذا فيلم يتعذّر تصنيفه، إذ يتضمن سرد Never Gonna Snow Again عناصر تنتمي لسينما الأنواع كـ”سينما الرعب”، مثلاً: رعشة ضوء المصابيح التي تشي بحضور غريب للروح، ومشغل الأسطوانات الذي يعمل من تلقاء ذاته، وقدرة “جينيا” على تحريك الأشياء عن بُعد.. كل هذه عناصر بصرية متواترة في سينما الرعب..

نجد أيضا بعض اللحظات الكوميدية، وإن كان المخرج يزرعها في قلب اللحظات الحزينة، كما أن هناك تيارا من الغموض يسري من البداية إلى النهاية، ومع ذلك يتجاوز الفيلم كل هذه التصنيفات.

يلقى Never Gonna Snow Again إلهامه في “سينما الفن” الأوربية أيضا، إذ يستدعي إلى الذهن فيلم المخرج الإيطالي بيير باولو بازوليني المعنون (تيوريما-Teorema)، ويحكي عن زيارة شخص غامض لعائلة بورجوازية.. يترك الغريب أثره الدائم عليها قبل أن يرحل من حيث أتى.. وبينما يُعدّ أثر زائر بازوليني مُدمرا لهذه العائلة، يبدو “جينيا” كملاك محروم من الظلال، لا يتردد في داخله سوى نواياه الطيبة تجاه البشر والعالم.

يستدعي الفيلم إلى الذهن أيضا تحفة الروسي أندريه تاركوفسكي (Stalker) عن دليل يقود شخصيتي الفيلم الرئيسيتين إلى منطقة غامضة تحتوى على غرفة سرية، بداخلها يمكنك أن تحقق أعمق رغباتك.

هناك في فيلم Never Gonna Snow Again صدى لهذه المنطقة، فحين ينوّم “جينيا” عملاءه فإنهم يذهبون إلى غابة غامضة، وهناك يصير بإمكانهم التواصل مع ذواتهم ورغباتهم الحقيقية، إنها أشبه بفسحة للحلم تتجول فيها الروح بحرية بعيد عن الجسد المنهك.

لا يتضمن Never Gonna Snow Again أي حبكة بالمعنى الكلاسيكي، بل يضم خيطا سرديا يتتبع مرور هذا الغريب على المكان والأثر الذي يتركه خلفه.. هذا التخفف من الحبكة التقليدية والاستغراق في لحظات تخلو من الدراما لكنها تستقصي المعنى وراء الحكاية والعمق العاطي لهذه اللحظات، يجعل من سرد الفيلم أقرب إلى روح الشعر.

شبح تشيرنوبل.. ظلال تاركوفسكي 

الغابة الغامضة حيث تتواصل الشخصيات اليائسة مع حنينها ورغباتها
الغابة الغامضة حيث تتواصل الشخصيات اليائسة مع حنينها ورغباتها

ذهب مصور الفيلم، “ميكيل إنجليرت”، لزيارة تشيرنوبل من أجل معاينة أماكن تصوير أحد الأفلام، وهناك وجد المكان مدينة أشباح، لكن ما أدهشه ذلك الهدوء الطاغي، وإحساس السلام النفسي الذي أعاده إلى زمن طفولته.

عاد إنجليرت من هناك ومعه شبح “جينيا” القادم من “بريبيات” المجاورة لتشيرنوبل والمولود قبل كارثة تشيرنوبل بسبعة أعوام.. هذا الطفل الذي تفتح وعيه في ظل الكارثة جاء إلى بولندا حاملا معه إشعاع روح غريبة عن المكان.. أصابعه الخبيرة لا تُذهب تعب الجسد بل الروح أيضا.

يدين Never Gonna Snow Again بالكثير في سرده وجمالياته لسينما تاركوفسكي الشعرية والأقرب إلى الصلاة.. يبدو تاركوفسكي كشبح يتجول داخل الفيلم، فالميل إلى اللقطات الممتدة زمنيا، حركة الكاميرا شديدة التمهل، الثلج الذي يتساقط داخل البيوت، الغابة الغامضة والأب المحتضَر الذي يزرع شجرة لابنه، كل هذا قادم من سينما تاركوفسكي رأسا.

يظل “جينيا” كلغز ممتد من بداية الفيلم إلى نهايته.. لا نعرف عنه سوى شذرات من طفولته تعاوده في هيئة أحلام.. يدور الفيلم نفسه، بداية من عنوانه، في أفق مجازي، فما الذي يعنيه الثلج الذي يسكن العنوان، والذي يتساقط في تتابعات النهاية لنرى شخصيات الفيلم الغارقة في كآبتها تبتسم للمرة الأولى، وهناك إحساس بسكينة وراحة تغمران المكان والبشر؟

تخبر الأم، الحاضرة دائما في أحلام “جينيا”، ابنها خلال واحد من هذه الأحلام:

بعد الانفجار- تقصد انفجار تشيرنوبل الذي راحت ضحيته- طفا الغبار المشع في الهواء، قلت لي إنه يشبه الثلج.. يكمن سحر الثلج في أنه يسقط في صمت.. عندما يتعب العالم ويريد الراحة فإن الثلج يغمره مثل غطاء.. كنت تعتقد أن للثلج قوة غير عادية كأنه بطل خارق.

يبدو الثلج كما تتبنى سردية Never Gonna Snow Again، كتجلٍ للمعجزة، كوميض للأمل.. يفصح “جينيا” في نوبة سُكره الوحيدة عن نياته:

أنا بطل خارق سأحميكم جميعا..

حين يختفي نشاهده من جديد طفلا في الغابة التي أتى منها، ربما كل الفيلم كان مجرد حلم لهذا الطفل الذي لا يزال يؤمن بأنه قادر على اجتراح المعجزات.. ربما هو الثلج نفسه الذي يتساقط على العالم المتعب بعد أن اختفى في الأثير كجزء من عرض سحري.

فيلم Never Gonna Snow Again أقرب لروح القصيدة.. ينتمي إلى السينما التأملية والشعرية المفقودة في بولندا منذ عقود.

أحمد عزت

كاتب سينمائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى