فنمختارات

فيلم “The Birds”.. كابوس هيتشكوك لا ينتهي

 

ترك النجاح الجماهيري الهائل الذي حققه هيتشكوك بفيلمه “Psycho” الجميع في ترقب حَذِر لفيلمه القادم. كان نجاح  “سايكو” الذي عرض عام  1960 هو الأكبر في تاريخه، وهو الأمر الذي وضع عليه عبئًا مضاعفًا. ظل هيتشكوك يتنقل بين مشروع وآخر دون يقين من خطوته المقبلة، فقد كان يفكر غالبًا، وهو الذي يضع الجمهور دائمًا نُصب عينيه، كيف سيحقق فيلمًا أكثر إفزاعًا وعنفًا من “سايكو”؟

في إبريل/ نيسان عام 1960، جذب انتباه هيتشكوك تقرير صحفي عن حادثة جرت في جنوب كاليفورنيا، حيث تدفق عدد كبير من الطيور عبر مدخنة أحد المنازل محولاً البيت الى فوضي بالإضافة إلى مهاجمة سيدة المنزل وإصابتها. ذكرته هذه الحادثة بقصة قصيرة تحت عنوان “الطيور” للكاتبة الإنجليزية دافني دو مورييه والتي سبق أن اقتُبست إلى السينما روايتاها “Jamaica inn” و “Rebecca” أعجبه جو الرعب في قصة دو مورييه وحكاية الطيور التي تهاجم البشر لكن القصة كانت تفتقر إلى الحبكة والشخصيات التي تجعلها قابلة للاقتباس للسينما.

صورة من الصحفية التي نشرت خبر هجوم الطيور على مدينة سانتا كروز

بعد عام تقريبًا، كانت هناك حادثة أخرى مشابهة، اذ تدفقت آلاف الطيور عبر شوارع مدينة سانتا كروز شمالي كاليفورنيا محطمة أعمدة التليفونات ومصابيح الشوارع وزجاج السيارات، كما حاول بعضها اقتحام البيوت بعد أن جذبها الضوء. أرسل هيتشكوك للصحيفة المحلية التي نشرت الخبر من أجل المزيد من التفاصيل . بعد  هذه الحادثة استقر هيتشكوك على قصة “دو مورييه” لتكون فيلمه المقبل مستعينًا بالكاتب إيفان هانتر لكتابة السيناريو والحوار. لم يُبقِ هيتشكوك من القصة سوى الاسم وفكرة الهجوم العدواني للطيور ضد البشر. كل شيء آخر في الفيلم يحمل بصمة هيتشكوك وينتمي إلى عالمه.

رعب ما هو عادي

في كتاب (هيتشكوك – تروفو) يخبر هيتشكوك محاوره المخرج الفرنسي فرانسوا تروفو: “ما كنت لأطور القصة إلى فيلم لو كان الأمر يتعلق بالصقور أو نوع من الطيور الجارحة. ما أعجبني هو أن الأمر يتعلق بطيور عادية طيور كل يوم. هل تُدرك الموقف النفسي؟”.

ما يقوله هيتشكوك هنا يكشف أحد الأمور الجوهرية في سينماه، وهو أن الخوف دائمًا مرتبط بما هو عادي، فسينماه تجسد الرعب الذي تنطوي عليه حياتنا اليومية، والذي حين ينكشف يبدو الأمان الذي كانت عليه الحياة مجرد غطاء رقيق لعالم خطر ومُهدِد.

يذهب بطل فيلمه “The Wrong Man” إلى المصرف من أجل استفسار بسيط عن بوليصة التأمين الخاصة بزوجته من أجل تغطية تكاليف علاج أسنانها، فيجد نفسه متهمًا بجرائم لم يرتكبها ويبدأ عالمه في الانهيار. وكذلك بطل فيلمه “North by Northwest” الذي يجد نفسه دون سبب واضح مطارَدًا كقاتل.

الأسباب التي تدفع هؤلاء الأبرياء إلى الشرك الموجود في كل أفلام هيتشكوك دائمًا غير ذات أهمية، ملامح البطل التي تشبه المجرم في الفيلم الأول، أو الخلط بين بطل الفيلم الثاني ورجل لم يوجد أبدًا. شيء عبثي ومفزع تمامًا في قلب عالم هيتشكوك الذي هو عالم وجودنا اليومي. كونك بريئًا لا يحصنك من هذا الرعب.

يبدأ فيلم “الطيور” كما يبدأ فيلم من أفلام الرومانتيك كوميدي، تلتقي ميلاني دانيلز/ تيبي هيدرن بميتش برينر/ رود تايلر في متجر للطيور. تنجذب له على الفور وتذهب خلفه إلى بيت عائلته في خليج بوديجا في مغامرة عاطفية لا تخلو من المرح والفكاهة، لكن هناك تتخذ الأمور طابعًا كابوسيًّا حين تبدأ الطيور في مهاجمة البشر على نحو قاتل. تهاجم الكل بمن فيهم الأطفال. الجميع في مهب غضب الطيور المدمر.

يكمن الرعب  في أنها طيور عادية عاشت مع الإنسان منذ بداية العالم دون أي تاريخ للعنف من ناحيتها. بادرة العنف الأولى بالطبع كانت ضد ميلاني. أنه نفس الكابوس الهيتشكوكي حين يكشف العادي بداخله عن وجه من وجوه الرعب لم نعرفه من قبل. يُخفي هيتشكوك سبب التحول العنيف في سلوك الطيور عن أبطاله وعن مشاهديه وبالتالي يُبقي الرعب في قلب فيلمه نابضًا حتى النهاية.

منذ صدور الفيلم وحتى الآن تم تقديم العديد من الافتراضات حول السبب وراء هجوم الطيور ضد البشر. البعض رأى في “الطيور” فيلمًا عن انتقام الطبيعة ضد الإنسان أو فيلمًا يجسد الصراع بين الرجل والمرأة حول السيطرة.

المخرج الإيطالي الكبير فيدريكو فيلليني الذي يعتبر “الطيور” فيلمه الهيتشكوكي المفضل يراه قصيدة أبوكاليبسية تخص نهاية العالم، وهيتشكوك صرح في أكثر من حوار بأن الإنسان يأخذ الطبيعة كأمر مسلم به وأن عليه ألا يأخذ أي شيء كأمر مسلم به. أعجبته بالتأكيد اللعبة السادية لتبادل الأدوار فيصير الإنسان داخل القفص والطيور في الخارج.

رغم تعدد التأويلات حول سبب هجمات الطيور المدمرة تجاه البشر، ووجاهة غالبها، وهو أحد أسباب عظمة هذا الفيلم، الذي يمكن اعتباره آخر فيلم عظيم لهيتشكوك، لكن تظل القراءة النفسية لرعب “الطيور” هي الأكثر تماشيًا مع سينما هيتشكوك، كتعبير صارخ عن الديناميكيات النفسية المعقدة التي تسري تحت سطح العلاقات العائلية وعلاقات الحب.

مشهد من فيلم “الطيور”

قراءة نفسية لرعب “الطيور”

“أشعر أنني لا أفهمك مطلقًا، وأنا أريد بشدة أن أفهمك.

 * لماذا يا مسز برينر؟

لأن ابني يبدو مغرمًا بك، وأنا لا أعرف كيف أشعر حيال ذلك”

حوار من الفيلم بين الأم وميلاني.

النمط الذي يقدم به الفيلم عائلة ميتش هو واحد من أكثر الأنماط تكرارًا وإلحاحًا في سينما هيتشكوك: لدينا أب غائب، أم مسيطرة واستحواذية وابن عالق في فخ أوديبي تتعامل معه الأم كبديل الأب الغائب.

ميلاني هي الضحية التي تُستدرج إلى الشرك المُهلِك لهذه العائلة الهيتشكوكية. لدينا أيضًا “سوزان/ آني هيوارث” وهي حبيبة سابق لميتش لم تنجح علاقتها به نتيجة العلاقة الاستحواذية من الأم “ليديا/ جيسيكا تاندي” التي لا تقبل بدخول أي امرأة أخرى في حياة ابنها. تسميه سوزان “هاملت الصغير” إشارة إلى هاملت شكسبير، واحدة من أكثر شخصيات الأدب أوديبية.

سوزان هي الأخرى يستحوذ عليها حب ميتش، وحتى بعد انتهاء العلاقة بينهما تترك سان فرانسيسكو وتأتي للعمل كمدرسة في خليج بوديجا لتكون إلى جانب عائلته، ولا تزال تشعر بالغيرة تجاه العلاقة الناشئة بين ميتش وميلاني، وهذه تيمة أخرى من التيمات المتكررة في سينما هيتشكوك وهي تيمة الاستحواذ الرومانسي والتي تبلغ ذروتها في فيلمه “Vertigo”.

غرام ميتش الواضح بميلاني يهدد وحدة العائلة ويثير الفزع والغيرة داخل الأم التي تخشى أن يهجرها الابن ويتركها وحيدة خاصة بعد موت الأب، كما يثير الغرام نفسه الغيرة داخل سوزان وينهى على أملها استعادة ميتش. الطابع العدواني والعنيف لهجوم الطيور يعادل العنف الذي يسري تحت سطح العلاقات في الفيلم، غيرة الأم والحبيبة السابقة، فزعهما الهستيري وغضبهما المكبوت تجاه العلاقة بين ميتش وميلاني. كلما بدا أن العلاقة تتطور وأن بين ميتش وميلاني انسجامًا، صارت هجمات الطيور أكثر عدوانية وخطرًا.

هجمات الطيور التي يمكن وصفها بأنها لا عقلانية، عشوائية وفجائية تنطبق تمامًا على اندفاعات اللاوعي بفورات غضب وقد وجدت طريقها إلى السطح. موت سوزان نفسها تحت هجمات الطيور أقرب إلى غضب يلتهم نفسه، استحواذها الرومانسي ألقى بها إلى فم الهاوية. ماتت وهي تحمي الأخت الصغرى لميتش، إنه فعلها النهائي، ربما كبادرة حب أخيرة تجاه الرجل الذي استحوذ عليها حبه.

مشهد من الفيلم للمزج المونتاجي الذي يعتمده هيتشكوك

يستخدم هيتشكوك هنا المزج المونتاجي للربط بين المشاهد ينتهي اللقاء الأول بين ميلاني وسوزان، وبين ميلاني والأم بتحديقة تتبع ميلاني كشئ شرير وغاضب. هناك دائمًا رابط مباشر بين غضب الأم وفزعها وغيرة سوزان وبين هجمات الطيور.

ميلاني تسأل سوزان التي لا شك تشعر بالغيرة الآن، هل ينبغي أن تذهب إلى عيد ميلاد أخت ميتش أم لا؟ إنها متخوفة من موقف الأم، فتخبرها أن تدعها من الأم وأن تذهب إذا أرادت ذلك. هنا يصدم طائر بباب البيت ويسقط ميتًا.

هجوم الطيور التالي في حفل عيد الميلاد يأتي أيضًا بعد تحديقتي سوزان والأم تجاه ميتش وميلاني وهما يهبطان نحوهما من التبة في حالة من الانسجام. هجوم الطيور التالي والذي يكون داخل البيت حيث تتدفق الطيور عبر المدخنة، يحدث أيضًا بعد مشهد تتعجل فيه الأم أن تغادر ميلاني عائدة إلى سان فرانسيسكو، في حين يحاول الابن والابنة إقناعها بالبقاء.

مشهد هجوم الطيور على ميلاني في العلية

توجد تقاطعات واضحة بين “The birds” وفيلم هيتشكوك السابق “psycho” أولًا من ناحية التيمة الرئيسة، الأم المستحوذة والمهلكة في أوضح صورة، عندما يتحول الابن إلى أمه في أثناء فعل القتل. هنا في “الطيور” يتخذ غضب الأم طابعًا أبوكاليبسيًّا.

ومشهد الذروة الأيقوني في فيلم “سايكو” حيث تُقتل ماريون وهي تستحم، يوازيه هنا مشهد “العلية”، حيث تترك ميلاني وحيدة تحت هجمات مناقير الطيور التي تفترسها داخل علية بيت ميتش في نوع من القتل المجازي، ينتهي بقبول الأم لها.

بعد هذا المشهد لم تعد ميلاني الأنثى المهددِة. إنها أقرب إلى طفلة تحتاج إلى من يعتني بها. ميلاني أيضًا من خلال هذا القبول تستعيد علاقاتها بالأم التي هجرتها في الحادية عشرة من عمرها، أي في نفس سن ابنة ليديا، أو كما قال لها ميتش في حوارهما أعلى التبة: “أنت بحاجة إلى رعاية أم يا طفلتي”.

اللقطة الختامية للفيلم حيث تتابع الطيور العائلة وهي تبتعد

في حوار مع هيتشكوك يتطرق إلى فيلمه “North by Northwest” والذي يعده كابوسًا يستيقظ منه البطل في النهاية. يتحدث هيتشكوك بأنه إذا كان الأمر بيده ودون اعتبار للجمهور كان سيجعل هذا الكابوس يستمر حتى النهاية، جاعلاً بطله يتنقل عبر أمريكا من تجربة مفزعة إلى أخرى.

يحقق هيتشكوك هذا الطموح في فيلم “الطيور”، فالكابوس لا ينتهي. يظل خطر الطيور مهدِدًا رغم تمكن العائلة من النجاة من هجمات الطيور والهرب، فبينما تبتعد السيارة تظل تحت تحديق النظرة الشريرة والمتوعدة للطيور التي تستعد لهجومها التالي.

يتجاوز هيتشكوك هنا النموذج التقليدي للسرد الهوليودي، حيث يستعيد عالم الفيلم توازنه مرة أخرى وينكسر التوتر المتصاعد. لا ينكسر التوتر هنا ويظل العالم في قبضة الرعب. لا ينهي هيتشكوك فيلمه بكلمة النهاية التقليدية.

 

 

أحمد عزت

كاتب سينمائي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى