سياسةمختارات

في الاختيار 2.. “وصفة الزرقاوي” لإشعال فتنة طائفية في مصر

استطاع صُنَّاع مسلسل (الاختيار 2) إلقاء الضوء على خفايا الخطة الحقيقية التي أدت إلى الحادث الذي وقع صباح يوم بارد من أيام ديسمبر 2016، حينما استيقظ أهالي حي العباسية، شرق القاهرة، على انفجار مدوٍ. حينها سارعت وسائل إعلام محلية بإعلان سبب التفجير، مبينةً أن انتحاريًا فجر نفسه داخل الكنيسة البطرسية بجوار الكاتدرائية المرقسية، كشرارة لبدء حرب طائفية في مصر. 

خلال ساعات، نجحت أجهزة الأمن المصرية في الكشف عن هوية الانتحاري محمود شفيق، وتفكيك الخلية التي ساعدته في تنفيذ الهجوم الإرهابي، وذلك قبل مواراة جثامين الضحايا.

سبّب الهجوم صدمة لحظية لدى كثير من المصريين، لا سيما أنه جرى تنفيذه بأسلوب غير تقليدي عبر استخدام حزام ناسف، خلافًا للهجمات التي شهدتها البلاد في صيف 2013، والتي تمت بأسلوب الاقتحام وإشعال النيران.

داعش وخطة الطائفية في مصر

بعد أسابيع من هجوم الكنيسة البطرسية، كشف تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” تفاصيله عبر إصدار مرئي بثته المنصات الدعائية للتنظيم وحمل شعار: “ولاية مصر”.

أظهر الإصدار الداعشي محمود شفيق، الذي تكنّى بأبي عبد الله المصري أثناء تسجيله وصيته في منطقة غير محددة، وقال إن داعش سيغزو القاهرة بالمفخخات، في حين ظهر إرهابي آخر متوعدا باستمرار الهجمات ضد المسيحيين.

وتابع الإصدار أن هذه العملية “التي ضربتكم في معبدكم لهي الأولى فقط، وبعدها عمليات إن شاء الله، وإنكم لهدفنا الأول وصيدنا ولهيب حربنا لن يقتصر عليكم والخبر ما سترون لا ما ستسمعون”.

لاحقًا، تبين أن الهجوم مجرد حلقة في سلسلة أنشطة إرهابية تستهدفت إدخال مصر نفق الاستقطاب والصراع الطائفي، ليتمكن داعش وغيره من التنظيمات من إيجاد بيئة ملائمة للبقاء والتمدد، وهو ما أعاد مسلسل الاختيار 2 تسليط الضوء عليه عبر حوارات بين شخصية الضابط بقطاع الأمن الوطني، زكريا يونس، (الممثل كريم عبد العزيز)، ورفيقه محمد مبروك (إياد نصار).

أحمد مكي وكريم عبد العزيز في كواليس تصوير مسلسل الاختيار 2
أحمد مكي وكريم عبد العزيز في كواليس تصوير مسلسل الاختيار 2

خلية الكنائس نواة لحرب طائفية

تشير تحقيقات أجهزة الأمن المصرية، خلال السنوات الماضية، إلى أن عمليات استهداف الكنائس، تورطت فيها مجموعة إرهابية محسوبة على تنظيم داعش تعرف بمجموعة جنود الخلافة في مصر أو خلية تفجير الكنائس.

ووفقًا للتحقيقات، فإن قائد خلية الكنائس هو عمرو سعد، الذي أسس مع مجموعة إرهابيين عدة معسكرات في مناطق صحراوية، جرى فيها تدريب العناصر الإرهابية على كيفية استعمال الأسلحة النارية وتصنيع وتفجير العبوات والأحزمة الناسفة لتنفيذ العمليات الإرهابية.

وعمدت تلك المجموعة الإرهابية إلى اتباع الاستراتيجية الحركية لتنظيم داعش ونواته السابقة، جماعة التوحيد والجهاد، التي أسسها الأردني أحمد فاضل نزال الخلايلة، المعروف باسم أبو مصعب الزرقاوي، في العراق عام 2003.

وبايعت المجموعات المحلية خليفة داعش، آنذاك، أبوبكر البغدادي، بعد أن تلقت تدريبات بدنية وتأهيلًا عسكريًا وشرعيًا في المعسكرات التي أسستها خلية “عمرو سعد” في نطاق محافظات الصعيد، والتي كان يفترض أن تعلن “ولاية الصعيد” حال سقطت مصر في الفوضى.

أبو بكر-البغدادي

وصفة الزرقاوي أو كيف تشعل حربًا أهلية؟

يذكر وليد أبوالمجد عبدالله، أحد المتهمين في قضية استهداف الكنائس، في أقواله أمام نيابة أمن الدولة العليا، أنه وعناصر الخلية التي ينتمون إليها تلقوا تلقينًا مكثفًا ركز على استحلال دماء المسيحيين ودور عبادتهم، مضيفًا أن هذا السبب هو الذي دفعه للانخراط في عمليات استهداف الكنائس وفي مقدمتها الكنيسة البطرسية.

وتبين تحقيقات النيابة العامة المصرية والإصدارات المرئية التي بثتها المنصات الدعائية لتنظيم داعش وفرعه المحلي في سيناء، في غضون عام 2017، أن التنظيم سعى لتنفيذ خطة الاستقطاب الطائفي التي رسمها الأردني أبومصعب الزرقاوي وطبقها في العراق قبل سنوات.

وقتها، كان زعيم جماعة التوحيد والجهاد يخطط لإشعال نار جهادية بالعراق، الذي سقط فيه نظام صدام بغزو أمريكي عام 2003.

وحينما حاول “القاعدة”، بقيادة أسامة بن لادن، استقطاب “التوحيد والجهاد” لتكون رأس حربة لمشروعه القائم على استهداف العدو البعيد، أو الولايات المتحدة -“رأس الكفر العالمي” أو “هُبل العصر” – على حد تعبير بن لادن، اشترط زعيم الجماعة الأخيرة ألا يقتصر قتاله على الأمريكيين، وإنما يمتد لاستهداف شيعة العراق.

وقد اتهم الرجل شيعة العراق سابقا بأنهم “كونوا جيشًا سريًا وفيالق عسكرية ويسيطرون على الاقتصاد ويسعون لإقامة دولة شيعية تمتد من إيران مرورا بالعراق وسوريا ولبنان وانتهاء بالخليج العربي، حسبما جاء في رسالة الزرقاوي لأمير تنظيم القاعدة عام 2004.

أبو-مصعب-الزرقاوي

بالطريقة ذاتها، حاول داعش في مصر منذ 2017، إشعال شرارة الحرب الطائفية التي خفتت وانتهت سابقًا، عبر استهداف الأقباط والكنائس والأديرة، بدءًا بحادثة استهداف الكنيسة البطرسية أواخر 2016، ثم استهداف كنيستي طنطا والإسكندرية في أبريل 2017، واستهداف حافلات الأقباط إلى دير الأنبا صموئيل في مايو 2017، ثم نوفمبر 2018.

غير أن تماسك الجبهة الداخلية في مصر، أجهض محاولات تنظيم داعش لزرع بذور الفتنة الطائفية، ولم تفلح محاولاته لجذب المسيحيين للدخول في حرب مع المسلمين، فلجأ التنظيم لاستهداف المساجد وحاول إلصاق هذه العمليات بحركات مسيحية غير موجودة على أرض الواقع.

أبناء يسوع.. لداعش وجوه مزيفة

في نوفمبر 2017، شن مسلحون تابعون لتنظيم داعش في سيناء هجومًا على مسجد قرية الروضة التابعة لمدينة بئر العبد، خلال أداء السكان المحليين لصلاة الجمعة، وأسفر الهجوم عن مقتل 305 أشخاص، بينهم 27 طفلًا.

وعقب الهجوم، بث مقاتلو التنظيم، عبر أجهزة لا سلكي خاصة، نبأ استهداف المسجد، زاعمين أنه “زاوية شركية لعباد القبور الصوفية”، وبعد أيام نشرت قناة أنشئت حديثًا عبر تطبيق تليجرام للتواصل الاجتماعي بيانًا رسميًا لتبني الهجوم، ناسبةً إياه لما سمته “حركة أبناء يسوع“.

ومع أن الصيغة التي كتبوا بها البيان تكشف دون شك أن كاتبه ليس على دارية حقيقية بالديانة المسيحية، إلا أن منصات داعش الإعلامية على تليجرام، روجت له بصورة مكثفة فيما بدا كأنه محاولة لحشد المسلمين ضد المسيحيين وإدخال البلاد في نفق الحرب الطائفية التي فشل التنظيم في جر مصر إليها باستهداف الكنائس بالتفجيرات.

عقب مذبحة الروضة بنحو 3 أشهر، أعلنت القوات المسلحة إطلاق عملية عسكرية شاملة في سيناء للقضاء على ما تبقى من وجود للعناصر الإرهابية، ونجحت العملية الشاملة في تحييد الجزء الأكبر من التهديد الداعشي في أرض الفيروز، رغم بقاء جيوب صغيرة للتنظيم الإرهابي متناثرة في المناطق الصحراوية.

وخلال السنوات التالية، اتضح أن مخطط الاستقطاب والانقسام الطائفي قد تم ضربه في مقتل، بيد أن داعش حاول إحياءه من جديد تزامنا مع عرض الجزء الثاني من مسلسل الاختيار.

إذ بث التنظيم إصدارًا مرئيًا بعنوان (صناع الملاحم) تضمن لقطات لإعدام 3 مواطنين مصريين من بينهم موطان مسيحي (نبيل حبشي)، والذي اختطفه داعش سابقا، ليبتز أسرته ويحصل منهم على فدية 5 ملايين جنيه.

وبعد ساعات من بث الإصدار، نجحت أجهزة الأمن المصرية في تحديد هوية المتورطين في مقتل “حبشي” وتصفيتهم قبيل تنفيذهم عمليات عدائية تستهدف أقباطا وممتلكاتهم ودور عبادتهم، وارتكازات الجيش والشرطة، لتؤكد قوات إنفاذ القانون من جديد أن “وصفة الزرقاوي” للحرب الطائفية لن يكون لها مكان في مصر.

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى