في بيتنا.. “تنمّر”

“لم أكن قبيحة، لكن تنمر أمي وأسرتي الدائم بي أفقدني ثقتي بنفسي وتدهور مستواى الدراسي،.. خضت مراهقة صعبة وفكرت في ارتداء النقاب فقط لأختبئ خلفه”. هذا ما تعبر به “شيماء” عن مأساتها وهى طفلة وسط أسرتها التي لم تكف عن التنمر بها، لتكشف لنا قصتها وقصص أخريات وآخرين مثلها بُعداً جديداً عن الظاهرة التي تحظى باهتمام دولي، وهو التنمر داخل الأسرة. وتكمن خطورة هذا النوع من “التنمر” في سهولة تغاضي المجتمع عنه، فضلا عن آثاره النفسية السيئة على الأطفال في المراحل العمرية المبكرة.

“شيماء” ليست وحدها في هذه المعاناة، فهي تمثل 78% من أطفال مصر الذين تعرضوا للعنف النفسي وفقا لدراسة “اليونيسيف” بعنوان “العنف ضد الأطفال في مصر”، فيما واجه 75% من الأطفال عنفا جسديا يحدث غالبا داخل المنزل.

 

حكاية “شيماء” وابنتها مع “الشعر الكيرلي”

نشأت “شيماء” في منزل عائلة يضم أبناء وبنات الأعمام بمحافظة الشرقية، كانت أكثرهم ذكاء وأدبا وتفوقا، لكنها لم تكن جميلة بنظر والدتها وأقاربها، ولم تحظ بنفس الاعجاب الذى حظيت به ابنة عمها ذات الملامح الجميلة، فيما حظى الذكور بالتفضيل المطلق الذي يحصلون عليه تلقائيا لأنهم ولدوا ذكورا في مجتمع لايزال يعتبر “نوع المولود” كذكر ميزة تفضيلية.

تقول الشابة الثلاثينية لـ«ذات مصر»: “كانوا يسخرون من شعري وشكلي باستمرار، وأمي التي ورثت شعري عنها، استخدمت كريمات وموادا كيميائية لفرده وأنا في سن السابعة، وكنت أتألم عندما تصفف شعري حتى البكاء، وكنت مجبرة على جمعه في كعكة أو ضفيرة طوال الوقت ليبدو أقل فوضى”.

الدكتور جمال فرويز، استشاري الصحة النفسية يؤكد لنا أن الوالدين هما مصدر الحماية والمساندة والرعاية للطفل، وقيامهم بهذا الدور يكسب أطفالهم شعورا بالأمان والتقبل والثقة بالذات، وعندما يتحول مصدر الحماية ممثلا في الوالدين إلى مصدر للتنمر والسخرية يفقد الطفل الثقة بأبويه وبذاته وبالآخرين ويعاني من الحرمان العاطفي الذي يتسبب في مشكلات نفسية ضارة له وللمجتمع أيضا.

إحصائية اليونيسيف عن العنف النفسي- مصر 2015

“شيماء” اليوم أم لطفلة في الرابعة من عمرها، ومديرة للعلاقات العامة بإحدى الشركات، تتمتع بجمال دافئ وبشرة قمحية صافية، وعيون تلمع بالذكاء لكن يسكنها حزن قديم بسبب ما تعرضت له داخل أسرتها.

اليوم أيضا تكمل الأم الشابة معركتها ضد التنمر الممتدة إلى طفلتها التي ورثت عنها نفس “فتلة الشعر المجعدة”، وطالتها نفس التعليقات السلبية من جدتها التي كانت تطلقها على شعر والدتها للدرجة التي دفعت “شيماء” للتوقف عن زيارة والدتها، ورفضت مقترحاتها لحلق شعر الصغيرة أو وضع خلطات شعبية عليه أو فرده، وشجعها على ذلك طبيبها النفسي الذي لجأت إليه.

تردد الصغيرة ما تقوله أمها حين يعلق أحد بالسلب على شعرها قائلة “أنا شعري كيرلي وجميل”، كما ترفض اقتراحات قصه أو جمعه برباط.. وتتبع “شيماء” روتينا دقيقا للعناية بشعر طفلتها، وتصر على تركه حرا، بينما لم تجرؤ هي حتى الآن على حل كعكتها.

تقول الدكتورة سوسن فايد، أستاذ علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، إن التنمر الأسري يعود بالأساس لضعف الثقافة وعدم تأهيل الوالدين للقيام بدورهم في التربية السليمة، وإن تأثير التنمر الأسري يمتد للمدى القريب والبعيد، حيث يشعر الضحية بالدونية وعدم كونه أهل للحب وللاحترام ويفقد الثقة بنفسه، وتزيد رغبته في العزلة والانطواء وعدم الثقة في نجاح علاقاته الاجتماعية.

جلباب قصير يجلب العنف والسخرية

في إحدى مراحل حياته المبكرة انجذب “محمد” الشاب القاهرى إلى الالتزام الديني والمواظبة على الصلاة وحفظ القرآن والتسوك، وما تبعه ذلك من ارتداء ملابس قصيرة سواء جلباب أو بنطال. لكن مظهره لم يعجب والده الذي كان يعنفه بالسباب والسخرية منه أمام أصدقائه ولقبه بـ “شيخ … “.

لم يأخذ الوالد السلوك الجديد الذى طرأ على نجله على محمل الجد، ولم يناقشه في الأفكار التي دفعته إلى ذلك السلوك ومحاولة تقويمه بالحفاظ على التزامه الديني ومظهره في نفس الوقت دون تشدد، وأصر الوالد على التنمر من ابنه الذى كان طالبا في المرحلة الإعدادية، وزاد على ذلك جرعات التعنيف، فكسر له سواكه ومزّق كتبه وحرمه من الدراسة.

من المعروف أن التنمر يشمل أشكالا متعددة من الإيذاء، كالاعتداء البدني، الضرب، إتلاف الأغراض، الشتم، التحقير، السخرية، إطلاق ألقاب مسيئة، التهديد، التجاهل والإهمال، والتربص، والنظرات السيئة، وفقا لليونيسيف، وقد عانى “محمد”، من معظم تلك المشكلات، التي أثرت عليه وعلى شخصيته بصورة كبيرة.

يقول “محمد” – ٢٩ سنة، لـ «ذات مصر»: “لما دخلت ثانوي كنت فقدت الثقة بنفسي تماما، وحاسس  إني مش مهم ولا مؤثر ومش قادر أخد قرار، كانت شخصيتي ضعيفة وممكن أعيط لو حد تقل في الهزار”.

نقلنا ما قاله “محمد” إلى استشاري الصحة النفسية، فعلق عليه قائلا : “السخرية من الطفل والتعليقات السلبية على مظهره أو صفاته الجسدية تتسبب في شعوره بالدونية وعدم تقدير الذات وتدني الشعور بالقيمة، وتزداد حساسيته لما يواجهه من مشكلات أو تعليقات”.

التحق “محمد” بكلية الحقوق، وخاض تجربة مختلفة غيرت تفكيره، وشارك في الحركة الطلابية السياسية بالجامعة في ذلك الوقت، بينما أصر والده على نفس رد الفعل تجاه نجله، “تمزيق كتبه وحرقها وضربه وطرده من المنزل” اعتراضا على مساره الجديد.

عمل “محمد” صحفيا بعد تخرجه ثم قرر أن يحاول تخطي ما يواجهه من صعوبات في سبيل المستقبل الذي يقرره بنفسه ويختاره، وإن لم يستطع تجاوزها حتى الآن.

يوضح “فرويز” أن الأشخاص لا ينسون وقائع التنمر التي يتعرضون لها في طفولتهم وفترات عمرهم المبكرة، وأن التأثيرات تلازمهم، مشيرا إلى أن أحد مرضاه وهو شخص يشغل منصبا مرموقا ما زال يتذكر ويعاني من وقائع التنمر التي تعرض لها في مراحل عمره المبكرة رغم تجاوزه الخمسين.

وترى أستاذة علم النفس، أن الاختلاف في الأفكار  والفروق بين الأجيال طبيعية، ولكن ثقافة الوالدين ضرورية للتعامل مع اختلافاتهم مع أبنائهم، خاصة مع الفروق الثقافية الكبيرة بين جيلي الآباء والأبناء، ويجب أن يتم استيعاب الأبناء من قبل الوالدين لتجنب النفور وعدم اللجوء للتنمر والعنف لمقاومة أفكار الأبناء وتوجهاتهم.

“سودة وكارتة”.. ذاكرة نور عن طفولتها

لم يكن شعر “نور” المجعد سببا للتنمر ضدها فحسب، بل جلب لها مشكلة أخرج هى أن والدها أراد أن يضرب عصفورين بحجر واحد هو أن يتخلص من الشعر “الكيرلي” بقصه وأن يحقق أمنيته في إنجاب ذكر بأن ترتدي ابنته ـ بعد قص شعرها ـ ملابس الصبية، والحرص على أن تكون بهذا المظهر لأطول فترة ممكنة، امتدت حتى مراهقتها وبداية شبابها.

“ماما كانت بتقص شعري زي الولاد.. شعري (كيرلي) لكن بالنسبة لها (أكرت) مش بتحبه ومبتعرفش تتعامل معاه، أنا كمان سمراء وقصيرة فكانوا دايما يتريقوا عليا ويرددوا أغنية قديمة اسمها “سودة وكارتة”.. هذا ما تحكيه “نور” الشابة السكندرية عن قصتها.

 

تحولت “نور” إلى مادة للسخرية في التجمعات العائلية، وكانت مضطرة لالتزام الصمت رغم غضبها احتراما للكبار، وتأثرت ثقتها بنفسها ولكن ذلك تحول مع الوقت لتحفز ينفجر في أي شخص يعلق على مظهرها، كما ارتدت الحجاب مبكرا وكان من ضمن دوافعها إلى ارتداءه تقليل حجم التنمر والتعليقات السلبية التي تواجهها في المنزل وخارجه.

وينصح استشاري الصحة النفسية، الوالدين في حالة تنمر بعض أفراد الأسرة على الطفل ولو تم تغليفه بالمداعبة، بأن يقوم الوالدين بلفت نظر من يرتكب ذلك الفعل، وتوضيح عدم قبولهم للتنمر على الطفل وعدم سماحهم بتكرار الأمر، ودعم الطفل وتقوية الروح المعنوية له، وتشجيعه على عدم الاهتمام بمثل تلك التصرفات السلبية.. وهو مالم تحظى به نور، يوما في جلسات عائلتها.

دراسة اليونيسيف “العنف ضد الأطفال في مصر”

“نور” اليوم شابة ثلاثينية، تعد رسالتها للحصول على الماجيستير، وتحافظ على شعرها طويلا، ولا تتقبل فكرة قصه، واستعادت كثيرا من ثقتها بنفسها، وتنتظر طفلتها الأولى بينما تتجاهل دعوات والدتها وإن آلمتها، ألا ترث حفيدتها لون أمها وشعرها.

أكدت فايد، على أهمية قيام الشخص الذي تعرض للتنمر في طفولته، بتحليل ومحاولة استيعاب المتغيرات التي دفعت الأهل للقيام بتلك التصرفات وإدراك أن القصد لم يكن الإهانة وإنما تغير وتراجع في الثقافة، ومع تزايد فهمه وعدم ترك نفسه عرضة للفراغ الفكري يستطيع التصالح مع نفسه وأسرته ويقلل حدة المشاعر السلبية التي انتابته في فترة الطفولة، كما قد يحتاج لمساعدة طبيب أو اختصاصي نفسي لمساعدته على تجاوز ذكرياته السلبية.

 

“تخينة وغبية” ! .. لماذا تنتحر طفلة؟

نهال- 19 سنة، هي الأخت الصغرى لثلاثة من الإخوة والأخوات، كانت في صغرها الطفلة المدللة، لكن مع التحاقها بالدراسة تبين لأسرتها ضعف قدرتها على التحصيل وسط إخوة متفوقين دراسيا التحق أحدهم بكلية الطب، وأخرى بالألسن، وثالث يخطو خطوات طيبة في دراسته الثانوية، وبسبب ضعفها في حل مسائل الرياضيات والنحو باتت محل انتقاد الجميع.

بانقضاء المرحلة الإعدادية وعدم حصولها على مجموع يؤهلها للالتحاق بالثانوية العامة انتهت محاولات أسرة “نهال”، المقيمة بمحافظة المنيا، لمساعدتها واستمر التنمر عليها كفاشلة وحيدة في بيت النابغين.

تقول” نهال”،: “تمنيت أكون ذكية زيهم ولكن محصلش.. بعد الإعدادية وجهت غضبي وحزني للأكل باكل بالليل وبالنهار وأي حاجة لحد ما تخنت جدا، وهما لقوا سبب جديد عشان يتريقوا عليا ويقولوا إني تخينة مع فاشلة وغبية”.

يقول  استشاري الصحة النفسية، إن التنمر الذي يتعرض له الطفل داخل الأسرة قد يدفعه لارتكاب أفعال خاطئة، ونتيجة الحرمان العاطفي قد يلجأ للكذب أو السرقة أو العنف أو إيذاء نفسه، مشيرا إلى أن حدة التاثيرات تختلف طبقا للمرحلة العمرية للطفل وكذلك وفقا لجيناته الوراثية واستعداده للإصابة بمشكلات مرضية من عدمه.

مع نهاية دراستها بإحدى المدارس الثانوية المهنية، بلغ وزن “نهال” 120 كيلو، تواجه نظرات وعبارات السخرية في المنزل وخارجه “انتي مش زي إخواتك ليه، وانتي طالعة لمين كدة”، وواجهت كل ذلك بالتمرد على قواعد البيت، والحديث بطريقة حادة، وكثرة الرفض والاعتراض، وهو ما يمكن اعتباره أمرا عاديا لمراهقة تعاني من مشكلات لا يمكنها التعامل معها، ولكن ذلك عرضها للعنف الجسدي واللفظي أيضا.

أشارت فايد، إلى أن التنمر قد يتسبب في ميل ضحيته للحدة وللعنف والتمرد والرغبة في الانتقام وقد يتحول لشخص متنمر، وتتوقف حدة تأثر الطفل على حجم الضرر الذي تعرض له وحسب طبيعة بناءه الشخصي.

 

لم تحاول “نهال”، اتباع أي نظام غذائي للتخلص من الوزن الزائد رغم تعليقات أسرتها التي لم تتوقف مع كل وجبة، كانت ترى أنها تتلقى تعليقات سلبية في كل الحالات، لم تحظى بدعم كاف من أسرتها، وفي إحدى المرات التي قرر والدها عقابها بمنعها من المدرسة، حاولت نهال الانتحار بتعاطي جرعة كبيرة من الأدوية.

أشار “فرويز”، إلى أن درجة تأثر الشخص الذي تعرض للتنمر هي التي تحدد حاجته للجوء لطبيب نفسي من عدمه، فإذا كان الشخص غير قادر على التفاهم والتواؤم والتعامل مع المجتمع والظروف المحيطة به بسبب ما تعرض له من تجارب سلبية فيكون بحاجة لمساعدة متخصص في هذه الحالة.

نجت “نهال”، من محاولة الانتحار، وحظت ببعض التعاطف والدعم الذي افتقدته طويلا من أسرتها، بعد أن التفت شقيقها لحاجتها لطبيب نفسي شخصها بالإصابة بالاكتئاب.. بدأت الشابة رحلة علاجها ولكنها ما زالت تحتاج كثيرا من الوقت لتتعافى.

بمشاركة

رسوم وجرافيك

أحمد بيكا

مونتاج

طه حسين

قصــة

سارة جمال

صحفية مصرية

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search