وجهات نظر

 في البدء كانت اللعبة

كانت من الدردشات الأكثر إمتاعا رغم أنه لم يكن بيننا معرفة سابقة، لم نتحدث في مسألة تخص الشأن العام أو الخاص أو حتى حمل حديثنا مضمونا مفهوما، كلمات ملغزة نتقاذفها في الشات تخمينا للمعنى المقصود من عبارات متبادلة أخذت صورة أقرب للعبة عقلية، ونبهتني اللعبة أن لا شيء آخر يحمل قيمة أكثر منها.

تفطنت إلى أن نقاشات دامت ساعات وساعات مع أصدقاء حول أفكار تنوعت بين اجتماعية وسياسية وفكرية.. لم يكن مصدر قيمتها الفكرة بل اللعبة العقلية، حتى العمل ـ الشيء الأكثر أهمية في حياة كل منا ـ ليس أبعد من لعبة بالنسبة لي، رغم ممارستي له بكل جدية، فأنا حريص كل الحرص أن أتقدم دائما إلى مساحات جديدة وألا أكتب المكتوب، ببساطة لأنه لا يوجد أي متعة في طرق المطروق، مع أنه أقرب للسلامة وأبعد عن الخطأ.

المعنى المقصود أن اللعبة لا تخلو أبدا من الجدية، رأي طالعته بعدها لأرسطو، أنه “إذا أردت أن تكون جادا العب”، وربما من تلك الجدية تنبع القيمة، فإلى جانب الأخلاقية التي تفرضها الأسس الملزمة للعبة التي تفقد قيمتها وتصبح مستحيلة من غير القواعد؛ يبلغ الفرد ـ مع اللعب ـ أقصى قدر ممكن من الحرية.

لهذا رأى الفيلسوف والشاعر الألماني شيلر أن الإنسان يلعب عندما يمسي إنسانا بالمعنى الكامل للكلمة و”لا يصبح إنسانا مكتمل الإنسانية إلا أثناء اللعب”، فاللعب أسمى من أن يعد مجرد شيء جاد، هو “جدية مفرطة”، لهذا سمي لعبا، في حين رأى سقراط أن أبلغ أنواع اللعب هي الفلسفة “فتكريس نفسك للتلاعب بأنبل وأسمى الأفكار أشبه بزرع حدائق جميلة ببذور الفكر، والتفكير الفلسفي المرح هو الثمرة التي تجنيها”.

حتى الحيوانات لديها شغف باللعب، والاستمتاع به كغاية في حد ذاتها، يمتد ذلك إلى الأنواع الأكثر حبا للنظام مثل النمل والأشد بساطة في سلسلة التطور، فحيوان ينتمي إلى القشريات مثل سرطان البحر يعيش دون أن يملك وعيا أو أحاسيس، يهوى اللعب، عبر قبضه على الأشياء بمخالبه والتلاعب بها.

“اللعب أقدم من الثقافة”، مفهوم الثقافة يفترض مسبقا وجود مجتمع إنساني، أما اللعبة فلا تتطلب ذلك، لهذا فالمظاهر الأصلية للثقافة هي في الأصل أشكال مختلفة من اللعب. نشأت الثقافة الإنسانية وتكشفت في شكل لعبة ليمضي بها جيل بعد جيل، ومع تطور الثقافة تم الدفع باللعبة إلى الخلفية؛ ليتبلور القانون والعلوم والاقتصاد والسياسة..

في كل تلك المجالات وغيرها اللعبة هي الأساس البنيوي للعمل، لكن عندما طغت سمة الاحتراف، واكتسب المرح صفة الصبيانية تراجعت روح اللعب، لحساب الميكانيكية التي  زحزحت الحياة والحيوية عن الفرد، فاقتصرت حركته على هدف وحيد، الفائدة المادية.

هذه الحصيلة من الآراء التي راودتني بعد تنبهي لقيمة اللعبة، تجعلها أبعد من كونها ظاهرة بيولوجية أو بدنية، وأكثر أهمية من حصرها في خانة الترويح عن النفس، ورغم أنها تحتل مكانة ثانوية لدى الكثيرين لكنها هي من تحافظ للإنسان على إنسانيته، أو يمكن أن أردد مع المؤرخ الثقافي يوهان هويزينجا أن تسمية الإنسان العاقل المدللة على تميزه عن غيره من الأجناس ترجع إلى اللعب فهو من جعل الإنسان على ما هو عليه.

اقرأ أيضًا لـ محمد الطناوي: “أوبو”.. حياتك في صورة

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى